من الطبيعي التفكير في الإنترنت على أنه تكنولوجيا للتحرر؛ فهو يعطينا حرية غير مسبوقة للتعبير عن أنفسنا، ومشاركة أفكارنا ومشاعرنا، والعثور على الأخلَّاء والتعاون معهم، والعثور على معلومات عن أي موضوع تقريبًا يمكن تخيله. والدخول على الإنترنت لكثير من الأشخاص مثل الدخول إلى دولة ديمقراطية جديدة ومختلفة تمامًا؛ دولة تخلو من الحدود والقيود المادية والاجتماعية التي قد تقيِّدنا في عالم الواقع.

لا يزال الشعور قويًّا بأن الويب تقوم على «تمكين» الذات — الكلمة الطنانة الشائعة — حتى بين من يأسفون على الاستغلال التجاري لها أو يشجبون فظاظة كثير من محتواها. في أوائل عام ٢٠٠٦، نشر محررو مجلة معهد كاتو الإلكترونية «كاتو أنباوند» عددًا خاصًّا عن وضع الإنترنت. فأشاروا إلى أن «مجموعة أصحاب الرؤى» المساهمين في هذا العدد بدا أنهم «متفقون بالإجماع على أن الإنترنت هو قوة للتحرير، وسيظل هكذا.» صرح إريك شميت وجاريد كوهين من «جوجل» في كتابهما الجديد «العصر الرقمي الجديد» بأن هذه الشبكة هي «أكبر مساحة لا تخضع لتنظيم في العالم. فلم يكن قط في التاريخ مِن قبلُ لدى هذا الكم الضخم من الأفراد من هذا العدد الكبير من الأماكن مثل هذه القوة الهائلة في متناول أيديهم.» لخص ديفيد واينبيرجر في كتاب «قطع صغيرة غير محكمة الاتصال» أسطورة تحرير الإنترنت ببساطة فقال: «إن الويب هو عالم صنعناه من أجل بعضنا البعض.»

إنها فكرة مثيرة، لكنها مثل معظم الأساطير على أحسن تقدير تكون نصف حقيقية، وعلى أسوأ تقدير تكون وهمًا. تضع نظم الكمبيوتر بوجه عام، والإنترنت بوجه خاص، قوة هائلة في أيدي الأفراد، لكنها تضع قوة أكبر بكثير في أيدي الشركات والحكومات، وغيرِها من المؤسسات التي عملُها هو التحكم في الأفراد. إن نظم الكمبيوتر ليست في جوهرها تكنولوجيا تحرير؛ بل هي تكنولوجيا تحكُّم. لقد صُممت بوصفها أدوات لمراقبة السلوك البشري والتأثير فيه، من أجل التحكم فيما يقوم به الأفراد وكيفية قيامهم به. فمع قضائنا مزيدًا من الوقت على الإنترنت، حيث نملأ قواعد بيانات بتفاصيل حياتنا ورغباتنا، فإن البرامج الإلكترونية سوف تزداد قدرة من أي وقت مضى على اكتشاف أنماط خفية في سلوكنا واستغلالها. سيصبح الأفراد أو المؤسسات التي تستخدم هذه البرامج قادرة على رؤية ما نريده، وماذا يحفزنا، وكيف يكون رد فعلنا المحتمل للمثيرات المختلفة. ولنستخدم العبارة المبتذلة التي يتصادف أنها صحيحة في هذه الحالة: إنهم سيعرفون عنا أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا.

ففي الوقت نفسه الذي تمنحنا فيه أحدث التطورات التكنولوجية المرتبطة بالإنترنت — مثل الحوسبة السحابية ووسائل الإعلام الاجتماعية والشبكات وأجهزة الكمبيوتر المحمولة القوية — فرصًا وأدوات جديدة للتعبير عن أنفسنا وتحقيق ذواتنا؛ فإنها تعطي الآخرين كذلك قدرة غير مسبوقة على التأثير في كيفية تفكيرنا وتصرفنا، وتوجيه اهتمامنا وأفعالنا نحو غاياتهم الخاصة. إن التبعات الاجتماعية والشخصية النهائية للتكنولوجيا ستتحدد إلى حد كبير بكيف يمكن أن يُحل التوتر بين طبيعتها ذات الوجهين: التحريري والتحكمي.

إن كل الأنظمة الحية، بداية من الأميبا إلى الدول القومية، تدعم وجودها من خلال معالجة المادة والطاقة والمعلومات؛ فهي تأخذ المواد من البيئة المحيطة بها، وتستخدم الطاقة لتحويل هذه المواد إلى شتى المواد النافعة، مع التخلص من النفايات. إن تحويل المدخلات المستمر هذا إلى مخرجات يجري التحكم فيه من خلال جمع المعلومات وتفسيرها ومعالجتها. إن عملية التحكم نفسها لها قوتان دافعتان؛ فهي تتطلب قياسًا؛ بمعنى مقارنة الوضع الحالي للنظام بوضعه المطلوب. كذلك تتطلب اتصالًا ثنائي الاتجاه؛ بمعنى إرسال التعليمات وجمع التقييم على النتائج. ربما ينتج عن معالجة المعلومات بغرض التحكم إفرازُ هرمون في مجرى الدم، أو توسيعُ القدرة الإنتاجية لمصنع ما، أو إطلاقُ صاروخ من سفينة حربية، لكنها تعمل بالطريقة نفسها في أي من الأنظمة الحية.

عندما اخترع هيرمان هوليرث في ثمانينيات القرن التاسع عشر آلة تبويب بطاقات مثقبة — السابقة على الكمبيوتر الرقمي الحالي — فإنه لم يكن يمارس فضوله الفطري كمهندس ومخترع، بل كان يستجيب لانعدام التوازن بين تكنولوجيا معالجة المادة والطاقة من ناحية، وتكنولوجيا معالجة المعلومات من ناحية أخرى؛ فقد كان يحاول المساعدة في حل ما يُطلق عليه جيمس آر بنيجر في كتابه «ثورة التحكم»: «أزمة تحكم»، وهي أزمة كانت تهدد بتقويض استقرار الأسواق وإيقاف التقدم الاقتصادي والتكنولوجي.

خلال أول قرنين عقب الثورة الصناعية، تقدمت معالجة المادة والطاقة أسرع بكثير من معالجة المعلومات، فالمحرك البخاري — الذي كان مستخدمًا في تحريك السفن والقطارات والماكينات الصناعية — سمح للمصانع والناقلات وتجار التجزئة والمشروعات التجارية الأخرى بتوسيع عملها وأسواقها لأكثر مما كان ممكنًا عندما كان الإنتاج والتوزيع مقيدَين بقيود القوة العضلية. وأصبح على أصحاب الأعمال، الذين كانوا قادرين من قبل على مراقبة العمليات بالكامل والتحكم فيها مباشرةً، الاعتمادُ على معلومات من مصادر كثيرة مختلفة من أجل إدارة شركاتهم. إلا أنهم اكتشفوا أنهم يفتقدون وسائل جمع المعلومات وتحليلها بالسرعة الكافية لاتخاذ قرارات في الوقت المناسب. بدأ كل من القياس والاتصالات يتدهوران، حيث عملا على تعجيز الإدارة وإعاقة المزيد من التقدم في الأعمال التجارية. وقد أشار عالم الاجتماع إميل دوركايم في عام ١٨٩٣ إلى أن «المنتِج لم يعد قادرًا على الإحاطة بالسوق من نظرة خاطفة، أو حتى بفكرة. فهو لم يعد يستطيع رؤية حدود للسوق، بما أنه أصبح — إذا جاز التعبير — لا حدود له. وعليه يصبح الإنتاج غير خاضع للضبط أو التنظيم.» ووجد مسئولو الحكومة أنفسهم في مأزق مشابه، حيث كانوا غير قادرين على تجميع المعلومات المطلوبة لتنظيم التجارة وتحليلها. لقد تطورت معالجة المواد والطاقة سريعًا، لدرجة أنها خرجت عن السيطرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ساعدت سلسلةٌ من التطورات التكنولوجية في مجال معالجة المعلومات المديرين — في الأعمال التجارية والحكومة — على البدء في إعادة فرض السيطرة على التجارة والمجتمع؛ لاستعادة النظام في الفوضى، بل وفتح الطريق أمام المؤسسات الأكبر حجمًا. سمح بناء نظام التلغراف على يد صامويل إف بي مورس في عام ١٨٤٥ بنقل المعلومات على الفور عبر مسافات ضخمة. هذا وقد سمح إنشاء المناطق الزمنية في عام ١٨٨٣ إلى قياس أكثر دقة لتدفقات السلع. إلا أن الأهم على الإطلاق بين تكنولوجيا التحكم الجديدة كانت البيروقراطية؛ وهي تنظيم الناس في نظم هرمية لمعالجة المعلومات. بالطبع كانت البيروقراطية موجودة منذ نشأة الحضارة نفسها، لكن كما كتب بنيجر: «لم تبدأ الإدارة البيروقراطية تحقق أي شيء يقترب من شكلها الحديث حتى أواخر الثورة الصناعية.» ومثلما سمح تقسيم العمل في المصانع بمعالجة المادة بمزيد من الكفاءة، فإن تقسيم العمل داخل الحكومة والمكاتب التجارية أيضًا سمح بمعالجة المعلومات بمزيد من الكفاءة.

إلا أن البيروقراطيين وحدهم لا يستطيعون مجاراة فيض البيانات التي بحاجة إلى المعالجة؛ فإن متطلبات القياس والاتصالات تجاوزت قدرات المجموعات الضخمة من البشر. فقد احتاج العاملون في مجال المعلومات — تمامًا مثل نظائرهم من عمال المصانع — أدوات جديدة من أجل القيام بوظائفهم. فأصبح هذا المطلب واضحًا على نحو محرج في مكتب الإحصاء الأمريكي بنهاية القرن. وإبان سبعينيات القرن التاسع عشر طالبت الحكومة الفيدرالية، التي كانت تناضل من أجل إدارة دولة واقتصاد ينموان سريعًا في الحجم والتعقد، أن يوسع المكتب كثيرًا نطاق جمع بياناته، خاصةً في مجالَي الأعمال التجارية والنقل. لم يشمل إحصاء عام ١٨٧٠ السكاني سوى خمسة مجالات، في حين أنه في عام ١٨٨٠ توسع ليغطي ٢١٥ مجالًا. إلا أن الإحصاء الجديد تحول إلى كارثة للحكومة؛ فرغم أن المكتب عيَّن كثيرًا من المديرين والموظفين المحترفين، فإن حجم البيانات فاق قدرتهم على معالجته. وبحلول عام ١٨٨٧، وجدت الوكالة الحكومية نفسها في موقف حرج؛ حيث يجب عليها البدء في الإعداد للإحصاء التالي، في الوقت نفسه الذي كانت لا تزال تعمل بجد على جدولة نتائج الإحصاء الماضي. في هذا السياق انبرى هوليرث — الذي عمل في إحصاء عام ١٨٨٠ — ليخترع آلته لمعالجة المعلومات. لقد فكر — على نحو صائب — بأن هذه الآلة ستصبح لا تقدر بثمن، لا لمكتب الإحصاء فحسب، بل للشركات الكبرى في جميع أنحاء الدولة (ستصبح شركة هوليرث شركة «آي بي إم»).

كان ظهور آلة التبويب ببطاقات مثقبة حدثًا مؤثرًا في ثورة جديدة؛ «ثورة تحكم» كما أسماها بنيجر، أعقبت الثورة الصناعية وكانت ضرورية وحتمية لها. وخلال ثورة التحكم لحقت تكنولوجيا معالجة المعلومات أخيرًا بتكنولوجيا معالجة المادة والطاقة، مما أعاد التوازن إلى النظام الحي المتمثل في المجتمع. إن تاريخ المعالجة المُؤَتْمَتة للبيانات بأكمله — بداية من آلة هوليرث للتبويب، ومرورًا بالكمبيوتر المركزي، ووصولًا إلى شبكة الكمبيوتر الحديثة — يُفهم على أفضل نحو باعتباره جزءًا من العملية المستمرة المتمثلة في إعادة فرض التحكم والحفاظ عليه. كتب بنيجر: «إن المعالج الدقيق وتكنولوجيا الكمبيوتر — خلافًا للرأي الحالي السائد — ليست قوى جديدة لم تُطلق إلا مؤخرًا على مجتمع غير مهيأ، بل هي مجرد أحدث حلقة في التطور المستمر لثورة التحكم.»

وعليه، ليس مفاجئًا أن معظم التطورات الكبرى في الحوسبة والشبكات — منذ عصر هوليرث وحتى العصر الحالي — لم تكن مدفوعة برغبة في تحرير الجماهير فحسب، ولكن بحاجة إلى تحكُّم أكبر من جانب البيروقراطيين التجاريين والحكوميين، عادةً ما كانت ترتبط بالعمليات العسكرية والدفاع الوطني. في الواقع إن وظائف الكمبيوتر تحاكي بنية البيروقراطية نفسها، فالكمبيوتر يجمع المعلومات عبر وحدات الإدخال، ويسجل المعلومات على هيئة ملفات في ذاكرته، ويفرض قواعد شكلية وإجراءات على مستخدميه من خلال برامجه، وينقل معلوماته عبر وحدات الإخراج. إنه أداة لتوزيع التعليمات، وجمع التقييم على كفاءة تنفيذ هذه التعليمات، وقياس التقدم نحو هدف محدد. عندما يستخدم الفرد الكمبيوتر يصبح جزءًا من آلية التحكم؛ فهو يتحول إلى عنصر مما وصفه رائد الإنترنت جى سي آر ليكليدر في بحثه الرائد عام ١٩٦٠ «التعايش بين الإنسان والكمبيوتر»؛ بأنه نظام لتكامل الإنسان والآلة في وحدة واحدة قابلة للبرمجة.

لكن في حين لعبت نظم الكمبيوتر دورًا ضخمًا في مساعدة الشركات والحكومات في إعادة فرض سيطرة مركزية على العاملين والمواطنين في أعقاب الثورة الصناعية، فإن الجانب الآخر من طبيعتها — بوصفها أداة لتمكين الذات — قد ساعد أيضًا في تشكيل المجتمع الحديث، خاصة في السنوات الأخيرة؛ فتستطيع آلات معالجة البيانات — من خلال تحويل القوة من المؤسسات إلى الأفراد — إعاقة التحكم وعرقلته كما يمكنها تعزيزه. إلا أن مثل هذه الاضطرابات قد تكون قصيرة الأجل؛ فقد أثبتت المؤسسات مهارتها في إعادة فرض السيطرة من خلال إنتاج تكنولوجيا معلوماتية أقوى من أي وقت مضى. ويقول بنيجر مفسرًا: «تحتاج معالجة المعلومات وعمليات تدفقها في حد ذاتها إلى التحكم فيها، حتى يستمر تطبيق التكنولوجيا المعلوماتية على مستويات أعلى وأعلى من التحكم.»

شكَّل ظهور الكمبيوتر الشخصي في ثمانينيات القرن العشرين — على سبيل المثال — خطرًا مفاجئًا وغير متوقع على القوة المركزية. فقد بدأ أزمة جديدة في التحكم، وإن كانت محدودة أكثر. كان الكمبيوتر الشخصي منذ البداية تسيطر عليه أيديولوجية مؤمنة بحرية الإرادة، وقد قاد هذا الأمر متسللو الكمبيوتر والهواة المعادون للتيار الثقافي السائد. وقد تم تصوير الكمبيوتر الشخصي على نحو لا يُنسى في إعلان «أبل كمبيوتر» التليفزيوني المؤثر في عام «١٩٨٤»، على أنه سلاح ضد التحكم المركزي؛ على أنه أداة لتدمير سطوة الكمبيوتر المركزي على الجميع، التي تشبه سطوة «الأخ الأكبر». بدأ العاملون في المكاتب شراء أجهزة الكمبيوتر الشخصي بأموالهم الخاصة، وإحضارها إلى مكاتبهم وتشغيلها. ومن خلال تخطِّي أنظمة الشركة كلها، حصل العاملون، الذين منحتهم أجهزة الكمبيوتر الشخصي سلطةً، على تحكم ذاتي في البيانات والبرامج التي يستخدمونها. لقد نالوا الحرية، لكن في هذه العملية أضعفوا قدرة البيروقراطيين على مراقبة عملهم وتوجيهه. رأى التنفيذيون ومديرو تكنولوجيا المعلومات العاملون لديهم فيض أجهزة الكمبيوتر الشخصي في مكان العمل على أنه «لعنة إلهية» — على حد قول مؤرخ الكمبيوتر بول سيرزي.

ثبت أن انهيار السيطرة أمر عابر؛ فإن نظام العميل والخادم، الذي ربط كل أجهزة الكمبيوتر الشخصية المستقلة سابقًا معًا بشبكة واحدة متصلة بمخزن مركزي لمعلومات الشركة وبرامجها الإلكترونية، كان الطريقة التي فرض بها البيروقراطيون مجددًا سيطرتهم على المعلومات ومعالجتها. لقد مكنت نظم العميل والخادم — مصحوبة بتوسع في حجم وطاقة أقسام تكنولوجيا المعلومات — الشركات من تقييد الوصول إلى البيانات، وجعْلِ استخدام البرمجيات مقصورًا على مجموعة من البرامج المحددة مسبقًا. وللمفارقة، فإنه بمجرد توصيل أجهزة الكمبيوتر الشخصي بنظام الشركة، فإنها مكَّنت فعليًّا الشركات من مراقبة عمل الموظفين وتنظيمه وتوجيهه على نحو أكثر إحكامًا عما كان ممكنًا من قبل في أي وقت مضى. يقول سيرزي مفسرًا في كتابه «تاريخ الحوسبة الحديثة»: «انتزعت الشبكات المحلية عنصر «الذاتية» من الكمبيوتر الشخصي. لقد قبل مستخدمو الكمبيوتر الشخصي في مكان العمل بهذه الصفقة الشيطانية. قاوم الماهرون منهم في استخدام الكمبيوتر هذا الأمر، لكن غالبية العاملين في المكاتب لم يلاحظوا كم يمثل هذا ابتعادًا عن القوى التي حثت على اختراع الكمبيوتر الشخصي في المقام الأول. توضح السهولة التي حدث بها هذا التحول أن من آمنوا بحوسبة شخصية مستقلة فعليًّا كانوا على الأرجح ساذجين.»

إن شيوع الإنترنت — من خلال الشبكة العنكبوتية العالمية ومتصفحها — جلب أزمة تحكُّم أخرى مشابهة. فرغم أن إنشاء الإنترنت كان بقيادة وزارة الدفاع — نموذج للقوة المركزية — فالمفارقة أنه قد صُمم ليصبح شبكة عالية الانتشار وغير محكمة التنظيم. ونظرًا لأن الهدف الأساسي كان بناء نظام موثوق به قدر المستطاع — نظام يمكنه الصمود أمام فشل أي جزء من أجزائه — فقد أُعطي بنية لامركزية في الأساس. فكل جهاز كمبيوتر — أو عقدة — يعمل باستقلال، ولا يجب أن يمر الاتصال بين أجهزة الكمبيوتر عبر أية مركز تبادل مركزي. إن «البروتوكولات الداخلية» للشبكة — كما كتب ألكسندر جالواي الأستاذ بجامعة نيويورك في كتابه «بروتوكول» — «هي عدو البيروقراطية، والتسلسل الهرمي الصارم، والمركزية.» إذا كانت شبكة الكمبيوتر في الشركة تشبه السكة الحديدية، بحركة مرور محددة المواعيد ومراقَبة بصرامة، فإن الإنترنت أشبه بنظام الطرق السريعة؛ حيث حركة المرور تتدفق بحرية وغير مراقبة إلى حد كبير.

لقد وجد الناس — في العمل والمنزل — أنهم يستطيعون استخدام شبكة الويب لتجنب مرة أخرى مراكز التحكم القائمة، سواء كانت بيروقراطية الشركات أو الوكالات الحكومية أو إمبراطوريات البيع بالتجزئة أو اتحادات الشركات الإعلامية. ونظرًا لكون الويب ظاهريًّا غير متحكم فيها ولا يمكن التحكم فيها، فقد جرت العادة على تصويرها بأنها حدٌّ جديد؛ برية جان جاك روسو نكون فيها — بوصفنا أفرادًا مستقلين — أحرارًا في إعادة تعريف المجتمع بمصطلحاتنا الخاصة. صرَّح جون باري بارلو في إعلانه «استقلال الفضاء السيبراني» في عام ١٩٩٦ قائلًا: «يا حكومات العالم الصناعي، لستم أهلًا ولا تحلُّون سهلًا، ولا سلطان لكم حيث نجتمع.» إلا أنه مع ظهور الكمبيوتر الشخصي لم تستغرق الحكومات والشركات طويلًا حتى تبدأ إعادة فرض سيادتها وحتى توسيعها.

إن الخطأ الذي ارتكبه بارلو وغيره هو افتراض أن بنية الشبكة اللامركزية مقاومة بالضرورة للتحكم الاجتماعي؛ فقد حولوا سمة فنية إلى استعارة للحرية الشخصية. لكن — كما يشرح جالواي — فإن ربط أجهزة الكمبيوتر التي لم تكن متصلة ببعضها من قبل بشبكة تحكمها بروتوكولات صارمة خلق فعليًّا «أداةً جديدةً للتحكم». وفي الواقع كتب: «المبدأ المؤسس للشبكة هو التحكم وليس الحرية؛ فقد كان التحكم موجودًا منذ البداية.» وإضافة إلى ذلك، مع تحول صفحات الشبكة العنكبوتية العالمية المتفرقة إلى قاعدة بيانات موحدة ومبرمجة في السحابة، أصبحت أشكال جديدة وقوية من المراقبة والتحكم ممكنة. ففي النهاية ما البرمجة إلا وسيلة للتحكم! وحتى إن كان الإنترنت ليس له مركز حتى الآن — من الناحية الفنية — فإن التحكم يمكن ممارسته حاليًّا من أي مكان من خلال خوارزميات التنقيب عن البيانات وغيرها من شفرات البرمجيات. إن الأمر المختلف — مقارنة بالعالم المادي — هو أن أعمال التحكم، مع زيادة حجمها، زادت صعوبة اكتشافها كما زادت صعوبة التعرف على ممارسي التحكم.

خاتمة: بعد نشري لهذه المدونة بوقت قصير، انتشرت أخبار عن برنامج وكالة الأمن القومي «بريزم» السري إلى الآن، الذي تصل عبره وكالة التجسس هذه إلى كميات ضخمة من البيانات من شركات خدمة الإنترنت الكبرى، بما فيها جوجل وفيسبوك وأبل ومايكروسوفت، من أجل تعقب الأفراد وجمع معلومات عنهم بطريقة أخرى. نرى هنا نموذج ثورة التحكم الأساسي يحدث مرة أخرى، مع إعاقة التحكم بسبب التدفق غير المنظَّم للمعلومات، ويليه استحداث تكنولوجيا معلوماتية جديدة تمكِّن من إعادة فرض التحكم على مستوى أعلى.

يبدو تقرير نُشر في صحيفة «ذا تايمز» وثيق الصلة:

في عصرنا الحالي حوَّلت ثورة في تكنولوجيا البرمجيات — تسمح بالتحليل المؤتمت شبه الكامل والفوري لكميات هائلة من المعلومات الرقمية — وكالةَ الأمن القومي إلى المالك الافتراضي للأصول الرقمية للأمريكان والأجانب على حد سواء. لقد منحت التكنولوجيا الجديدة — لأول مرة — الجواسيس الأمريكان القدرة على تعقب أنشطة الأفراد وتحركاتهم في أي مكان في العالم تقريبًا دون مراقبتهم فعليًّا أو الاستماع إلى مكالماتهم …

وفي حين أن تدفُّق البيانات عبر الإنترنت كان أكبر من قدرة وكالة الأمن القومي على مجاراته، فإن التقارير الأخيرة تشير إلى أن قدرات الوكالة حاليًّا أكبر بكثير مما يظن معظم من هم خارجها. قال هيربرت إس لين — خبير في علوم الكمبيوتر والاتصال عن بعد في المجلس الوطني للبحوث: «منذ خمس سنوات كان بإمكاني القول إنهم لا يملكون القدرة على مراقبة كمٍّ كبيرٍ من تدفق البيانات عبر الإنترنت.» ويضيف قائلًا، أما الآن فيبدو «أنهم يقتربون من هذا الهدف.»

ومن التقارير المرتبطة كذلك من صحيفة «وول ستريت جورنال»:

فتحت التطورات الأساسية في الحوسبة والبرمجيات في السنوات الأخيرة الباب أمام وكالة الأمن القومي لتحليل كميات أكبر من بيانات الهاتف والإنترنت والبيانات الاقتصادية بغرض البحث عن هجمات إرهابية؛ مما يمهِّد الطريق أمام البرامج التي تثير حاليًّا جدلًا … جاء التقدم الذي أحرزته وكالة الأمن القومي في شكل برامج جرى تطويرها في الساحل الغربي — وقد أُطلق على أحد البرامج المحورية الاسم الغريب «هدووب» — لتُمكن وكالات الاستخبارات من تضخيم قدرة الحوسبة بثمن زهيد، وهذا على حد قول مسئولي الحكومة الأمريكية ومسئولي هذا المجال. وقال المسئولون إن القدرات الجديدة سمحت للمسئولين بالتحول من الارتباك بسبب فرط البيانات، إلى القدرة على التوصل إلى معلومات من الكميات الكبيرة منها بغرض توقُّع الأحداث.

Disruption and Control by Nicholas Carr. Rough Type. June 6, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.