في صحف اليوم خبران من الخارج يستوقفان النظر؛ لأن كل خبر منهما تحتويه بضعة أسطر، ولكنه ينوب عن مجلد ضخم في تصحيح أوهام الماضي والمستقبل.

أحد الخبرين يقول لنا: إن طبيبًا من المتخصصين للأمراض الجلدية عالج امرأة سوداء ثلاث سنوات، فذهب السواد وخرجت المرأة من العلاج «بيضاء من غير سوء».

والخبر الثاني يقول: إن سفينة الفضاء السوفيتية قد احترقت عند وصولها إلى جو الكرة الأرضية، وفشل العلماء في إعادتها إلى الأرض سالمة.

ليست ألوان الجلود إذن فارقًا أصيلًا بين سلالة وسلالة من نوع الإنسان، وإنما هي صبغة عارضة تزول بالعلاج الصناعي، وقد تكفي لإزالتها غدًا بضع ساعات إذا كان العلاج الطبي لم ينجح في إزالتها اليوم قبل ثلاث سنوات، فلا يشعر الآدميون والآدميات بعد حين بفارق بين هذه الصبغة وبين أصباغ المساحيق التي تذهب وتعود بين ليلة ونهار.

أما العبرة من احتراق السفينة الفضائية، فهي عبرة الاعتدال في الآمال الجامحة التي أخذ «بنو آدم» يطلقونها إلى أمد بعيد، أبعد جدًّا من كل أفق ترتفع إليه السفن والصواريخ.

قبل نهاية القرن التاسع عشر، كانت كلمة «المستحيل» — تعليقًا على كل أمل يتخيله المتخيلون من الحالمين بارتفاع سفينة إلى الفضاء — أثقل من الهواء.

ورد الفعل بعد منتصف القرن العشرين، أن كلمة المستحيل لم يبقَ لها وجود، وأن الفضاء ميدان مستباح إلى أقصى ذراه لكل من يسبق الآخرين إلى غاية مداه.

والاعتدال المطلوب بين بين، هو أن نعلم أن كلمة المستحيل لا تزال في موضعها من القاموس، ولا تزال في موضعها من الفضاء، ولكن الممكنات قد اتسعت قليلًا، وقد تتسع كثيرًا بعد سنوات، ولكنها لن تتسع حتى تشغل كل هذا الفضاء.

وآخر ما قرأناه عن آمالنا في الفضاء مبحث رصين للعالم الطبيعي، باتريك مور، يقول في أوله: «إنه لمن الخطأ أن نظن أننا قد ذهبنا بعيدًا إلى أغوار الفضاء، ولعلنا لن نذهب ذلك المذهب يومًا من الأيام؛ لأن آفاق الفضاء أمر مهول.»

واحدة واحدة يا بني آدم!

لا يزال كثير من الأحلام يذهب في الهواء قبل أن يذهب في الفضاء.

***

وبعد كتابة هذا التعليق جاءتنا رسل البرق بنبأ عاصفة جبارة ثارت على وجه الشمس، فأطلقت منها أفواجًا من الغازات الملتهبة إلى مسافة ألوف من الأميال، وقال العلماء الأمريكيون: إنهم قد يحصلون على معلومات أخرى عن أخطار السفر إلى الفضاء!

معلومات أخرى في الشمس نترقب أن نعرفها اليوم، ونحن نقول عن الأمر الواضح مبالغة في وضوحه: إنه أظهر من الشمس في رائعة النهار …!

ولكن الشمس هذه — وهي مضرب المثل في الظهور — لا تظهر لعلمائنا على وجه اليقين في أمر من أمورها، ولو كان زوبعة تمتد إلى ألوف الأميال.

هل تحدث هذه الزوابع من حركة على الشمس كحركة المد والجزر على الأرض، ولكنها من اللهب بدلًا من الماء؟

هل تحدث من عملية انقسام في ذرات عناصرها، أو تحدث من عملية التحام في تلك الذرات؟

هل تحدث من صعود المادة في باطنها إلى ظاهرها، أو من هبوط المادة من الظاهر إلى الباطن؟

هل تحدث من تقلص المركز بانطلاق الحرارة منه، أو تحدث من امتداد هذا المركز بازدياد الحرارة المندفعة إليه؟

يسأل علماؤنا عن هذا، يقول بلغاؤنا بعد هذا: «إن الأمر ظاهر يا مولانا ظهور الشمس في رائعة النهار.»

وأصدق من هذا في أنباء القرن العشرين، وفي أنباء البرق الخاطف، أن يقول العالم والبليغ معًا، ويقول مولاهم قبلهم: بل أخفى من الشمس في رائعة النهار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.