قصة في أوانها … والضمير في أدائها يعود إلى سيرة رابعة العدوية، طيب الله ثراها وعطر مثواها!

والقصة على ما نرى قصة عراك حول هذه السيدة المباركة بين أهل الفن وأهل السنة وأهل التصوف وأهل القانون …

عراك على حقوق التأليف، وعراك على سمعة السيدة المباركة، وعراك على تمثيلها وإذاعة أحاديثها وكراماتها.

والسؤال من بعض الغيورين على اسمها المصون:

لماذا ينكرها أهل السنة وينحون عليها في صحفهم ويغضبون لإحياء ذكراها وهي لا تستحق الإحياء، ولم تكن صاحبة السيرة في زعمهم تستحق الحياة؟!

ولا غرابة في الخلاف بين أهل السنة وأهل التصوف؛ لأنه خلاف منتظر بين أنصار السنن العامة وأنصار العبادة الخالصة التي يتصرف فيها كل عابد بوحي الضمير والذوق وهداية التفسير والتأويل.

ولكن أنصار السنة في هذه الخصومة بعينها لم يناصرهم التوفيق؛ لأنهم عابوا على السيدة «المتصوفة» أنها كانت تصلي ألف ركعة في الليلة مع أن الله خفف الصلاة عن عباده من خمسين إلى خمس، وكانت تُسأل عن ذلك فتقول إنها لا تريد ثوابًا: وإنما أفعله لكي يسر به رسول الله يوم القيامة، فيقول للأنبياء: «انظروا إلى امرأة من أمتي هذا عملها!» مع أن المسلم — كما قال أنصار السنَّة — يأتي بالأعمال الصالحة وينتظر ثواب الله.

ولا يحق لأنصار السنَّة المحمدية — باسم السنَّة — أن ينكروا على عابد أو عابدة زيادة الصلاة على الصلوات الخمس المفروضة، فإن من سنَّة النبي عليه السلام أن يقوم الليل نصفه أو أكثر منه كما نقرأ في سورة المزمل: ().

ولا حرج على مؤمن متدين أن يطيع الله حبًّا لطاعته ولا ينتظر الثواب ثمنًا للطاعة، بل لا حرج على مواطن صالح أن يعمل بالعرف الجميل ولا ينتظر الجزاء ولا الثناء من الناس.

أما السؤال عن حقائق التاريخ، فلا حاجة إلى حقائق التاريخ إذا أغنتنا عنها حقائق جدول الضرب وحقائق علم النفس التي هي حسبان من قبيل الحساب.

ألف ركعة لا تستغرق أقل من ست عشرة ساعة، إذا لم نحسب حساب الاستطاعة!

وحديث السيدة رابعة عن أملها في إرضاء الرسول يؤيده علم النفس المحقق الذي يقول لنا: إن المرأة لا تعمل عملًا إلا وهي تبتغي منه أن تكسب الثناء من رجل تقدسه أو تعجب به أو تخافه أو تحبه أو تخاف عليه. وليست المرأة المتصوفة مستثناة من قواعد الأنوثة.

ورضي الله عن هذه الأنثى الصالحة في شهر الصلاة والصيام.

***

تحية طيبة مباركة، وبعد فقد ذكرتم في كلمتكم القيمة التي نشرت بجريدة الأخبار حديثًا اشتهر بين الناس بأنه مرفوع إلى النبي عليه السلام وهو غير صحيح؛ وذلك هو حديث: خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء. قال فيه الحافظ ابن حجر: لا أعرف له إسنادًا، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في «النهاية» لابن الأثير ولم يذكر من خرَّجه، وسئل الحافظان المزي والذهبي فلم يعرفاه، ولا نستقصي أسماء من طعنوا فيه من أئمة الحديث. وقد دعاني إلى بيان حقيقة هذا الحديث ما أعرفه من أن الناس يثقون بكل ما تنشرونه ولا يشكون فيه، وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

محمود أبو رية

نشكر للأستاذ الفاضل استدراكه، ونود أن نقول — لهذه المناسبة: إن تحقيق الإسناد لم يكن حكرًا للمشتغلين بالتحديث ونقل الروايات عن الأحاديث؛ لأننا جميعًا نستند إلى أقوال ثقات اللغويين في تحقيق الشواهد اللغوية من قبل الإسلام في عصور اللغة الأولى، وقد روى صاحب «لسان العرب» هذا الحديث بهذه الصيغة: «خذوا شطر دينكم من الحميراء.» ثم قال: يعني عائشة. وكان يقول لها أحيانًا: يا حميراء.

وقد تحقق في تاريخ الحديث والمحدثين أن الشيخين اتفقا على رواية مائة وأربعة وسبعين حديثًا عن السيدة عائشة رضي الله عنها، وأن البخاري انفرد بأربعة وخمسين ومسلمًا بثمانية وستين. وقال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله الأكابر يسألونها عن الفرائض. وفي الجزء الثالث من «تيسير الوصول» عن أبي موسى رضي الله عنه قال: ما أُشكل علينا — أصحابَ رسول الله — حديث قط فسألنا عائشة عنه، إلا وجدنا عندها منه علمًا، وقد أخرجه الترمذي وصححه.

فالواقع أن صحابة النبي عليه السلام كانوا يأخذون أحكام الدين من السيدة عائشة، وأنها رضي الله عنها عاشت بعد النبي قرابة أربعين سنة يسألها الصحابة والتابعون عن أحكام الدين فتجيب، ولم نسمع أن أحدًا منهم شكَّ في قبول حديث سمعه منها.

وقد جاء معنى الحديث في غير المراجع التي أشار إليها الأستاذ أبو رية مرويًّا في «كنوز الحقائق من حديث خير الخلائق» للإمام المناوي على هامش «الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير»، ونصه هناك: «خذوا ثلث دينكم من بيت عائشة.»

فأما الطعن في الحديث فلن يكون طعنًا في صحة معناه ولا في صحة الواقع، وإنما يكون سكوتًا عن السند أو عن تسلسل الرواية، ومثل هذا السكوت مما يحمد الرواة عليه؛ لأنه شاهد بأمانتهم في النقل وتحرجهم من نسبة الحديث إلى سند لا يعرفونه، ولكنه لا يبيح تكذيب الحديث ولا الجزم بامتناع صدوره عن النبي صلوات الله عليه، إذ كان النبي لا يمنع سؤال السيدة عائشة عن شيء يستفسرونه من كلامه. وإن حدث هذا على فرض من الفروض البعيدة جدًّا فلن يوجد من بين صحابته رضوان الله عليهم من يُسأل بعد ذلك عن حكم واحد أو فريضة واحدة ترجع إلى سند منهي عنه.

وجوهر المسألة كلها أننا روينا عن السيدة عائشة إنكارها لقولهم: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وأنها تلت بعد ذلك آية الكتاب التي نصَّت على أن الإنسان لا يؤخذ بوزر غيره ().

فالاستناد إلى إنكار السيدة عائشة لما نقل عن النبي بذلك النص إنما هو الاستناد الصحيح الذي يدعمه نص الكتاب الكريم، وأخذ هذا الحكم عنها سبب من أسباب اليقين لا غبار عليه. ولا يبقى من موضع الخلاف بعد هذا إلا أن حديث الحميراء لم يسمعه بلفظه بعض الحفاظ، ولكنهم لا يقولون بامتناع وقوع الأخذ ولا يمنعه عقلًا ولا نقلًا على وجه من الوجوه.

ونعود أخيرًا فنقول للأستاذ الأمين على تصحيح الأحاديث من مصادرها: إننا نتحرج غاية الحرج من نسبة أمر إلى صاحب الدعوة الإسلامية لا يجوز صدوره منه أو يجوز أن يكون فيه خلاف لكتاب الله، وللمعهود المأثور من خلائق رسول الله، وإن الحديث المشهور الذي نستشهد به أحيانًا قد يختلف الناقلون له بنصه كما تختلف النصوص في بعض الأحاديث المصححة باتفاق الثقات، ولكنه لا يتخلف أبدًا عن مدلول الأحاديث الأخرى التي تؤيده بمعانيها كما تؤيده بوقائع التاريخ وحجة العقل السليم.

وللسيد أبي رية حقُّه من الشكر على غيرته وحسن استدراكه في المبدأ والختام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Mohamed Moneer ·٤ نوفمبر ٢٠١٤، ١٩:٤٣ م

    كثيرة هى المبالغات التى يحفل بها تاريخنا الاسلامى.. ومنها ما لا يصمد ابدا امام اى منطق وحساب عقلى ، من بينها المبالغات ولن اقول الخرافات ، حول عدد الركعات التى كان يصليها بعض الصالحين كل ليلة.. فهذا يصلي الفا وهذا يختم القران كل ثلاث ليال، وذاك يقرأ القران وهو يصلى فيختمه كل اسبوع! بالله عليكم كيف تستقيم حسابات العقل مع هذه المبالغات التى تجد تسامحا لدى البعض بدعوى تشجيع الناس على العبادة!!