أدرك الخديوي بعد حادثة قصر النيل ما تنطوي عليه من المساس بمقامه، وكان يكره رياض باشا كما عرف القراء ويبغي عزله، ولكن خطر الحادثة أنساه رياضًا، فبادر إلى اتخاذ الحيطة، ودعا إليه علي فهمي أمير الآلاي الأول «وذكره بما كان له من الزلفى عنده، وأظهر له الرضى عنه، وأمره باستدعاء جميع ضباط الآلاي إلى سراي عابدين ليقسموا للجناب الخديوي يمين الطاعة والفداء ويقسم لهم جنابه يمين التأمين من كل عقوبة على ما مضى».

وكانت غايته من ذلك واضحة، وهي أن يتخذ من هذا التفريق قوة له يخيف بها بقية الجيش، غير أن عرابي أحسَّ بذلك فالتمس من الخديوي أن يدخل فيما دخل فيه علي بك فهمي من يمين الأمان فأجابه الخديوي إلى رجائه في اليوم الرابع من وقوع الحادثة وتبادلا الأيمان، ولكن عرابي لم يكن يجهل مع ذلك أن دخوله في يمين الخديوي لا يكفي في وقايته، فقد سبق هو — أي عرابي — إلى نقض الأيمان العسكرية التي حلفها، فأخذ يحتاط لنفسه ولشركائه وأقام الحرَّاس على بيته وبيوتهم ليلًا ليحموهم «من الغيلة المبتذلة في أرض مصر»، واحتال ليضم الجيش إليه ويخليه ممن يرتاب فيه، فطلب تأليف لجنة من عشرين أميرًا من كبار الضباط هو أحدهم للبحث في أنظمة الجيش والمدارس الحربية وترقية الضباط وتسوية أحوال المستودعين، ولكنه لم يسلك الطريق النظامي، بل كان يكتب العرائض في بيته أو بيت أحد زملائه، «ثم ترسل إلى الآلايات ليختم عليها الضباط صغارًا وكبارًا وبعض الصف ضباط، ثم تقدم من قبل ضباط الآلاي إلى نظارة الجهادية أو إلى رياسة مجلس النظار — فلينظر بما كان يشتغل الضباط والعساكر، وفيم يصرفون أوقاتهم؟ وكيف بذلك تموت رغبتهم في الأعمال العسكرية ويتولد فيهم حب التطاول إلى ما هو خارج عن الحق المخول لهم بمقتضى القانون والنظام.»

نقول وهذا حق، ولكن اللوم فيه لا يقع كله على عرابي وزملائه، فقد كانوا يعلمون أنهم أخطئوا وتجاوزوا حدودهم، وأنهم جاهروا بالعصيان، وأنزلوا الحكومة على مشيئتهم؛ وليس الذي فعلوه بعد ذلك من كتابة «العرائض» بأشد ولا أدخل في باب الفوضى والتمرد؛ وطبيعي بعد أن كان منهم في قصر النيل ما كان أن يحتاطوا لتأمين أنفسهم وضمان ما يكفل لهم الطمأنينة، وقد كان من واجب الحكومة أن تدرك ذلك وتفطن إليه من تلقاء نفسها، وأن تبادر هي إلى إجراء ما يُدخل الطمأنينة على نفوس الضباط المتوجِّسين ويرد النظام والطاعة إلى الجيش، لا أن تدع الضباط يسبقونها إلى ذلك ثم تمثِّل معهم مهزلة سخيفة هي أن تطمع أن تتخذ من سرور الضباط بإعلاء مرتباتهم وغير ذلك مما منحوه وسيلة لإزالة ما وقر في نفوسهم وصرفهم عن تحدي الحكومة والاجتراء عليها؛ ذلك أن الحكومة والضباط كانوا يعلمون أنهم ما منحوا إلا بكره الحكومة لا برضاها واختيارها، فالموقف لم يتغير، والنفوس لم يزايلها القلق والتحفز، وقد احتفل بتلك المنح في وزارة الحربية وخطب وزيرها الضباط فيما نالته البلاد ووفقت إليه من الإصلاح بفضل الخديوي وإصلاحه وصدق عزيمة رياض باشا وجده وسائر رجال الحكومة، وبيَّن — أي محمود سامي باشا — أن هذه النعم لا تحفظ إلا بالشكر ومظاهر الطاعة والخضوع للأوامر، ثم خطب رياض باشا فبيَّن الفرق بين الحالة الحاضرة والحالة السابقة، وذكر الضباط بأنهم قوة الحاكم وآلته في تنفيذ أوامره، وقام بعدهما عرابي فأمن على ما قاله الوزيران، وقال بلسان الجند إنهم على طاعة الحاكم الذي هو مصدر التقدم وإنهم آلته المنفذة.

وقد عقب الأستاذ على وصف الحفلة بما يدل على اعتقاده أنها كانت — كما نرى نحن — عبثًا في عبث، قال: «كل مطَّلع على ما قيل في ذلك الاحتفال يجد منه أن الحكومة كانت تريد أن تقنع الضباط بوجوب الطاعة، وأن عرابي كان يعدها بذلك بنفسه وبالنيابة عنهم، وهو دليل على أن القلق كان لم يزل مستمرًّا إلى ذلك الوقت؛ أي بعد حادثة قصر النيل بثلاثة أشهر، وقد كان يؤخذ من حالة عرابي عندما كان يجيب رياض باشا ومحمود سامي باشا أنه كان ينطق بخلاف ما يضمر، وأن حجاب الطمأنينة كان يشف عن كامن القلق والاضطراب.»

ونحن ممن يؤمنون بالإخلاص ويعتقدون أنه معد، وأن له في النفوس وقعًا عميقًا، وأثرًا عجيبًا، وأنه ليس أكفل منه بإحداث التحول السريع، والإخلاص لا يخفى، ونفوس الناس — بالغًا ما بلغت من السذاجة والغفلة وضعف التقدير — معايير حساسة؛ لأنه — أي الإخلاص — من القلب؛ وما كان من القلب فهو حري أن يقع في القلب مباشرة وبغير واسطة، فلو أن الحكومة مضت في إنفاذ ما أعلن في هذه الحفلة، وانصرفت إلى عملها ولم تشغل نفسها بالكيد للضباط والإيقاع بهم ومحاولة التخلص منهم، لكان ذلك حقيقًا أن يشعر الضباط الطمأنينة التي ينشدونها، وأن يعدل بهم عن الطريق الذي انحرفوا إليه، ويردهم شيئًا فشيئًا إلى واجباتهم، ولكن الذي حدث كان على نقيض ذلك إذا صحت رواية الأستاذ الإمام، فإنه يقول في مذكراته، وهو غريب في بابه:

قلنا إن الجناب الخديوي أصبح بعد حادثة قصر النيل يطلب الخلاص من أولئك الضباط وسطوتهم النافذة في جيشه، فشغله ذلك وأخذ يدبر الوسائل، ولكن لا مع وزرائه والمسئولين عن الأمن في حكومته بل مع حاشيته وبعض رجال معيته، ومن كان يختصهم من خدمه، وذلك مهب البلاء على كل حاكم ومنبع الشقاء لكل أمير: أن يتخذ لنفسه عمالًا في الخفية غير الذين أقامهم على الأعمال في الجهر، نعم للحاكم أن يستشير كل من يراه أهلًا لأن يُشير متى وثق من عقله واتَّضح له حسن السابقة في أعماله، ولكن من المفروض عليه أن يكاشف بذلك رجال حكومته الذين ألقى إليهم مقاليد أموره وفوَّض إليهم تدبير شئونه في رعاياه، فإذا أقروه على العمل بما أشير به عليه ورآه حسنًا مضوا فيه بالاتفاق وإلا نبذوه أو ادخروه لوقت آخر، أو عزل من لم ير رأيه وأقام مقامه من هو أقدر منه على تنفيذ أوامره المنطبقة على مصلحة البلاد، بعد التروِّي في جميع ذلك والثقة بسلامة العاقبة؛ فإن اختلس لنفسه شيئًا من التدبير بانفراده مع بعض خاصته على غير علم ممن ملكهم زمام الأمر من الحكومة، تباينت المسالك، واختلفت الغاية، وفسد بذلك نظام الأعمال، وسقطت البلاد في الفوضى، وهجرتها الطمأنينة، وتولاها القلق، وظهر ضعف الحاكم وباد سلطانه — عواقب قضت بها السنة الإلهية على كل أمة تضاربت فيها القوى وتخالفت النيات، واستبد كل من الوازعين فيها برأيه ومضى على ما تزينه له نفسه.

والقارئ يعلم أن الأستاذ الإمام إنما كتب هذه المذكرات إجابة لرغبة الخديوي السابق عباس حلمي باشا، ويخيل إلينا أن الأستاذ تعمد أن يستخلص من أسباب الثورة وحوادثها كل ما يسعه من العبر؛ ليجعل منها للأمير الجديد مزدجرًا، وليكون كتابه، لا كتابًا في الثورة العرابية فحسب، بل في سياسة الدولة أيضًا، ومن هنا فيما نظن استطراده بعد كل واقعة إلى التعليق عليها وإبراز العظة التي تنطوي عليها.

وعلى رواية الأستاذ الإمام يكون الذي حدث هو أن المرحوم الخديوي توفيق باشا أراد أن يبدأ بعبد العال لظنه أنه أجرأ زملائه وأعظمهم نفوذًا في الجند، وأفضى بهذه الرغبة إلى يوسف باشا كمال — ناظر دائرته الخاصة — فتكفل بالأمر، وعمد إلى باشجاويش شركسي فدعاه إلى بيته في أوائل شهر مارس ١٨٨١، وأكرمه وكلفه أن يصرف العساكر عن طاعة الضباط إذا سيروهم إلى مثل حادثة قصر النيل، وأن يقبلوا كل ضابط يعين عليهم بدلًا من ضابطهم إذا نقل إلى آلاي آخر، وكانت هذه حماقة من يوسف باشا ولا شك، فما يغني في مثل هذه المواقف باشجاويش شركسي؛ لأن من كان في مثل مركزه الصغير جدًّا، والذي لا يكاد يمتاز عن مركز الجندي، لا تنتظر منه اللباقة والكياسة الواجبتان، ثم إنه شركسي وقد بدأ الشر كله بالنزاع بين الجنسين المصري والشركسي، وقد ذهب هذا الباشجاويش الأحمق وكتب عريضة ضمَّنها أن العساكر وصف الضباط لا يحبون ضباطهم ولا يريدون أن يكونوا تحت قيادتهم، وإذا نقل أي واحد منهم إلى أية جهة فهم لا يعارضون أمرًا من الأوامر التي تصدر بذاك، وطلب من أفراد الجند أن يختموا عليها زاعمًا أنها «عريضة» تشتمل على المطالبة بزيادة المرتبات لهم؛ فختم كثيرون منهم لأنهم أميون، وكانوا قد ألفوا بعد ذلك وعودهم ضباطهم أن تكون مطالب الجند بعرائض، كما رأيت فيما مر بك، غير أن أمين أحد البلوكات اطلع عليها فأخبر بها اليوزباشي سليم أفندي (الريدي) وسلمها إليه، وهذا سلمها إلى عبد العال؛ فقدمها عبد العال إلى نظارة الجهادية فرفعها الناظر إلى الخديوي فأمر بالتحقيق، فصرح الباشجاويش الأحمق بأن يوسف باشا كمال هو الذي أمره؛ فعزل الخديوي يوسف باشا لينفي الشبهة في أن لسموه يدًا في الأمر، ولكن الضباط كانوا على يقين من أن ناظر الدائرة الخاصة لا يجرؤ أن يقدم على عمل كهذا بغير أمر من مولاه، على أنه ليس من الضروري أن يكون ما فعله يوسف باشا بأمر من مولاه، فكثيرًا ما يستخدم الموظفون نفوذ مناصبهم فيما لا حق لهم فيه، ولعل يوسف باشا أقدم على هذا من تلقاء نفسه لتوهمه أن في هذا إرضاءً للخديوي، فما كان يجهل سخطه على هؤلاء الضباط وتمنيه الاهتداء إلى وسيلة يستريح بها منهم؛ فظن أنه إذا وفق كان ذلك سلمًا إلى الرقي، وإذا خاب فعسى أن يبقى الأمر مستورًا، وأن لا ترقى الشبهة إليه، ولكنه أساء التدبير كما رأيت، ولم يقع إلا على أحمق.

ويظهر أن هناك خلافًا فيما اشتملت عليه العريضة؛ فقد روى بعضهم أنها كانت التماسًا من الجنود للعفو عما أتوه من السير إلى ميدان عابدين يوم حادثة قصر النيل، ولكن المعروف أن الخديوي كان قد أصدر عفوه قبل ذلك وانتهى الأمر ثم جاءت الحفلة التي أعلنت فيها المنح وألقيت الخطب، فلا محل لالتماس عفو ممنوح.

ويظهر أن الساعين بالوقيعة بين الجنود وضباطهم كانوا ذوي شغف بالشاويشية والباشجاويشية، فقد حدث في أوائل إبريل في السنة عينها (١٨٨١) أن رجلًا اسمه فرج بك الزيني — من أمراء الآلايات المستودعين — كان يسكن في طره قريبًا من معسكر آلاي السودان، وكان هناك رجل اسمه إبراهيم أغا التتونجي من خدم الخديوي الأسبق (توفيق باشا)؛ فكان من رأي إبراهيم أغا هذا أن يلقى الخلاف بين الجنود وبين أمير الآلاي عبد العال بواسطة فرج بك الزيني فاتفق معه على الأمر، وكان لفرج بك صهر يساكنه فاتخذه أداة للدس، ولم يكن أذكى أو أحذق من يوسف باشا كمال؛ فعمد إلى شاويش يسمى «عبد الخير» فدعاه إلى فرج بك فأكرمه، وطلب منه أن يتردد عليه هو وإخوانه، فما كان من عبد الخير إلا أنه أخبر البكباشي خضر بما وقع؛ فسمح له بالتردد، وأمره أن يبلغه ما يحدث ففعل. «واجتمع عند فرج بك اثنا عشر من صغار ضباط السودان في ليلة من ليالي شهر إبريل فأبلغهم فرج بك سلام الجناب الخديوي، وأن جنابه يريد أن يؤمِّر عليهم أميرًا سودانيًّا منهم (وهو فرج بك)، وأنه متى صار الأمير منهم رقي الباشجاويش إلى بكباشي (؟!) والشاويش إلى قول آغاسي، والأونباشي إلى ملازم، ولا يتم ذلك إلا أن تعملوا ما أشير عليكم به وموعدنا للكلام في ذلك الليلة الآتية بعد العشاء على شاطئ البحر، فتلقوا ذلك منه بالقبول، وانصرف عبد الخير، وأفضى بالأمر إلى خضر خضر فأذن له بالوفاء بالموعد ومتى ظهر لهم من كلامه ما يشير إلى الفتنة فعليهم أن يحضروه إليه، ثم اجتمعوا في الموعد في مزرعة قمح على مقربة من البحر، فطلب منهم فرج بك أن يرفعوا على ضباطهم شكاية من تصرفهم إلى الحضرة الخديوية ليبني عليها ذلك التغيير، فعندما سمعوا منه ذلك قام واحد منهم وقال هذا لا يريد بنا خيرًا وعلينا أن نكرهه على الوقوف بين يدي ضباطنا في الحال، فاتفقت كلمتهم على ذلك، وطلبوا منه أن يسير معهم فأبى، فاحتمله عبد الخير وساعده إخوانه حتى أحضروه عند خضر، فكتب الواقعة بالتفصيل إلى أمير الآلاي، فحضر وطلب محاكمة فرج الزيني؛ فحوكم وظهرت معه رسائل من إبراهيم أغا تدل على أنه مصدر هذا الشغب، وحكم على فرج بك بإنزاله من رتبة القائمقام إلى رتبة البكباشي، وبنفيه إلى السودان.» ويقول الأستاذ الإمام: إن الجناب الخديوي عفا عنه وأرسله إلى السودان موظفًا في وظيفة تليق به.

من هذه الحوادث يتضح أنه كانت هناك دسائس تدبِّرها حاشية الخديوي توفيق باشا، وقد يكون ذلك بغير علمه وتوخيًا منهم لمرضاته؛ فإذا كان خوف عرابي وزملائه على أنفسهم قد ألجأهم إلى طلب الدخول في يمين الأمان أُسوة بعلي فهمي ثم إلى التخلص ممن يرتابون فيهم في الجيش ليستولوا هم على أزمته، فأخلق بهذه الحوادث أن تزيدهم خوفًا وتضاعف اضطرابهم، وأن توقع في روعهم أن العفو واليمين وما تلا هذه وذاك من المنح والخطب وكل ذلك لم يكن يراد به إلا إلهاؤهم ريثما تهيأ وسائل الانتقام منهم، وأنهم لهذا لا يزالون محتاجين إلى ما يحميهم، ولهذا أخذ عرابي يغربل الجيش ويقصي عنه كبار الضباط الذين لا يثق بهم أو يخشى أن يكونوا عونًا لخصومه على الكيد له، ولجأ إلى أساليب غريبة يروي بعضها الأستاذ الإمام فيقول: إنه — أي عرابي — «أوحى إلى ضباط آلاي العباسية (آلاي عرابي) أن يخالفوا أوامر البكباشي ألفي أفندي يوسف، وأن يهينوه إذا عرضت الفرصة فتجاوزوا الحد في سوء المعاملة معه إلى أن كلفوه يومًا تقديم استعفائه؛ فأبى ودافع عنه يوزباشي يسمى خليل أفندي علي، وانتهى الأمر إلى عرابي فألزم البكباشي بأن يستعفي وحوكم اليوزباشي، فحكم عليه بالسجن مكبلًا بالحديد ثم استودع مع القضاء عليه بأن لا يعود إلى الخدمة العسكرية أبدًا، وكذلك إلى ضباط آلاي القلعة، فطلبوا إلى الناظر عزل أميرهم حمد بك صدقي فعزل وعيِّن بدله إبراهيم بك حيدر، وكذلك فعل آلاي الطوبجية، فعزل حاكم الآلاي حسين بك وعين بدله إسماعيل بك صبري، وحصل كثير مما يماثل ذلك ولا فائدة في الإطالة بذكره».

ومع ذلك بقي عرابي قلقًا لا يطمئن، فإن الجيش كبير وضباطه كثيرون، وسلطان الحكومة فوق سلطان عرابي وإخوانه، وقد ألف هذا الجيش رفع التقارير والاشتكاء بالحق والباطل، واعتادوا أن تجاب مطالبهم ويرفع عنهم ما يعدونه مظالم، وليس من المستحيل أن تلجأ الحكومة أو أمير البلاد إلى نفس الوسائل التي اتخذها عرابي للإيقاع به أو إفساد القلوب عليه وفضِّها عنه، ولو أن الخديوي اتفق مع حكومته على ذلك لتيسَّر الأمر، ولكن الأستاذ الإمام يؤكد أن كلًّا منهما كان في وادٍ. ففكَّر عرابي في التماس قوة تكون أعلى من قوته وقوة الحكومة ولها من الشأن في مراقبة أعمال الحكومة ومناقشتها الحساب على ما يصدر منها خارجًا عن النظام أو مخالفًا للعدل، ما تخشى عواقبه وتُتَّقى مصائره، «وكان فزع دائم يخيل له العزل والموت في كل شيء يراه، يلتفت يمينًا وشمالًا فلا يرى إلا سيوفًا مسلولة أو حبالًا منصوبة، ولا يسمع من هواجس نفسه إلا صيحة واحدة: الخلاص الخلاص، الهرب الهرب، ولم يتمثل في مخيلته مهرب أوفى له من طلب تشكيل مجلس النواب على الصورة التي قدرها في نفسه.»

وقد لا يكون الباعث لعرابي على هذا الطلب الخوف وحده؛ فقد كان أكثر أهل الطبقتين العليا والوسطى يتهامسون بما يشي بالقلق ويشعر بالملل من إدارة رياض باشا لأمور البلاد وسياسته التي انتهجها فيها، وكان تغيير الحال أمنية تضطرب بها الصدور وتجول في النفوس وتتعلق بها القلوب، والأستاذ الإمام نفسه يصف هذه الأمنية أو الرغبة الشائعة أبلغ وصف وأقواه فيقول: «لو قيل لطلاب التغيير أن لا سبيل إليه إلا باستدعاء جناب الخديوي الأسبق إسماعيل باشا أو استحياء إسماعيل باشا صديق لاستسهلوا طلب ذلك بعدما ذاقوا على عهدهما ما ذاقوا.»

وأحسب هذا إنما كان كذلك لأن اشتهاء التغيير كان قويًّا، وكان الكثيرون لا يرون علاجًا لسوء الحال وإصلاحًا للفساد إلا أن يقوم نظام الشورى، ويجتمع مجلس من نواب الأمة، ومتى كان هذا كذلك فماذا يمنع أن يكون عرابي قد تلقف هذه الرغبة التي تلهج بها الألسنة أو تتهامس على الأصح وتتعلق بها، وجاهر بالدعوة إليها ليفوز بمظاهرة الأمة له، ويكسب من العطف والتأييد ما لا سبيل إليه إذا ظل مقتصرًا في التماسها على الجيش الذي يتسخطه الحكام وينقمون منه سلوكه، بل ماذا يمنع أن تكون هذه الرغبة قد جاشت بصدره كما جاشت بصدور غيره من الناس، خالصة غير مشوبة، ثم زاده إلحاحًا فيها أن رآها مخرجًا ووقاية من المخاوف وبابًا إلى السلطان والقوة؟ وقد صدق ظنه.

على أنه خاف أن يضيف إلى نقمة الخديوي عليه نقمة السلطان العثماني، فبدأ بكتابة عريضة وقعها هو وفريق كبير من الضباط ختمها بالشكوى من استبداد الحكام في الأقاليم، وأن هذا الاستبداد قد أفسد الأمن وعرَّض الأرواح والأموال للعدوان، وزاد نفوذ الأجانب حتى أصبحت مصالح البلاد في أيديهم وتحت تصرفهم، وكاد اسم «الدولة العثمانية» يُنسى، وأشرفت علاقتها بمصر على الاندثار والامِّحَاء، وكان من آثار هذه «العريضة» وحذقه في إظهار الإشفاق من بت صلة مصر بالدولة العثمانية أن ورده من بعض رجال (المابين) أجوبة تحمل إليه تحية الخليفة العثماني، «وتحكي له أقاصيص رضاه السامي عن كل ما يجري في مصر لمقاومة نفوذ الأجانب في إدارتها ومصالحها.» وكانت سياسة تركيا في ذلك الوقت ينطبق عليها المثل العامي القائل: «لا منها ولا كفاية شرها.» فهي لا تستطيع أن تبذل معونة جدية لمصر، حتى مع افتراض خلوص النية وصدق السريرة في هذه المعونة، ومع ذلك أبى لها سوء التدبير إلا أن تدس على جهل وتشجع عناصر التمرد مع عجزها المعروف، وانتفاء أملها في استرداد سلطانها دون انتفاء حقدها وموجدتها.

واطمأن عرابي من ناحية الخليفة، وتشجَّع فخاطب رياض باشا في الأمر؛ فغلظ رياض باشا وأبى إباءً شديدًا؛ فمضى عرابي يتملَّق العلماء ويكاشفهم بما ينبغي من إضعاف النفوذ الأجنبي ورد الأمر كله إلى أهل البلاد، وكان يوهمهم أن الأجانب يضمرون السوء للدين والكيد لأهله، ويُنحي على رياض باشا ويتهمه بأن سياسته مفضية لا محالة إلى القضاء على الدين، ويستثير شهوات النفوس ويمنِّيها الأماني إذا تغيرت الحال فأصغى إليه العلماء فانتقل منهم إلى الأعيان ومشايخ العربان، وجرى معهم على نفس الطريقة، ويظهر أنه كان جريئًا في التصوير لا يبالي أن يبالغ في الوعد ولا يتحرَّج أن يغلو ويغرق في بيان النعم المنظورة، ولم يكفه ذلك فحرَّض الضباط على أن يكتبوا عرائض يقيمون فيها الدليل على ضرورة المجلس النيابي بالطعن في الحكومة القائمة وبيان عدم كفايتها في كفالة الأمن على الأنفس والأرواح والأعراض. وبينما هو في ذلك إذ ظهرت مسألة تسمى مسألة الضباط التسعة عشر. وهنا ننقل ما دوَّنه الأستاذ الإمام بحروفه:

كتب البكباشي عبد الله أفندي الكردي تقريرًا أمضاه هو وضابط (قول آغاسي) وستة عشر من اليوزباشية وملازمان وقدمه إلى ناظر الجهادية، ومحصل ما فيه الشكوى من تصرف عرابي ومحالفيه، وتعديهم حدود القانون، واشتغالهم ببث الدسائس بين ضباط الجيش، وحملهم على تقديم عرائض للجناب العالي يطلبون منها فصل وزارة رياض باشا وتشكيل مجلس للأمة وزيادة عدد الجيش والتصديق على القانون الجديد، وأن عرابي قد صرح لهم بما معناه «أن القوة في يدنا والعلماء والأعيان ومشايخ العربان يعضدوننا، ولا مندوحة للخديوي عن إجابة طلبنا، فإن لم يفعل خلعناه وأقمنا حكومة جمهورية مستقلة». فلما وقف الناظر على ما في التقرير أمر بتشكيل مجلس عسكري لتحقيق ما زعمه الضباط؛ فقالوا إنهم لم يكتبوا إلا ما سمعوا، وزادوا على ذلك أن في الجيش كثيرًا من المظالم والخيانات، وطلبوا تحقيقها، ثم قدمت إلى المجلس العسكري تقارير في ضباط الآلايات تنسب فيها تهم كثيرة إلى هؤلاء الضباط الواقفين موقف المخاصمة مع عرابي وجماعته، وانتهت المحاكمة بإثبات أنهم كانوا مدفوعين من إبراهيم أغا التتونجي على كتابة ذلك التقرير فحكم عليهم بعقوبات شديدة قابلها جناب الخديوي بعفوه الكريم غير أنهم فصلوا من الجند.

وبديهي أن هذه الخاتمة قوَّت ساعد عرابي، وشدَّت أزره وزادت مركزه رسوخًا، ولكن هذا لم يفتَّ في عضد خصومه، ولم يثبط هممهم، أو كما قال الأستاذ الإمام: «لم تفتر عزيمة المخلصين من حاشية الجناب الخديوي، فقد قيل إن بقيةً مما تركه جناب الخديوي الأسبق من الجواري السود كانت تحت تصرف الخاصة من الخدم، فأخذوا يزوجونهن ببعض العساكر والضباط من آلاي السودان، وكان أغوات سراي الإسماعيلية يدعون أولئك العساكر ويمنحون الواحد منهم نقودًا لا تعطى عادة لأمثالهم بحجة أن ذلك مساعدة لهم على معيشتهم مع زوجاتهم عتيقات السراي، ولكن العساكر كانوا يقولون لضباطهم إن الأغوات يغرونهم بقتل رؤسائهم فيهيج غضب الضباط وتضعف ثقتهم في الأمن على أنفسهم ويشتد الرعب في قلب عرابي ومن معه، سواءٌ صح قول العسكر أو لم يصح فأثره في ازدياد القلق والاضطراب لا ريبة فيه، والإشاعات التي تتولد عنه لا تقل قيمتها عن الحقائق الثابتة، وإنما وقود الفتن ما يقال لا ما يفعل.»

والحكاية كما ترى عجيبة، ولا ضير مطلقًا من تزويج العساكر السودانية هؤلاء العتيقات، بل هو كان حريًّا أن يكون أضمن لإخلاصهم وثباتهم على الولاء، ولكن الظرف كان على ما يظهر سيئًا، والجو حافلًا بالإشاعات المتطايرة كما هي العادة في أيام القلق والتوتر، وكان الاضطراب النفسي سائدًا والخوف في كل قلب والتوجس في كل صدر، وقلَّ أن يكون تدبير القلِق المستعجِل حكيمًا، ومن هنا فيما نظن كانت حركات عرابي غير متزنة وأعمال المخلصين للخديوي الذين يبغون أن يسبقوه إلى ما يعلمون أنه يرضيه، غير محبوكة أو محكمة، والأمر كما قال الأستاذ الإمام، فإن للإشاعات في مثل هذه الأحوال مثل قيمة الحقائق، وإليها يرجع أكثر السوء ومعظم الشر.

بعد ذلك وقعت في الإسكندرية حادثة انتهت باستقالة محمود سامي باشا — ناظر الجهادية — ذلك أنه في ٢٥ يوليو حدث أن عربة لأحد تجار الإسكندرية يقودها أوروبي، كانت تمر في الشارع المؤدي إلى سراي رأس التين، فداست جنديًّا من الطوبجية فقتلته، فحمله رفاقه إلى السراي بكره رؤسائهم وساروا به في ضجة يطلبون الانتقام من القاتل، فكبر الأمر على الخديوي وعده تطاولًا مخالفًا لآداب الجندية، وله الحق فيما رآه، «فأمر العساكر بالانصراف؛ فانصرفوا ظانين أن شكواهم قبلت، ثم شكل مجلس عسكري فحكم على الجنود بمدد مختلفة يقضونها في السودان.»

وبعد تنفيذ الحكم كتب عبد العال حلمي — أمير الفرقة السودانية — تقريرًا شكا فيه ما أصاب هؤلاء العساكر من قسوة الحكم، وأعرب عن قلقه من الحوادث التي تجري في آلايه والفتن التي لا تنقطع، واستغرب شدة الحكم في مثل هذه الحادثة مع مقابلة الجانين بالعفو فيما هو أعظم (كحادثة فرج الزيني).

وقد اشتد غضب الخديوي لما قدم إليه هذا التقرير، وعدَّه جرمًا لا يقل عن جرم العساكر، واستدعى الوزراء من القاهرة واجتمعوا في حضرته وتداولوا، و«قرر — أي جنابه — ووافقه الأغلب من رجال النظارة على أن بقاء محمود سامي في نظارة الجهادية مع ميله إلى عرابي ومن معه هو منشأ هذه الفوضى، وأنه لا سبيل إلى إيقاف سير هذا الداء ورد المتطاولين إلى السلطة العليا إلى الحد الذي رسمته لهم وظائفهم إلا عزل محمود سامي، فقدم استعفاءه فقبل في الحال، وعين داود باشا يكن ناظرًا للجهادية.»

ووجهة نظر الخديوي لها قيمتها، ولكن الواقع أن علة هذا الفساد لم تكن وجود محمود سامي باشا وزيرًا للحربية، بل عدم وجود التفاهم والتعاون بين الخديوي والوزارة كلها؛ فكان لا بد من إحدى اثنتين: فإما أن يتفاهم الخديوي ووزارته تفاهمًا تامًّا صريحًا يشمل أكبر الأمور وأصغرها وظاهرها وخفيَّها، وإما أن تعتزل الوزارة كلها مناصبها وتجيء وزارة يستطيع الخديوي أن يطمئنَّ إليها ويسعه أن يتعاون معها ويأتمنها على غاياته ويستشيرها في وسائله، ويعتمد عليها في إدارة الأمور، أما أن يبقى رياض باشا مع نفور الخديوي منه وكتمانه عنه أكبر ما يعنيه، فإطالة لمدة الفساد والاضطراب والقلق والتخاذل، فلماذا لم يستقلْ رياض باشا؟

للرد على هذا السؤال ننقل ما يأتي من مذكرات الأستاذ الإمام قال:

ومع ذلك فقد أظهر جنابه شدة قلقه من رياض باشا، وأشيع في الإسكندرية — بل وفي القاهرة — أنه قدَّم استعفاءه لتحققه من عدم رضى مولاه عنه، وعلم رياض باشا بعد انصرافه من سراي رأس التين بضجر الخديوي من بقائه على ما أخبره به بعض الأوروبيين، فرجع إليه وسأله في ذلك، فأكد له أن لا صحة لما سمعه، وأنه في المحل الأعلى من رضاه، فأظهر رئيس النظار اقتناعه بما سمع مع قيام آلاف من الأدلة على من يخالفه.

ولكن لماذا لم يستقل إذن؟ السبب يفصله الأستاذ الإمام وهو من محبي رياض باشا والمعجبين به، ومع ذلك لا يكتم الأستاذ الحق محاباة، بل يقول:

من العبث أن يقال إن رياض باشا لم يكن يحس بوجد الخديوي عليه، ورغبته في اعتزاله للسلطة، ولكن لذة المنصب والشغف بالرياسة وثقة دولة الرئيس بنفسه وظنه أن لا صلاح للبلاد إلا إذا كان هو صاحب سياستها والقائم بتدبير شئونها، كل ذلك كان يغالط إحساسه ويدافع وجدانه، ويلتمس له العذر في البقاء ويصرف نظره عن أدلة الانحراف عنه، على قوتها، ويقبل به على موهمات الركون إليه، على ضعفها، ولو حكم عقله وأنصف نفسه وبلاده لانصرف عن مقام السلطة مختارًا قبل أن ينصرف عنها مكرهًا؛ فقد كان من المحتمل أن لا تبلغ الفوضى بالبلاد مبلغ ما وصلت إليه.

وهذا حق؛ فإن انطواء الخديوي على البغض لرياض باشا، زهده في مكاشفته بنياته وغاياته، وصرفه عن استشارته، فبطل التعاون، ومضى الخديوي في طريق والوزارة في طريق آخر، وشاع أمر النفور؛ فطمع في الوزارة المتحفزون والراغبون في تغيير الحال، وأيقنوا أن اجتراءهم على الوزارة وسلطتها لا يسوء وقعه في نفس الخديوي، ولكن سلطة الوزارة مستمدة من سلطة الخديوي في الواقع وهيبتها من هيبته، ومقامها مما خلع عليها، فكل ما يمس ذلك يكون له أثره في مقام الخديوية؛ فلو أن رياض باشا استقال لكان من المحتمل — ولا نقول الأرجح — (أن يتولى) الأمر حكيم عاقل يضع حدًّا للدسائس ويقر الأمور في نصابها، وأن تستقيم الأحوال على حدودها.

حل إذن داود باشا محل محمود سامي باشا فماذا فعل؟ وكيف أقام ما اعوجَّ وأصلح ما فسد؟ يقول الأستاذ الإمام في مذكراته: «أخذ يصدر الأوامر الشديدة إلى الآلايات يلزم بها أمراءها وضباطها كافة أن لا يفارقوا مراكزهم العسكرية، ويحظر بها على جميعهم ما اعتادوا من الاجتماع في المنازل والتردد على المحافل، ويطالبهم بإيفاء الأعمال العسكرية حقها من الدقة، وأمر بإنشاء مكاتب في مراكز الآلايات لتعليم القوانين العسكرية ظنًّا منه بأن ذلك يذكر الضباط والعساكر بأحكام النظام فيقبلوا على طاعته وتأخذهم الرهبة من مخالفته، وكان يذهب بنفسه إلى الثكنات العسكرية ليلًا ونهارًا ليراقب تنفيذ تلك الأوامر، واهتم سعادة مأمور الضبطية بمعرفة حركات ضباط الجيش خصوصًا الرؤساء منهم، وهم عبد العال وعرابي وأحمد عبد الغفار، ليخبر ناظر الجهادية بما يكون من أمرهم خطوة بخطوة، فأرسل العيون والجواسيس على بيوت الرؤساء منهم وكبار الضباط، ولم يخف شيء من ذلك على عرابي ورفقائه.»

وحسن جدًّا أن يصدر الناظر هذه الأوامر وأن يطلب تلقيها بالطاعة والإذعان، وإن كان ليس بالحسن أن يعتدي على الحرية الشخصية للضباط بعد الفراغ من أداء واجباتهم، وأن يحاول الحجر عليهم ومنعهم من التزاور والاجتماع في بيوتهم، وأن يبث عليهم الجواسيس؛ لأن هذا العمل يكسبه عدواة الضباط، ويزيد ما في نفوسهم من الهواجس ويقلب الشكوك التي كانت تساورهم يقينًا جازمًا، ولكن ما قيمة هذه الأوامر؟ وعلى أية قوة كان ناظر الجهادية يعتمد في إلزام الضباط باحترامها وإمضاء مشيئته فيها؟ هذا سؤال بديهي يخطر للمرء، فإن الجيش أغلبه في قبضة عرابي وزملائه الذين تستريب بهم الحكومة، ويصدر ناظر الجهادية هذه الأوامر ليخضد شوكتهم ويقلم أظفارهم، فهل كانت لناظر الجهادية قوة أخرى غير الجيش يعدها لليوم الذي فيه تهمل أوامره ويصارحه الضباط بعدم الطاعة؟ لم يكن هناك شيء فإن الجيش في أيدي الضباط لا في يده هو، والأمة لم تكن في صف الحكومة، ولم تكن راضية عنها ولا غاضبة على عرابي ورفقائه، فقد كان عرابي يطالب بتغيير الحال، ويقترح لذلك تأليف مجلس نواب يشرف على أعمال الحكومة، وتصدر هي عن إرادته في كل ما تفعل، وكان هذا الطلب — كما أسلفنا — أمنية الأعيان والطبقة الوسطى — كائنًا ما كان الباعث لكل من هاتين الطبقتين على التعلق بهذه الأمنية — وكان عرابي قد أغرى العلماء ومشايخ العربان وضمهم إلى جانبه، فلم يبق هناك من يطمع ناظر الجهادية في مظاهرته إذا صار الأمر إلى الجد بينه وبين الضباط، واستعصى الشر على علاج الأوامر التي يصدرها ويلح في تنفيذها ويراقب ذلك بنفسه، ولو أن الأمة — على نقيض الواقع — كانت إلى جانب الحكومة، وكان عرابي يعرف منها السخط على سيرته، لكان الأرجح أن يحجم عن الاجتراء، وأن يحسب حين ينهض لمناوأة الحكومة حساب هذه القوة المعنوية.

وعلى أنه لم يكن هناك ما نسميه الآن «رأي عام» بالمعنى الذي نفهمه في هذه الأيام، ولم يكن للأمة متنفَّسات مأمونة تلتقي في ملتقى عام، كما تلتقي مياه الفروع في مجرى النهر، وكان هذا الشلل في الإرادة القومية نتيجة العسف والجهل، ويكفي أن نقرأ للأستاذ الإمام هذا الوصف البارع لتعرف حال الأمة وأثر الاستبداد الطويل فيها، فقد قال: إن كل فرد كان يصدر حكمه على الحادثة من الحوادث أو الرجل «همسًا يرجو أن لا يسمعه ثالث، وقد يبالغ الأغلب (من الناس) فلا يقضي قضاءه إلا في نفسه، وإن يجهر بالقول لم يبلغ من نفوس السامعين إلا مجرد استحسان قد لا ينطق به لسان، وإن نطق كان على طريقة القائل: فربما اجتمعت أصوات وعلت ضوضاء، ولكن كل في مكانه لا تتحرك قدماه ولا تمتد يداه، وأول صيحة من مدفع تخرس لها جميع الألسن، وتخفت جميع الأصوات».

وهذا الوصف صادق، ولكنا نخشى أن يؤوِّله بعض القراء بما يفيد معنى الذلة في الأمة. لذلك يحسن أن نقول إن الأمة لا ذليلة ولا مهينة، ولكن طول عمر الاستبداد من طبيعته أن يؤدي إلى التفكك ويضعف روح التعاون أو الروح العام ويعود النفوس الإيجاس والتحرز وتوقع الشر والتوقي منه بالتكتم وإيثار المساررة على المجاهرة، وطول التفكير والتردد وحساب العواقب قبل الإقدام، ولكنه — أي الاستبداد — لا يلبث أن يستنفد مجهوده، وأن تضيق به الصدور، فينقلب اليأس منه حافزًا إلى التمرد عليه، والقنوط من روح العدل باعثًا على الإضراب عن ذكر العواقب وتوقِّي المعاطب، ومن هنا حرص الإنجليز بعد احتلالهم مصر — وعلى الرغم من استبدادهم بالأمر كله فيها — أن يدعوا للأمة متنفَّسًا، وأن يطلقوا لها حرياتها في الرأي والاجتماع وما إلى ذلك، ليأمنوا انحباس السخط في النفوس وتجمعه في الصدور، ويكفوا أنفسهم شر انفجار القلوب بالحفيظة المخنوقة.

ونعود إلى ما استطردنا عنه فنقول إن أوامر ناظر الجهادية لم تجد فتيلًا، وما كان ينبغي له أن يتوقع غير ذلك، ولا قوة وراءه؛ فازداد عرابي وأنصاره «تحفظًا مما عساه يقع من الغيلة»، كما يقول الأستاذ ويكرر في غير موضع فكأنَّ الغيلة كانت فاشية، وكانت أسلوبًا معروفًا للتخلص ممن تثقل وطأتهم على كواهل الصبر، ولم تمنعه الأوامر أن يواصل اجتماعه بإخوانه وبالأعيان والعلماء، وأن يكتب لمن يظنهم على الولاء له في الأقاليم، وفي كل ذلك «يدعو إلى تشكيل مجلس النواب لتوهمه أنه الوسيلة الباقية لاتقاء شر الحكومة».

والحقيقة أنها كانت أزمة لا تعرف أية وسيلة أخرى كانت هناك للخروج منها. وليكن عرابي غير مخلص في هذا الطلب، ولتكن الأمة لفشو الجهل وما أحدثه الاستبداد الطويل في نفوسها غير أهل لقيام هذا النظام بمعناه الصحيح، ولكن ليضع كل امرئ نفسه في موضع عرابي وزملائه وليحاول أن يبتكر وسيلة أخرى للخلاص والأمان وتقرير الأحوال وإقامتها على حدود العدل. يقول الأستاذ الإمام عن نفسه وموقفه من العرابيين:

كنت معروفًا بمناوأة الفتنة، واستهجان ذلك الشغب العسكري، وتسوئة رأي الطالبين لتشكيل مجلس النواب على ذلك الوجه وبتلك الوسائل الحمقى، وكنت أذهب لزيارة سلطان باشا أحيانًا فأرى من لدن الباب عرابي وبعض رفقائه جالسين معه ورءوسهم بادية من النوافذ؛ فإذا استأذنت للدخول وسمعوا اسمي أسرعوا بالفرار من محل الاستقبال العام إلى محل آخر ليختفوا ثم ينصرفوا. مررت ببيت طلبة ثالث يوم عيد الفطر فسمعت جلبة، ورأيت بعضًا من صغار الضباط يجولون من جانب إلى آخر من البيت، فدخلت للزيارة فوجدت عرابي وجمعًا غفيرًا من الضباط، ووجدت معهم أحد أساتذة المدرسة الحربية، وكان من الناقمين على الوزارة لأمر لا يستحق الذكر؛ فجلست واستمر الحديث في وجهته، وكان موضوعه الاستبداد والحرية وتقييد الحكومة بمجلس النواب، وأن لا سبيل إلى الأمن على الأرواح والأموال إلا بتحويل الحكومة إلى مقيدة دستورية، فأخذت طرفًا من البحث فأقمنا على الجدال ثلاث ساعات كان عرابي والأستاذ في طرف، والكاتب في طرف، هما يقولان إن الوقت قد حان للتخلص من الاستبداد وتقرير حكومة شورية، والكاتب — يعني نفسه — يقول علينا أن نهتم الآن بالتربية والتعليم بعض سنين، وأن نحمل الحكومة على العدل بما نستطيع، وأن نبدأ بترغيبها في استشارة الأهالي في بعض مجالس خاصة بالمديريات والمحافظات، ويكون ذلك كله تمهيدًا لما يراد من تقييد الحكومة، وليس من اللائق أن تفاجأ البلاد بأمر قبل أن تستعد له، فيكون من قبيل تسليم المال للناشئ قبل بلوغ سن الرشد؛ يفسد المال ويفضي إلى التهلكة، وختمت قولي بأنه لو فرض أن البلاد مستعدة لأن تشارك الحكومة في إدارة شئونها فطَلَبُ ذلك بالقوة العسكرية غير مشروع، فلو تم للجند ما يسعى إليه، ونالت البلاد مجلس شورى لكان بناءً على أساس غير شرعي فلا يلبث أن يتهدم ويزول، وأرى أن هذا الشَّغب قد يجر على البلاد احتلالًا أجنبيًّا يستدعي تسجيل اللعنة على مسببه إلى يوم القيامة. فتبسَّم عرابي ابتسام الساخط، وقال أبذل جهدي في أن لا أكون مورد هذه اللعنة، وليس الجند هو الطالب لتشكيل مجلس النواب، وإنما هو مؤيد لطلب الأعيان ووجوه البلاد؛ فسألته: وعلى من تعتمد؟ وممن أخذت الميثاق على ذلك؟ فهمس إليَّ بصوت لا يسمعه إلا ثالثنا: إن سلطان باشا قد عاهدني على أن يجمع أعيان القطر من الوجهين ليتقدموا بالمطلب متى سقطت وزارة رياض باشا، ثم انصرفنا.

وكل ما قاله الأستاذ حق، وقد جاءت الحوادث مؤيدة لنبوءته مصدقة لفراسته، ولكن هذا لا يحيل المسألة عن وضعها، وهو أن هؤلاء الضباط لم يهتدوا إلى وسيلة أخرى للاطمئنان، وما كان ثم وسيلة أخرى. وفي العدد المقبل نبين العوامل المختلفة الدامغة إلى طلب مجلس النواب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.