يختار وودي آلن في فيلمه الأخير «سحر على ضوء القمر Magic in the Moonlight» أن يذهب إلى مساحة ذهبية في السينما والحياة عمومًا، وهي عالم السحرة؛ إذ تظل هذه المساحة هي الأكثر غموضًا وإثارة وتشويقًا، والأقل تسليطًا للأضواء على كواليسها، وهكذا أرادها آلن في فيلمه الجديد، وإن حاول تقديم مفاهيم أخرى للسحر.

وربما يجب هنا أن نفرق بين «السحر» المقصود به ألعاب الخفة، والذي يعتمد في جزء منه على حيلة ذكية وسرعة الأداء والإبهار، وبين السحر الذي يعتمد على النبوءات والشعوذة واستخدام عظام الموتى، والتنبُّؤ بالموت، وتحضير الأرواح، واستخدام التعويذات الشريرة، كما في عدد من الأفلام المأخوذة عن قصص لستيفن كينج. وإذا غضضنا الطرف عن هذه الأفلام الأخيرة التي تتناول السحر من منطلق مغامراتي بحت، وسعيًا لاقتناص مزيد من المشاهدين في شباك التذاكر، وهي كثيرة مثل أفلام «هاري بوتر»، بأجزائها المتتالية، والتي أصبح بعضها من أكثر الأفلام تحقيقًا للأرباح في التاريخ، وفيلم «ملك الخواتم» بأجزائه الثلاثة، ثم ثلاثية «الهوبيت»، وعشرات الأفلام الأخرى، التي تتعامل مع السحر باعتباره «تتبيلة» جيدة لفيلم يحطم الإيرادات، فضلًا عن الأفلام التي تستخدم السحر — لا سيما السحر الأسود — كمدخل جيد لصناعة فيلم رعب معروف الحبكة مسبقًا؛ إذا تغاضينا عن كل هذا، فإننا نجد الأفلام التي تتناول عالم السحرة — لاعبي الخفة — قليلة العدد بشكل ملحوظ.

لكن الجميل في فيلم وودي آلن الأخير ليس أنه يتناول عالم السحرة فحسب، بل إنه يغوص في العلاقات الإنسانية المتشابكة بينهم، طارحًا أسئلته الأزلية — التي لا يمل من تقديمها في كل أفلامه — عن الحب والكراهية والخيانة والأرواح والآلهة، ساخرًا في الوقت ذاته من الألعاب الروحانية. نحن لسنا أمام سحرة مبهرين كما قدمتهم الأفلام الأخرى، بل أمام أشخاص ضعفاء يقهرهم الحُبُّ، فينقلب السحرُ على الساحر، ويصبح الساحر الحقيقي في الفيلم هو «الحب» الذي يحوِّل كولين فيرث من كاشفٍ للمتآمرين إلى متواطئ معهم.

في الفيلم يأخذنا وودي آلن إلى مناطق أخرى للسحر، غير ألعاب الخفة، وهو ما يمكن أن نعتبره منطقة موازية لتلك التي اصطحبنا إليها أحد أهم الأفلام التي تناولت عالم السحرة «العظمة The Prestige»، والذي أخرجه كريستوفر نولان؛ حيث تغدو عملية السحر بأكملها ليست أكثر من رغبة في الانتقام، ويصبح السحر هو «سحر الكراهية» الذي يحرِّك بطلي الفيلم كلًّا في اتجاه الآخر، كما يسعى المخرج طوال الفيلم لإسقاط الأقنعة عن السحرة واحدًا تلو الآخر طوال الفيلم، لكنه يحتفظ بقناع أخير لمشهده الأخير، ليتحول المخرج هنا إلى صانع خفة، وتتحول السينما إلى الماكينة التي تنقل الشخص من عالم إلى آخر.

لكن أكثر الأفلام التي قدمت عالم السحر والخفة بشكل مبهر كان فيلم «الآن أنت تراني Now You See Me»، الذي قام ببطولته مورجان فريمان وجيسي آدم آيزينبيرغ. ورغم أن الفيلم يمكن اعتباره أحد أفلام الإثارة، خاصة أنه يقتبس فكرة اللص الشريف الذي يسرق من الغني ليعطي الفقير، إلا أنه استطاع الدخول إلى عالم الخدع السحرية، وطريقة صنعها، ليترك المشاهد مشدود الأنفاس طوال الوقت، بحثًا عن خدعة أخيرة يكتشفها من المشهد الأخير من الفيلم، الذي عمد إلى الاحتفاظ بها لآخر لقطة. واللافت هنا في معظم أفلام الخفة والسحر هو أهمية المشهد الأخير؛ حيث يتحوَّل الفيلم بأكمله إلى لعبة خفَّةٍ لا تكتمل أركانها إلا باكتمال مشاهد الفيلم، ويجد المشاهد نفسه يتابع عالم السحرة بكواليسهم، بالموازاة مع لعبة خفية يحركها المخرج في الخلفية.

من الأفلام المهمة في هذا السياق فيلم «المخادع The Illusionist»، الذي قام ببطولته إدوارد نورتون وبول جياماتي، والمأخوذ عن رواية «أيزنهايم المخادع»، الذي يتحدث عن الساحر المخادع من أجل الحب، والذي يرصد بدايةً من تلك اللحظة التي مرت بنا جميعًا ونحن صغار، عندما ننبهر بالساحر فنفكِّر أن نصبح سحرة، ونُفتش عن الخدع السحرية، مرورًا بذيوع صيته للدرجة التي تجعل ولي العهد نفسه يطلب مقابلته، انتهاءً بالغرور المدمر.

وعلى الرغم من الخفة التي يتميز بها فيلم «أوز العظيم القوي»، الذي صدر عام ٢٠١٣ في نسخته الجديدة، بعد أن قُدِّم مرتين من قبل، إلا أن ما لا يمكن إنكاره هو انحيازه للعلم، على خلفية القصة الرومانسية الخفيفة التي يقدمها، وكأن الفيلم بأكمله تحية لمن ساهموا في أشياء جعلتنا نؤمن بالعلم لا بقوة الخداع. فنحن أمام ساحر فاشل، تنتظره مدينة خيالية لينقذها من الأشرار — كالعادة — ولأنه لا يملك السحر، يقرِّر أن يستعين بالعلم الذي يتحول إلى سحر بسبب جهل أهل المدينة بهذه التقنيات العلمية.

في كل هذه الأفلام — سواء كنا نسعى لمعرفة الخدعة أو نعرفها بالفعل — لا نرى الساحر مجرد مقدم حيل، ولا يتوقف الأمر عندما يهتف «هابرا كادابرا»، بل نراه شخصًا ذكيًّا لماحًا يقول لك: «أنت الآن تراني؛ فحاول أن تعرف كيف سأخدعك.» يؤكد لك أن لا شيء مما نراه حقيقي، لكن ما يحدث ليس أكثر من مجرد خدعة تنتصر للعلم وللذكاء الإنساني في النهاية. كما أن هذه الأفلام تهتم بإظهار الوجوه الإنسانية لهؤلاء السحرة، الصراعات بينهم على فكرة جديدة. لكن الأهم أنها تظهر لنا أن هناك سحرًا مختلفًا نتلمسه في كل فيلم؛ وهو سحر الإنسان نفسه، ومشاعره، وانحيازاته، سحر الحب — كما قدَّمه وودي آلان في فيلمه الأخير — الذي انتصر على السحر الحقيقي، وعلى الخداع أيضًا.

وعلى الرغم من قلة هذه الأفلام إلا أنها تُثبت لمن يشاهدها أن ثمة سِحرًا آخر، لا يخبو ولا نصل إلى منتهاه، بل نسعى إلى الخدعة مرة تلو المرة ونحن سعداء بها، هو سحر السينما الذي يمكن أن نلمسه في أفلام لم تتحدث عن السحر لكنها قدَّمته؛ مثل فيلمي «هوجو» لمارتن سكورسيزي، و«باريس منتصف الليل» لوودي آلن، وربما هذا ما حرصت كل هذه الأفلام على تأكيده.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.