الهجرة عادة اجتماعية في عالم الحيوان، بل هي أكثر من عادة اجتماعية؛ لأنها غريزة نوعية في كثير من أنواع الطيور والأسماك والفقاريات، يدل على قِدَمها وتأصلها أنها نشأت في تلك الأنواع قبل انفصال القارات وتغير مواقع البحار فيما بينها؛ فلا يزال بعض الأحياء ينتقل من مكان إلى مكان، وبينهما بحر يشق عبوره على تلك الأحياء، فتسقط في الماء من الإعياء، ويحيق بها أو بمعظمها حائق الفناء.

وهي — بطبيعة الحال — لم تكن تلقى هذه الهلكة الإجماعية في أول عهدها بالعبور من المكان الذي تهجره إلى المكان الذي تهاجر إليه، بل كانت تبلغ البر الأمين، وتُكرِّر بلوغه والعودة منه مرات بعد مرات، ولولا ذلك لما تأصلت فيها غريزة الانتقال ولا غريزة «التلمس» التي تهديها سبلها الطويلة في الذهاب والمآب.

ومن أغرب هذه الهجرات الإجماعية هجرة القارض الإسكندنافي المُسمَّى «باللمنغ» Lamming الذي يعيش في تلال النرويج، فإنه يُشاهَد في العصور الأخيرة وهو يتجمع بالألوف والمئات ليصل إلى شاطئ المحيط، ثم يندفع فيه فيغرق كله ولا ينجو منه حيوان واحد.

ومن البديه، أن هذه الرحلة ليست برحلة «انتحار»؛ لأن غرائز الأنواع تقوم على حفظ النوع ولا تقوم على هلاكه، ولكنها — على الأرجح — رحلة إلى قارة قديمة كانت موجودة على مقربة من شاطئ النرويج قبل انفصاله على النحو المعروف في القرون الحديثة. ولعلها هي القارة الأمريكية، أو الجانب الشمالي من جزرها وبرورها الكثيرة … فتكون غريزة الهجرة في هذا الحيوان قد بدأت على هذا التقدير منذ عشرات الألوف من السنين.

أما في عالم الإنسان فقد بدأت الهجرة منذ العصر الجليدي، في الشمال الغربي من أوروبا، وفي الشمال الشرقي من آسيا على السواء. وتَشَابُهُ الملامِحِ بين الشعوب المغولية وبين الإسكيمو والهنود الحمر في أمريكا الشمالية دليلٌ على قِدَم ذلك التاريخ، فهاجرت شعوب من آسيا إلى أمريكا، وشعوب أخرى من أوروبا إلى آسيا، لم يبقَ من أصولها في مواطنها الأولى إلا آثار يتبينها الباحثون بالظن والتقدير.

وليس هناك من شك في قدم الهجرة بعد العصور الجليدية؛ لأن الجماعات البشرية الأولى كانت جماعات رعاة لا تعرف الزراعة ولا استنبات العشب والحبوب، فكانت تستقر في المكان ريثما تستنفد زرعه، ثم تهجره إلى مكان آخر موفور الزرع والماء، ولا تلبث أن تهجر هذا المكان أيضًا إلى غيره لتَغلبَ سكانه على نصيبهم من المرعى، أو تتجاوزهم إلى مرعى مجهول خلا من السكان.

وربما كان العرب أقدم المهاجرين في التاريخ الإنساني لهذه الأسباب وما جرى مجراها. فمن جزيرة العرب خرج أجداد البابليين القدماء، ومنها خرج أجداد الكنعانيين إلى فلسطين الجنوبية، وسُمِّيَتْ أرض كنعان باسم عربيٍّ قديم يطابق موقع الأرض التي كانت تُعرَف بالأرض الواطئة، فلا تزال مادة كنع وخنع وقنع في اللغة العربية تفيد معنى الهبوط أو الخضوع.

والعبرانيون هم عرب مهاجرون وصلوا إلى ما بين النهرين، ثم انتقلوا منها إلى فلسطين. أما الهجرة العربية الكبرى بعد الإسلام فهي هجرة المسلمين التي تهيأت لها أسباب دينية، واجتماعية، واقتصادية لم تتهيأ قبلها لأمثال هذه الهجرات.

ولما تعلَّم الناسُ الزرعَ في العصور التاريخية قلَّت الهجرة ولكنها لم تبطل كل البطلان ولم تنقطع كل الانقطاع، وإنما تفاوتت دواعي الهجرة بين الأقطار المختلفة على حسب التفاوت بينها في الخصب ووفرة السكان ونظام الحكومات؛ فالبلاد التي يكثر سكانها ويقل خصبها أكثر هجرة من البلاد التي تتسع لسكانها وتزودهم جميعًا بما يكفيهم من الأمواه والثمرات، والبلاد التي تضطرب حكوماتها، أو تجري على نظام يسوء بعض أهلها، أكثر هجرة من البلاد التي ينتظم فيها الحكم ويندر فيها الاضطراب.

ومن قبيل الهجرات لأسباب «حكومية» هجرة الإسرائيليين من مصر في عهد موسى الكليم، وهجرة إبراهيم الخليل قبل ذلك من العراق. ومن قبيلها في العصور الوسطى هجرة المتطهرين Puritans من الجزر البريطانية إلى القارة الأمريكية، وهجرة المضطهدين أمثالهم إلى تلك القارة في الشمال والجنوب، وربما أُضِيفَتْ إلى أسباب الاضطهاد أسباب أخرى تتعلق بخلل الحكم وأسباب غيرها تتعلق بسوء الحال وانبعاث المطامع في أرزاق العالم الجديد.

على أن الهجرة الفردية لم تنقطع قطُّ من أقدم الأزمنة إلى هذا الزمن الحديث؛ فإن اليونان الأقدمين قد هاجروا إلى مصر أفرادًا وأسرًا منذ ألوف السنين، كما يهاجرون إليها في هذه الأيام. وبعض الأفراد أو الأُسَر المصرية تهاجر من إقليم إلى إقليم بين الوجهين، حيث تقيم بعض الوقت، أو تؤثر البقاء في موطنها الجديد.

ولم تكن للأوطان الأولى «أبواب سياسية» تُفتح وتُقفل على النظام المتبع عند المعاصرين في الرخص والجوازات، فلما عُرِف هذا النظام خفت قيوده شيئًا فشيئًا حتى أصبح الحصول على الجواز كالحصول على تذكرة السفر من نوافذ المحطات، ولولا طوارئ الحروب وخوف التجسس وإقلاق الخواطر بالدعوات المعادية لازدادت سهولة السفر من وطن إلى وطن ومن قارة إلى قارة، ولم يعترضه من عائق غير العوائق المتفق عليها لوقاية الصحة أو مطاردة المجرمين.

***

فالهجرة أصيلة في غرائز الجماعات الحيوانية، قديمة في حركات الجماعات الإنسانية. ولا يُنتظَر أن تنقطع في العصر الحديث بعد أن تيسرت المواصلات بين جميع القارات وأوشكت «الوطنية العالمية» أن تصبح وطنية ثابتة معترفًا بها لأبناء كل أمة من أمم الحضارة. ومصير هذه القيود التي استلزمتها المخاوف والشكوك في أيام الحرب أن تزول شيئًا فشيئًا، ويخلُفها نظام يوافق اتصال العلاقات بين أمم العالم كله في شئون السياسة والثقافة والتجارة ومسائل التعاون الكبرى بين الأمم والحكومات.

وغاية ما في الأمر أن الهجرة الحديثة ستدخل في نطاق الرقابة والتنظيم بعد أن كانت عملًا مرسلًا بغير نظام مقرر يُلاحَظ في السماح للذاهبين بالذهاب أو في السماح لهم بالدخول حيث يذهبون.

ففي العصور الماضية كانت الهجرة الجامعة بمثابة الغارة الحربية من قبيلة على قبيلة، أو من وطن على وطن، أما الهجرة الفردية فلم تكن مقيدة بالاستئذان في الخروج ولا في الدخول، وكان لكل فرد يدبر وسائل السفر أن يبرح وطنه متى شاء إلى حيث شاء.

ولكن الغارات الحربية في العصر الحديث تُسمَّى حروبًا معروفة الأحكام في القوانين الدولية، ولا يُراد بها انتقال أمة من وطنها إلى وطن آخر كما كان يجري في مهاجرات القبائل البادية.

وقد استدعى قيام الأوطان والاعتراف بنظام الجنسيات أن يُسأل ابن الوطن عن سفره إلى خارج بلاده، وأن يُسأل الغريب القادم إلى بلد من البلدان عن قصده من القدوم إليه، ولا يُنتظر أن يزول هذا النظام في هجرة الجماعات أو الأفراد مع قيام الأوطان والاعتراف بالجنسيات، ولكنه يتطور على حسب العلاقات العالمية بين الدول وعلى حسب المبادئ التي تقضي بالمساواة بين الأجناس والشعوب.

وربما جرى التطور على أساس القوانين التي اتُّبِعَتْ في القارة الأمريكية منذ أوائل القرن العشرين، وجنح واضعوها تارة إلى الترحيب بالمهاجرين، وتارة إلى المنع الباتِّ أو التقييد ببعض الشروط.

ففي أمريكا الجنوبية كانت الحكومات تُرَحِّب بالقادمين إلى بلادها، وتُرَغِّبهم بالأجور الحسنة والمعاملة الطيبة، ولكن على درجات من التيسير تتوقف على مقدار الحاجة إلى الأيدي العاملة ومساحات الأرض المفتوحة للاستعمار.

أما في أمريكا الشمالية — أو في الولايات المتحدة — فقد كانت قوانين الهجرة ترمي أحيانًا إلى الاختيار والتفضيل بين القادمين، وتارة أخرى إلى منع القادمين من بعض الأجناس بلا استثناء، ولا سيما الجنس الأصفر أبناء الصين واليابان، وكانت البواعث التي تسيطر على قيود الهجرة ترجع إلى العصبية الجنسية وإلى المصالح الاقتصادية في وقت واحد.

فالعصبية بين الجنس الأبيض والجنسين الأسود والأحمر في الولايات المتحدة قد جعلت مسألة الأجناس مسألة حاضرة في الأذهان متغلغلة في الشعور وآداب المعاملة، فظهرت آثار هذا الشعور في النفور من بعض الأجناس التي لا تنتمي إلى الجنس الأبيض وإقامة السدود في وجهها كلما تكاثر القادمون من بلادها إلى البلاد الأمريكية.

أما المصالح الاقتصادية فقد ترجح فيها مصالح العمال، فلا تسمح الحكومة بوفود المهاجرين من بلاد تهبط فيها تكاليف المعيشة ويرتضي أبناؤها بالقليل من الأجور، وقد ترجح فيها مصالح أصحاب الشركات والمصانع فلا تتشدد الحكومة في المنع مراعاة لتكاليف المعيشة في بلاد المهاجرين، بل تجعل المنع مقصورًا على الأسباب الصحية والأخلاقية وما إليها.

وقد انتهى الأمر في سنة ١٩٢٤ إلى تقدير نسبة للمهاجرين من كل أُمة ما عدا أمم الأمريكتين، واستُثنِي من هذه النسبة أو هذه الحصة Quota أفراد معينون؛ كزوجات الأمريكيين الغريبات وأبنائهم من أولئك الزوجات، وكالأساتذة والطلبة والقساوسة ورجال الدين. وصدرت الأوامر بعد عام من تقدير تلك النسب بالكشف على المهاجرين في بلادهم قبل التوقيع على جوازاتهم، فلا يبرح المهاجر منهم وطنه إلا وهو على ثقة من قبوله حيث يختار المقام.

وإذا بطلت المآرب السياسية التي تنحرف بالأمور عن سوائها، فمن الواجب أن تُباح الهجرة بشروط تتفق عليها الأمم بلا استثناء.

ولا صعوبة في تقرير تلك الشروط، فهي في الغالب:

أولًا: تقديم مصلحة أبناء البلاد على كل اعتبار، فلا يجوز أن تُباح الهجرة الجامعة أو الهجرة الفردية ما لم تكن مأمونة العاقبة على أبناء البلاد الأصلاء.وثانيًا: رقابة الصحة العامة؛ لأنها مصلحة عالمية ومصلحة وطنية سواء في الوطن المتروك أو الوطن المقصود.وثالثًا: رقابة الأمن والأخلاق.ورابعًا: صلاح المهاجر للعمل النافع الذي يعتمد عليه في معاشه ولا يفتئت به على حقوق غيره.وخامسًا: اجتناب المشكلات السياسية التي تسوء بها علاقة الشعوب أو الحكومات.

وهذه هي الشروط المعقولة في عصرٍ يُقال إنهم يعملون فيه للعالم كله ويتجنبون فيه دواعي الأثرة التي تقيم سدود النفرة والعداء بين الأوطان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.