عندما نذكر العش، فإننا نفكِّر ببساطة في أحد أشكال البناء الموجودة في الطبيعة. فالطيور تجمع أغصان النباتات وأوراقها وجذوعها وتضعها معًا لبناء مكان لحماية بيضها، لكننا لا نفكِّر كثيرًا في النباتات التي تستخدمها هذه الطيور، فهي مجرد أدوات بناء.

عُشُّ طائر الطنَّان أحمر الرأس.
عُشُّ طائر الطنَّان أحمر الرأس.

لكن في بعض الحالات على الأقل، لا يكون العشُّ بالبساطة التي يبدو عليها للوهلة الأولى؛ فقد يكون مشروع تناسُل مشتركًا بين شريكين، هما الحيوانات والنباتات.

طائر الطنَّان أحمر الرأس في العش.
طائر الطنَّان أحمر الرأس في العش.

يدرس فرانسيسكو فونتربِل — عالم البيئة بجامعة شيلي — وزملاؤه طائرَ الطنَّان أحمر الرأس ذا الظهر الأخضر، وهو النوع الذي ينتشر عبر الغابات في شيلي والأرجنتين. وكما نرى في هذه الصورة، فإنه يبني عشًّا ذا طابع خاص، يبدو كما لو كان مصنوعًا من شرائح مكرونة خضراء وبرَّاقة.

لكن يتضح في النهاية أن طائر الطنَّان يبني عشَّه في الأساس من نبات السرخس والطحالب. وقد يبدو هذا العش منمَّقًا إلى حدٍّ ما من جانب هذا الطائر، لكنه في واقع الأمر أكثر تنميقًا مما يبدو؛ فعندما فحص فونتربل وزملاؤه ٣٠ عشًّا اكتشفوا أن الطيور قد اختارت المواد التي استخدمتها من مجموعة قليلة من أنواع السرخس والطحالب، في حين تجاهلت أنواعًا أخرى تنمو على الأشجار في الغابات التي تعيش فيها.

كذلك اكتشف فونتربل وزملاؤه أن طيور الطنَّان عندما تذهب إلى أنواعها المفضَّلَة من السراخس أو الطحالب، فإنها لا تلتقط عشوائيًّا أيَّ جزء من النبات فحسب.

ظهرت السراخس والطحالب قبل ظهور البذور، ولكي تتكاثر هذه النباتات فإنها تنتج خلايا جنسية ذكرية وأنثوية تؤدِّي عمل مَنِيِّ الحيوان وبويضاته. يخصب المنِيُّ البويضاتِ التي تنمو لتصبح بنيات (تُسمَّى المَبَاغات أو المَعارِس) تنتج أبواغًا، وتطلق السراخس والطحالب بعد ذلك هذه الأبواغ، التي يمكن أن تنتقل بعيدًا بفعل الرياح أو الماء من أجل إنتاج نباتات جديدة.

اكتشف فونتربل وزملاؤه أن طائر الطنَّان أحمر الرأس يفضِّل أخذَ البنيات المليئة بالأبواغ من أنواع معيَّنَة من السراخس والطحالب لبناء أعشاشه، وتظل هذه الأجزاء من النباتات حيَّة بعدما يستخدمها الطائر في بناء عشه. وعندما عاد العلماء لزيارة ٢١ عشًّا بعد مرور عام، كانت هذه الأجزاء من النبات لا تزال تنتج أبواغًا جديدة.

يرى العلماء أن طائر الطنَّان أحمر الرأس والأنواع التي يفضِّلها من السراخس والطحالب تربطهما علاقة خاصة جدًّا من الأخذ والعطاء؛ فتوفِّر السراخس والطحالب للطيور الموادَّ التي تحتاج إليها لبناء أعشاشها، إلا أن هذا العمل ليس على سبيل التضحية من جانب النبات، فربما تستفيد السراخس والطحالب بسبب اختيار هذه الطيور للأجزاء التي تحتوي على إرثها الجيني.

فالتقاط الطائر لجزء من السراخس أو الطحالب يمكن أن ينقله إلى مسافة أبعد من التي قد ينتقل إليها بمفرده، وربما يكون لاستقرار هذه النباتات في نهاية المطاف في أعشاش أعلى الأشجار أهميته الخاصة بالنسبة للنباتات، فيمكن لأبواغها أن تسقط على مساحة أكبر من أرض الغابة، ومع انتشار هذه النباتات على مساحة أكبر، ربما تتمكَّن من التزاوج مع كمٍّ أكبر من النباتات الأخرى، ومن ثَمَّ تزيد مقاومتها للانقراض.

تعتمد النباتات على الحيوانات في نقل بذورها بطرق عديدة. فعلى سبيل المثال، تنمو لدى بعض النباتات بنيات لحمية على بذورها تعمل على جذب النمل. يأخذ النمل البذورَ إلى أعشاشه ويأكل الأجزاء اللحمية، تاركًا البذور لتنبت. في حين تنتج نباتات أخرى ثمارًا كبيرة تتغذى عليها الثدييات أو الطيور، وتخرج البذورُ سالمةً من رحلتها داخل الأمعاء لتستقرَّ في فضلات الحيوانات حيث تنتشر بعد ذلك.

تحتاج فرضية إمكانية نشر الطيور أيضًا للنباتات من خلال بناء أعشاش تنبض بالحياة إلى الاختبار. فهل تكون النباتات أفضل حالًا عندما تأخذ الطيورُ أجزاءها التناسلية عمَّا إذا لم يحدث أي تدخُّل من الطيور؟ وهل طوَّرتِ النباتاتُ أية استراتيجيات لتجعل من بنياتها الحاملة للأبواغ موادَّ أفضلَ لبناء الأعشاش؟ وهل تجذب هذه النباتات طيورَ الطنَّان بروائح معيَّنة؟

في حال تأكيد هذه الاستفسارات، سيكون من المجدي دراسة أنواع أخرى من الطيور؛ فربما توجد أعشاش أخرى لا تنتج طيورًا جديدة فحسب، بل نباتات جديدة أيضًا.

A Living Nest? By Carl Zimmer. The Loom. February 4, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.