كثيرًا ما نتحدَّث عن الموت باعتباره نقطة زمنية محدَّدة؛ فتكون حيًّا في لحظة، وفي اللحظة التالية عندما يتوقَّف قلبك عن النبض وتتوقَّف رئتاك عن التنفس، تكون ميتًا إكلينيكيًّا. يغرينا ذلك التعريف بالنظر إلى الموت على أنه حدث قاطع، مثل ضغطة زر.

جيمو بورجيجن — عالمة الأعصاب بجامعة ميشيجان — لها وجهة نظر مغايرة، فتقول: «يفترض الأطباء أن الدماغ يموت ويتوقَّف نشاطه عقب الوفاة الإكلينيكية، ويستخدمون لفظ «غائب عن الوعي» مرارًا وتكرارًا؛ ولكن الموت عبارة عن عملية وليس خطًّا فاصلًا.»

فقد اكتشفت بورجيجن في دراسة جديدة أن الجرذان ظهر لديها نمط غير متوقَّع من النشاط الدماغي بعد توقُّف القلب مباشرةً؛ فتلك القوارض — بعد توقُّف تنفُّسها وضربات قلبها — كانت قد ماتت إكلينيكيًّا، إلا أن دماغها أظهر — لمدة ٣٠ ثانية على الأقل — إشاراتٍ عدة تنمُّ عن فكر واعٍ، إلى جانب أنها كانت إشارات «قوية». يشير ذلك إلى أن رحلتنا الأخيرة إلى عالم غياب الوعي «الدائم» قد تتضمن فعليًّا حالةً وجيزةً من الوعي «الزائد».

وعلى الرغم من أن تلك التجارب أُجرِيَتْ على جرذان، تظن بورجيجن أن لها تبعات على تجارب الاقتراب من الموت التي يصفها واحد من كل خمسة أشخاص يتم إنعاشهم بعد توقُّف قلبهم. فعلى الرغم من أنهم كانوا غائبين عن الوعي ولا يستجيبون للمؤثرات ومتوفَّوْن إكلينيكيًّا آنذاك، فقد عادوا يحكون عن أضواء ساطعة وذكريات «أكثر واقعية من الواقع» ولقاءات مع أشخاص يعرفونهم. تجاهَلَ بعض العلماء تلك الحكايات برمتها، بينما اعتبر آخَرون تلك التجارب دليلًا على حياة ما بعد الموت الواردة في الأديان، أو على وجود وعي يظل حيًّا خارج الجسد، مثلما أشاع أحد كُتُب السيرة الذاتية الأكثر مبيعًا الذي صدر حديثًا، والذي على مؤلفه شبهات كثيرة.

ولكن البحث الذي أجرته بورجيجن يشير إلى أن تلك التجارب يمكن أن تكون مجرد ناتج طبيعي لاحتضار الدماغ. لا ينتقص ذلك من «واقعيتها»، ولكنه يرسي جذورها في العالم الطبيعي، دون حاجة إلى الحديث عن عالم ما وراء الطبيعة.

ويقول جورج مشهور، أخصائي التخدير بجامعة ميشيجان الذي شارك في تلك الدراسة: «يمكن اعتبار تجربة الاقتراب من الموت «جبهة أخيرة» لم تخضها الدراسات المعنِيَّة بالوعي؛ فقد طُرِحت أكثر من مرة باعتبارها مثالًا مهمًّا يقوض فرضية أن الوعي محله الدماغ. وتعيد دراستنا تلك الظاهرة إلى مجال علم الدماغ من جديد.»

نتائج الدراسة

ترجع جذور تلك الدراسة إلى عام ٢٠٠٧، أثناء دراسة بورجيجن — بالتعاون مع زوجها مايكل وانج — نشاط الدماغ لدى جرذان تعرَّضتْ لتوِّها إلى سكتة دماغية. فأثناء التجربة، ماتت ثلاثة من تلك الجرذان بغتةً أثناء الليل، وعندما وجدها الزوجان اليوم التالي، لاحظا حدوث زيادة حادة في النشاط الدماغي القوي عدة مرات بعد لحظة الوفاة مباشرةً. تقول بورجيجن: «علق ذلك الأمر في ذهني؛ فقد صرت على قناعة بأنه إذا كان ثمة شيء يحدث في الدماغ بعد توقُّفِ القلب، فهو قابِلٌ للقياس بالتأكيد.»

فزرع فريقها عدة أقطاب كهربائية على أدمغة الفئران التسعة لقياس موجاتها الدماغية — وهي نبضات منتظمة من النشاط العصبي يُشار إليها بأحرف لاتينية، اعتمادًا على تكرارها — ووُضِعت الفئران تحت تأثير المخدِّر، ثم قُتِلت إما بحقنة قاتلة أوقفت القلب، أو جرعة قاتلة من ثاني أكسيد الكربون.

كما لك أن تتوقع، بعد توقُّف القلب، ضعفت أغلب تلك الموجات الدماغية بمرور الوقت، ولكن مجموعة واحدة من تلك الموجات — وهي موجات «جاما منخفضة المستوى» التي تنتج عندما تنبض الخلايا العصبية ما بين ٢٥ و٥٥ مرة في الثانية — صارت «أقوى» لفترة وجيزة، لدى كلٍّ من الجرذان التسعة. تقول بورجيجن: «لم نتفاجأ من وجود نشاط دماغي، ولكننا تفاجأنا من قوته.»

وقد تزايَدَ كذلك تزامُن نشاط مناطق مختلفة من الدماغ، وزاد معدل تزامُن موجات جاما منخفضة المستوى — تحديدًا — إلى الضعف عندما كانت الجرذان في حالة الاقتراب من الموت، عن معدل تزامُنها عندما كانت واقعةً تحت تأثير المخدِّر أو «مستيقظةً».

وقد ارتبطت تلك السمات بالإدراك الواعي في دراسات سابقة. فعلى سبيل المثال، تتزامن موجات جاما منخفضة المستوى فجأةً عبر مناطق متباعدة من الدماغ في لحظة تعرُّف الأشخاص على وَجْهٍ ضمن بعض الأشكال العشوائية. وهو أمر منطقي؛ فعملية التعرُّف على الأشخاص توظِّف المراكز البصرية في الدماغ، وكذلك المناطق المسئولة عن التعرُّف على الوجوه والذاكرة، فلا بد للخلايا العصبية في جميع أنحاء الدماغ من تكوين استجابة شاملة، وإطلاق نبضاتها معًا.

وقد ارتبط التفكير الواعي أيضًا بقوة الصلات القائمة بين المناطق الأمامية من الدماغ — المعنية بكثيرٍ من القدرات العقلية المعقَّدَة — والمناطق الأقرب إلى الجزء الخلفي منه المعنِيَّة بالمعلومات الحسية. وبالفعل وجد الفريق أن تلك المناطق زاد ارتباطها ٥ إلى ٨ أمثال بعد توقُّفِ القلب، مقارنةً بفترة الوقوع تحت تأثير المخدر أو فترة اليقظة. تقول بورجيجن: «إنه أمر مدهش! وهو يساعدنا على تفسير تمكُّن [البشر الذين يتعرَّضون إلى تجارب الاقتراب من الموت] من «الرؤية» خلال فترة الوفاة الإكلينيكية، وتفسير زعمهم إمكان سماع المحادثات التي جرَتْ خلال تلك الفترة.»

دلالة النتائج

يقول ستيفن لوريز، رئيس «مجموعة علم الغيبوبة» بجامعة لييج: «إن تجارب الاقتراب من الموت حقيقة فسيولوجية، ولكن العلم والطب لم يأخذاها على محمل الجد لفترة طويلة جدًّا. فلا يمكننا الاكتفاء بالإصغاء إلى الحكايات العجيبة التي يحكيها المرضى، بل علينا أن نقيس وظائف الدماغ؛ فهذا المجال بحاجة إلى مثل تلك الدراسات.»

ويقارن لوريز دراسة تجارب الاقتراب من الموت بفهمنا المتنامي للأحلام. فلفترة طويلة جدًّا، لم نعرف شيئًا عن الأحلام إلا من الحكايات المثيرة التي حكاها الناس بعد استيقاظهم، إلا أن القياس بالأقطاب الكهربائية كشف عن أُسُسها العصبية، بما في ذلك وجود مرحلة حركة العين السريعة أثناء النوم التي تحدث فيها معظم الأحلام. يقول لوريز: «لهذا ينبغي أن نلجأ إلى دراسة الموت، وتجارب الاقتراب من الموت.»

إلا أنه يحذِّر أيضًا من أن العلماء لا يزالون يتجادلون بشأن تحديد أي الإشارات العصبية تمثِّل مؤشرًا على الوعي، ومن ثَمَّ فإن فك شفرة الأنماط التي لاحظتها بورجيجن ليس أمرًا بسيطًا؛ فقد قال: «إنه من الصعوبة بمكان أن نجزم بما رأته تلك الجرذان فعليًّا، أو بالخبرات الواعية التي يُحتمَل أن تكون قد مرَّتْ بها. ولكن الدراسة تُثبِت بما لا يَدَعُ مجالًا للشك أنه ثمَّةَ نشاطًا كهربائيًّا يفوق المتوقَّع بكثير، وأنه لنشاط «مثير» للغاية. وإنه من المغري أن نربط ذلك بما نسمعه من المرضى، ولكن علينا أن نتوخَّى بالغ الحذر.»

سام بارنيا — أخصائي أمراض القلب بمستشفى جامعة ستوني بروك — يشاركه ذلك الرأي؛ فقد عكف على دراسة عملية الإنعاش وتجارب الاقتراب من الموت لسنواتٍ، ويرى أن مقارنة النتائج الخاصة بالجرذان بالرؤى الانفعالية التي يحكيها الناس بعد التعرُّض لتجارب الاقتراب من الموت: «خطوةٌ سابقة لأوانها للغاية، ولا يؤيِّدها سندٌ».

يقول مشهور مُقِرًّا: «ما زال أمامنا شوط طويل لنقطعه؛ فنحن لم نتوصل إلى علاقةٍ ارتباطيةٍ بين النشاط الدماغي الملاحَظ والتجارب الواعية.» والسبيل الوحيد لحل تلك المشكلة هو جمع ما سجَّلته الأقطاب الكهربائية لدى شخصٍ مرَّ بتجربة اقتراب من الموت وعاد منها ليحكي ما رآه، وليس من حالات كثيرة يكون فيها مثل ذلك التصرُّف أخلاقيًّا، ربما باستثناء حالة المتبرعين بالأعضاء الذين يتعرَّضون لموت القلب.

في الوقت نفسه، يقول بارنيا إنه قد يكون ثمة تفسيرات أخرى لتلك النتائج، فيقول: «عندما يتوقف تدفُّق الدم إلى الدماغ، يتدفَّق الكالسيوم داخل خلايا الدماغ؛ مما يؤدِّي في النهاية إلى تلف الخلايا وموتها. يؤدي ذلك إلى نشاطٍ ملحوظٍ في تخطيط كهرباء الدماغ، وقد يكون ذلك ما يمكن قياسه.» فمن شأن ذلك أن يفسر رؤية بورجيجن ذلك النمط نفسه لدى كل جرذ يحتضر، بينما لا يمر بتجارب الاقتراب من الموت سوى ٢٠ في المائة من الناس بعد تعرُّضهم لأزمة قلبية.

وقد ذكر بارنيا أيضًا أن الدراسات الخاصة بتخطيطات كهرباء الدماغ الأخرى التي تُجرَى على البشر أثناء تعرُّضهم لسكتة قلبية لم تجد أنماطًا مشابِهة، مما يشير إلى أن تلك النتائج قد تكون ناشئةً عن أحد خصوصيات التجربة. إلا أن بورجيجن رَدَّتْ على ذلك الكلام قائلةً إن معظم المجموعات الأخرى وضعت الأقطاب الكهربائية على رأس المرضى بالأساس، بحيث حالت بينها وبين الخلايا العصبية الموجودة تحتها العظام واللحم والجلد، أما فريقها، فزرع الأقطاب جراحيًّا على أدمغة الجرذان مباشرةً، فصارت بذلك أكثر حساسية حتى للإشارات الخافتة.

فبالنسبة إليها، تمثِّل تلك الإشارات علامةً على زيادة الوعي، وهي تتكهَّن بأن تلك الطفرات من النشاط قد تكون ضربًا من الدفاع الداخلي، فتقول: «عندما يكون الدماغ في خطر، لا بد أن يكون في حالة يقظة فائقة، حتى يتمكَّن الشخص من التعامل مع الأزمة التي يتعرَّض لها.»

يثير ذلك بعض الأسئلة المثيرة للاهتمام، تتخطى مدى علاقته بتجارب الاقتراب من الموت. فعلى حد قولها: «لم ندرك أن الدماغ يمكن أن يمر بحالة من الوعي الزائد عندما يُسحَب منه الأكسجين والجلوكوز، فهل يمكن أن يحدث ذلك في حالات اليقظة، أو عندما نكون مرضى أو نصلي أو نتأمل؟ وإذا كنتَ تعاني من اضطرابات موضعية، فهل يمكن أن يتسبَّب لكَ ذلك في هلاوس أو رؤى فنية؟ هذا ما لا نعرفه.»

In Dying Brains, Signs of Heightened Consciousness by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. August 12, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.