دخلت الحركة العرابية في طور جديد بعد الحوادث التي سردناها في الفصول السابقة، فقد عرف القراء مما نقلناه من مذكرات الأستاذ الإمام أن عرابي همس في أذنه حين سأله الأستاذ: «على من تعتمد؟» فقال «إن سلطان باشا عزم على أن يجمع أعيان القطر من الوجهين ليتقدموا بالطلب متى سقطت وزارة رياض باشا.» وهذا الطور هو أن الحركة أوشكت أن تتحول من عصيان عسكري له أسبابه ودواعيه الخاصة بالجيش إلى حركة شعبية، وكأنَّا بعرابي قد صار يتخيل بعد أن استوثق من سلطان باشا واطمأن إلى وعده أن يجمع حوله ذوي الكلمة في البلاد أنه إنما ينفذ رغبة الأمة، وأنه ليس سوى لسان ناطق برغبتها لاهج بأمنيتها، وآلة منفذة لمشيئتها، وأن الثورة — إذا صار الأمر إليها — ثورة الأمة لا ثورة الجند، وأنها حركة يراد بها إصلاح الفاسد وتقويم المعوجِّ، فلا عيب فيها ولا عقاب عليها، وكيف يكون شيء من ذلك والأمة كلها – أو خير عناصرها وأقواها — هي التي تبغي ذلك وتسعى له؟ وعلى من يقع العقاب، وقد تجاوز الأمر الضباط، وانداحت الدائرة فشملت الأمة كلها؟ ولكن الأستاذ الإمام يذهب إلى أن عرابي كان دجالًا في هذا، وأن تخيله أنه آلة منفذة لرغبة الأمة ليس أكثر ولا أقل من «حجاب ممزق يسدله على أعين الناظرين إليه، وحجة ساقطة يقيمها للناقمين عليه»؛ أي إنه لم يكن مخلصًا في اتجاهه الجديد. ومن العسير أن نقول أيهما كان عرابي؛ هل كان رجلًا يدور مع الحوادث ويغتنم فرصتها لا لشيء إلا أن يستر نفسه ويوقيها ما كبر في ظنه أنه عرضة له من الانتقام؟ أو كان رجلًا تخيل فخال وانتهى الأمر به إلى الاعتقاد بأن الأمة راغبة، وأنه إنما يصور هذه الرغبة أو هو صوت لها؟ كلا الفرضين جائز محتمَل، ولرأي الأستاذ الإمام قيمته فإنه معاصر لعرابي عارف به فاهم لشخصيته محيط بجوانبها واقف على الحقائق، غير أنه ينبغي ألا يغيب عن الأذهان أن الرغبة في التغيير كانت عامة شاملة؛ فالخديوي يريد هذا التغيير — أو على الأقل يبغي أن ينحِّي رياض باشا عن منصب الوزارة، وأن يكله إلى رجل مثل داود باشا يكن، ويكون أقرب إليه وألين في يديه، والأعيان كانوا ينشدون هذا التغيير — وعلى رأسهم سلطان باشا الذي أفادته مناصبه السابقة أيام إسماعيل باشا شهرة وعلو صيت، والذي حافظ على مكانته في النفوس بما امتاز به على أمثاله في الكرم — وكان هؤلاء الأعيان يستثقلون يد رياض باشا، ويكرهون استئثاره بالسلطة، ويستنكرون ما استحدثه في وزارته أو أبطله، مثل القضاء على السلطة الشخصية، والضرب على يد الأقوياء والمعتزِّين بجاههم، ومنع استخدام الضعفاء بكرههم، ووضع حدود ألزم الأعيان والأغنياء الوقوف عندها؛ فتمنَّوْا أن يزول هذا العهد، وأن يعود النفوذ الشخصي لهم في البلاد والسلطان الذي كانوا يتمتعون به على من هم دونه من الأهالي، وتوقعوا أن ينجح عرابي، ورأوا أن ما دبر للإيقاع به أخفق كله، فآثروا أن يتفقوا معه من أول الأمر، وبدا لهم أن هذا ما يقضي به الحزم وتستوجبه مصالحهم، وشجعهم على ذلك ما وقر في نفوسهم من عداوة رياض باشا لهم؛ فقد كان المديرون يسيئون إليهم، وكان رياض باشا — لثقته بعماله — يأبى أن يصغي إلى الشاكين منهم، وكان سواد الشعب غير راضٍ كذلك؛ لأن عناية رياض باشا بتوطيد الأمن ومبالغته في ذلك — على عادته — جعلا البلاد كأنها في حالة حرب، وقد خول المديرين من أجل ذلك سلطة واسعة، ولم يكونوا جميعًا أهلًا لهذه الثقة؛ ولا ذوي حزم وحكمة؛ فأساءوا إلى الناس وأزعجوهم، وأخذوا بالظن، وعاقبوا بالشبهة، وشعر الأهالي فضلًا عن ذلك بضجر الأعيان والوجوه وسخطهم على الحكومة؛ فأعداهم ذلك وتأثَّروا به، وتعاقبت الحوادث التي أسلفنا ذكرها؛ فطارت الإشاعات، ورجح احتمال التغيير، وراحت النفوس تترقبه، وتحولت من الترقب الذي طالت مدته إلى اشتهاء التغيير وطلبه، وهذا طبيعي؛ فإن النفوس لا ترتاح إلى القلق، والاضطراب متعب مضنٍ، والنفس تؤثر السكون على الحيرة، ولليأس عندها خير وأروح من الظن والحيرة والتردد، يضاف إلى ذلك أن الاضطراب والحيرة يجران في كثير من الأحيان ارتباك الأمور وتعطل المصالح ووقف الحال؛ خوفًا من المفاجآت المجهولة.

فلا شك أنه كان هناك شعور أو ميل عام إلى التغيير، ولم يكن عرابي حين تخيل أن الأمة تريد ذلك وتنشده، كاذبًا أو مبالغًا، أو مغالطًا في تصوير الحقيقة، أما اعتقاده أنه إنما يفعل ما تشاء الأمة فقد يرجع إلى قدرة البعض على مغالطة أنفسهم في الحقائق، وما من أحد إلا وهو يفعل ذلك إلى حد ما.

وقد أخذ عرابي بعد استيثاقه من سلطان باشا والأعيان يترقب الفرصة لجمع رجاله لإرغام رياض باشا على الاستقالة، وكان لا يفتأ يشاور إخوانه ويقلب وجوه الرأي معهم، وكانوا ينتظرون عود الخديوي من الإسكندرية، وكان انتظارهم له على قلق وخوف؛ فقد بلغهم أن سموه استمال آلاي الحرس وأميره علي فهمي، وعاهده على أن يكون قوة له تقضي على من يخالف الأوامر من بقية الآلايات، وكانوا معذورين فقد روى الأستاذ الإمام أن هذه الإشاعة لم تكن تخلو من صحة، قال: «أخبرني المرحوم علي باشا مبارك يوم مجيئه من الإسكندرية في معية الجناب العالي أن افتراق آلاي الحرس عن بقية الآلايات واستعداده لتنفيذ ما يصدر إليه من الأوامر مما لا ريبة فيه، وأنه عما قليل سيؤخذ في تقرير أمر فاصل تنحسم به هذه الفتنة وتباد به جراثيمها.»

أما هذا «الأمر الفاصل» — الذي أشار إليه علي باشا مبارك — فقد قال عنه الأستاذ الإمام: إنه بعد عودة الخديوي بأيام «تجلى ذلك الأمر الفاصل الذي سمعت خبره من علي باشا مبارك، فإذا هو من غرائب التدبير، بل من عجائب الألاعيب؛ ذلك أن الحضرة الخديوية بعد أن استمالت علي فهمي ورجاله، وأعدتهم لمغالبة من يستعصي عليها من سواهم، استمالت أيضًا أمير الآلاي الخامس الذي كان مقيمًا في الإسكندرية، فأرادت أن ينقل الآلاي الثالث الذي كان مقيمًا بقلعة المعز بالقاهرة إلى الإسكندرية، وأن يؤتى بالآلاي الخامس إلى مصر بدلًا عنه، وبذلك يكون في مصر آلايان تحت طاعتها، والله أعلم ماذا أرادت الحضرة الخديوية بعد ذلك أن تفعل بهذين الآلايين بعد استقرارهما في مصر. هل كان الخديوي يريد أن يصدر أمرًا بالقبض على رؤساء الفتنة فإذا قامت جنودهم لحمايتهم صدر الأمر بالحرب والقتال بين الطائفتين والغاصبين، ما أظن أن ذلك خطر بالبال، ولو مر ذلك بذهن جنابه لسهل عليه حسم الفتنة ثاني يوم واقعة قصر النيل، لكنها هواجس كانت تجول في الأذهان، ثم تصدر عنها حركات وأعمال لا يدري صاحبها نفسه ما الغاية التي يريد منها».

أشفق عرابي من عاقبة التردد، وأحسَّ أن الخطر محيق به فكتب هو وجماعة من الضباط عريضة إلى السلطان يشكون فيها من الظلم، ويلتمسون إرسال «مأمور خاص» لتحقيق شكواهم، وكان ذلك قبل حادثة عابدين بثلاثة أيام.

ونفذت وزارة الحربية «الأمر الفاصل» الذي شرحه الأستاذ الإمام؛ فأصدر الوزير «أمرين في يوم واحد؛ أحدهما إلى إبراهيم حيدر بك — أمير الآلاي الثالث المقيم في القلعة — بالسفر إلى الإسكندرية، والآخر إلى حسين بك مظهر — أمير الآلاي الخامس — أن يجيء من الإسكندرية إلى مصر ليحل محل الآلاي الثالث، ثم أمر أمير الآلاي الثاني أن يرسل من ضباطه من يتسلم المخافر مع ضباط آلاي القلعة عند سفرهم؛ فلما وصل الأمر إلى إبراهيم بك حيدر وعرفه الضباط أسرع اثنان منهم إلى عرابي وأخبروه به؛ ففزع هو ومن معه، وبادر عرابي فأمر أن ينادَى في ضباط آلاي القلعة بعدم التسليم وبالإقامة في مواقعهم، وبأن يمسكوا من يحضر إليهم من الآلاي الثاني للتسلم، ففعلوا واجتمعت كلمتهم على ذلك، وعندما حضر ضباط الآلاي الثاني كتب محمد أفندي الرملاوي ومحمد أفندي السيد إلى عرابي بما محصله أن أربع بلوكات حضرت لاستلام مواقع الآلاي، وأمتعة أبنائكم قد ربطت فاحضروا بنصف آلايكم وإلا فنحن قائمون، أما النصف الآخر فيبقى تحت قيادة محمد أفندي الزمر إلى العصر ثم يحضر. عند ذلك كتب عرابي إلى نظارة الجهادية ينبئها بأن جميع الآلايات ستكون في ميدان عابدين في نهاية الساعة التاسعة من ذلك اليوم، وهو يوم الخامس عشر من شهر شوال ١٢٩٩، بعد أن كتب إلى جميع الآلايات أن توافيه في الموعد، وكتب إلى الجناب الخديوي علمًا وإلى قناصل الدول يؤكد لهم أن الغاية من جمهرة الجند داخلية محضة لطلب أمور عادلة، فليكونوا مطمئنين على أرواح رعاياهم وأموالهم وأعراضهم».

وبعث الخديوي من يسأل عرابي عن الباعث على هذا التجمهر في ساحة عابدين، فأجاب عرابي بأن للجند مطالب؛ فأبلغ الرسول الخديوي ذلك؛ فعاد سموه يطلب إلى عرابي التزام السكينة والعدول عن التجمهر، ولكن موعد الاجتماع كان قد أَزِفَ؛ فقصد الخديوي نفسه إلى آلاي الحراس (الآلاي الأول)، «وأخذ ينصح الضباط ويذكِّرهم بأنهم أبناؤه وحرسه الخاص، وينذرهم عواقب مثل هذه العصبية عصبية الجاهلية، فصاحوا جميعًا: «نحن جميعًا فداء لولي نعمتنا.» فعند ذلك أمر جنابه أمير الآلاي أن يوزع العساكر داخل السراي، وأن يقيمهم على نوافذها ليقوها من الهاجمين عليها، ثم استصحب رياض باشا وذهب إلى القلعة، وعند وصوله طلب الضباط وسألهم عن الحامل لهم على مخالفة الأمر الصادر إليهم فأنكروا المخالفة، فالتفت إلى أمير الآلاي إبراهيم بك حيدر يستفهم منه؛ فأجابه أن فؤاد بك حسن هو الذي أغرى الضباط بالمخالفة ومنعهم من التسليم، وكان فؤاد بك على القرب من رياض باشا فجذبه من طوقه، وقال له: «مثلك يقاوم أوامر الحكومة ويمنع من تنفيذها؟» وبينما هم في الكلام إذ ضرب أحد البروجية نوبة «سنكي (دنك)»؛ فأسرعت العساكر إلى تركيب الحراب على البنادق، وأحاطوا بالخديوي ورئيس النظار، وصاحوا: «أطلق البكباشي.» فأمر الخديوي بتركه، وأخذ يخاطبهم: «ألست خديويكم؟ ألست ولي أمركم؟ هل تأخر لأحد منكم راتب؟ أو نقصت له مؤنة؟ أو حرم من حقه في ملبس أو نحوه؟ فلم جاهرتم بالعصيان وخالفتم أوامري؟» فأجابوه بقولهم نحن جميعًا مطيعون لأوامر ولي نعمتنا، ولكن قيل لنا إن الغاية من الأمر بسفرنا هي إغراقنا في البحر عند مرورنا فوق كوبري كفر الزيات، فأسف الخديوي لذلك وانصرف على أن يذهب إلى العباسية لمنع عرابي من المجيء إلى ميدان عابدين، فبلغه وهو في الطريق أن الآلاي قد سبق إلى ساحة السراي، فرجع هو ورياض باشا فوجد الساحة غاصة بالعساكر من كل فريق فدخلا من الباب الشرقي.»

وإلى هنا يرى القارئ في وصف الأستاذ الإمام أن الخديوي أبدى نشاطًا كبيرًا وسرعة في رغبته في تسكين خواطر الجند وردهم إلى الطاعة، وقد تختلف الآراء في حكمة ما صنع، وقد يرى البعض أنه كان عليه ألا يخف بنفسه حتى لا يقع في روع الجند أن أمير البلاد قد اضطرب وفزع لمجرد علمه أن الجند سيجتمعون في ساحة قصره، ولكنه من الواضح أن الأمور كانت في ذلك الوقت مضطربة بل فوضى، وأن الجو كان حافلًا بدواعي القلق من كل ناحية، وليس لأحد ثقة بأحد وكل متنمر متحفز ومتحرز متوحش، وظاهر أن غضب رياض باشا كان غير ملائم لطبيعة الموقف، وقد أدى تسرعه إلى إحاطة الجند بالخديوي وبه، وقد شرعوا الحرب في وجهيهما لإطلاق البكباشي فؤاد بك حسن، فكانت هذه في الواقع هزيمة جرَّها رياض باشا على الخديوي بتسرعه وعدم قدرته على ضبط نفسه، وظاهر أيضًا أن الخديوي لو كان قد أدرك عرابي في العباسية قبل أن يزحف بفرقته، لاستطاع أن يردع عن السير إلى عابدين.

ويظهر أن علي فهمي لم يكن مخلصًا في ولائه للخديوي، أو أن الخديوي لم يعد يملك ذرة من القدرة على إلزام الجيش طاعته، فإن الأستاذ الإمام يروي أن الآلايات المختلفة اجتمعت في ساحة عابدين، ثم «وصل عرابي يقود آلايه ومعه آلاي الطوبجية تتخلل بطاريات مدافعه فرق العساكر وهو ممتطٍ جواده شاهر سيفه، ويحيط به عشيرة من ضباطه شاهري السيوف كحرس له، فأنبأه بعض الضباط أن علي فهمي قد أدخل عساكره في السراي للدفاع عنها إذا دعت الحال، وقد ادَّخر كمية وافرة مما يحتاج إليه لذلك، فاستدعى علي فهمي واشتد في توبيخه ورماه بالخيانة، فاعتذر بأنه فعل ما فعل مداراة منه للخديوي وتدبيرًا لحيلة سياسية، ثم أمر بالنداء في الآلاي بالنزول، فنزلت العساكر جميعًا واصطفت في الساحة مع بقية الجنود».

وهذا فوز آخر خرج به عرابي على مشهد من الجيش كله، وعندنا أن الخديوي لم يكن موفَّقًا في إدخال علي فهمي وآلايه في السراي وتوزيع جنوده على الأبواب والنوافذ للدفاع عن القصر؛ لأن في هذا العمل إشعارًا لبقية الجيش بخوف الخديوي ويأسه من ولاء الجنود، ومتى أشعرت خصمك بالخوف منه فقد جرأته عليك، ولم يكن الخديوي موفَّقًا أيضًا في دخول السراي من باب غير الباب الذي اصطف أمامه الجند، فإن هذا أيضًا كشف لتوجسه وإعلان لإحساسه بالعجز عن مواجهة الجنود، وقد ينبغي أن لا تبقى هذه المواجهة، وأن يتحدى هذا الإنكار للولاء الذي أقسموا له عليه، وأن يزعم أنه ما زال مؤمنًا بروح الإخلاص فيهم وإن سترتها ونكرتها الحوادث والدسائس، وأنه ما انفك خديويهم، وأنهم يعرفون ذلك، ولا يسعهم أن يهربوا من هذه الحقيقة، والشجاعة نصف الظفر، وحسن الإدراك للنفس الإنسانية عون لا يستهان به في مثل هذه المواقف، وبديهي أن قوام الحكومات هو الهيبة المقررة في النفوس، لا القوة؛ فإن أقوى حكومات الدنيا أضعف من شعبها إذا اعتبرت الحقيقة، ولكن لعادة الطاعة فعلها، وكل شيء في هذه الدنيا عادة — حتى الخير والعبادة، كما فطن إلى ذلك أبو نواس الماجن في بعض شعره، وحسب القارئ أن يفكر في أن الحكومة لا تحتاج في تنفيذ أوامرها وقوانينها إلى القوة، بل يكفي مجرد صدور الأمر؛ إذ كان الشعب قد ألف أن يطيع وجرى على هذه العادة، ومن أمثلة ذلك أيضًا طاعة التلاميذ للأساتذة، ومعروف أن الأساتذة قلة إذا قيسوا بالتلاميذ، ولكن التلاميذ يطيعون ويمتثلون الأوامر ويتَّقون المخالفة على العموم لا؛ لأن القوة ماثلة لأعينهم في كل حال، بل لأنهم ألفوا احترام الأساتذة، وتقررت هيبتهم في نفوسهم وجرت عادتهم بأن يطيعوا ويأتمروا، ولو أن الأمر أمر قوة في كل حال لما وسع التلاميذ قط أن يتخذوا معلمًا لهم هزؤة، ولكن الواقع أن المعلم الضعيف الشخصية لا ينفعه مع التلاميذ كل ما يعرفون أن المدرسة ومن ورائها الوزارة يملكان إنزاله بهم من ضروب العقاب.

وكان قناصل الدول ورجال الحكومة قد حضروا إلى السراي، وكان الجيش كله مجتمعًا ما خلا آلاي القلعة — فقد بقي فيها بأمر عرابي — فأمر — أي عرابي — بإقامة الخفر على أبواب السراي لمنع من يدخل إليها أو يخرج منها.

قال الأستاذ الإمام: «أشرف الجناب الخديوي على العساكر، وأمر بإحضار عرابي فحضر راكبًا جواده، سالًّا سيفه، محفوفًا بضباط السواري يحرسونه، فأمره بإغماد سيفه والنزول إلى الأرض وإبعاد الضباط عنه، فقبل ثم أخذ يخاطبه «ألم أك سيدك ومولاك؟ ألست الذي رقيتك إلى رتبة أميرآلاي؟» فيجيبه عرابي «نعم.» ثم سأله: «لم حضرت بالجند إلى هنا؟» فقال: لطلبات عادلة، وهي عزل وزارة رياض باشا، وتشكيل مجلس النواب، وزيادة عدد الجيش، والتصديق على قانون العسكرية الجديد، وعزل شيخ الإسلام «الشيخ العباسي»؛ فقال الخديوي: كل هذه المطالب ليس من شأن الجند أن يطلبها، فسكت عرابي ولم يجب بشيء.»

وهذا أيضًا مظهر ضعف لا يليق بالخديوي في مثل هذا الموقف؛ فقد بدأ كلامه مع عرابي الثائر عليه المتمرد على سلطته، بالعتاب، والعتاب حتى بين الأنداد والنظراء ضعف وعبث؛ وجدواه على كل حال قليلة؛ فما ظنك به بين أمير البلاد الشرعي وبين أمير فرقة من فرق الجيش أقسم حين تقلد رياسة الفرقة على الولاء لمولاه؟ وضعف آخر أظهره الخديوي على الرغم من أنه رأى بعينه أن عرابي لم يستطع أن يخالفه حين أمره بإغماد سيفه وبالترجل وإقصاء الضباط عنه، ولم يجرؤ على المكابرة حين قال له إن هذه المطالب ليست من شأن الجند.

قال الأستاذ الإمام: «ثم أشار القناصل على الخديوي بالرجوع إلى داخل السراي خوفًا مما عساه يعقب هذه المخاطبة مما لا يحمد، ثم تولى المستر كونفي — المستشار الإنجليزي في المراقبة الثنائية — وقنصلا إنجلترا والنمسا أمر المخابرة مع عرابي في مطالبه ومطالب الجند، فقال المستر مالت — قنصل إنجلترا — لعرابي: إن عزل الوزارة من خصائص الخديوي، وطلب تشكيل مجلس النواب من حقوق الأمة لا الجند، ولا ضرورة لزيادة الجيش؛ فإن البلاد آمنة مطمئنة، وليس في الأمم من يريدها بسوء، أما التصديق على قانون العسكرية فسيكون بعد اطلاع الوزراء عليه، وأما عزل شيخ الإسلام فقد يحصل بعد بيان أسبابه.»

«أجاب عرابي: يا حضرة القنصل، إن ما يتعلق بالأهالي من هذه المطالب لم أنهض إليه إلا بالنيابة عنهم؛ فقد أقاموني نائبًا عنهم في طلبه وتنفيذه بواسطة هذه العساكر الذين هم أبناؤهم وإخوانهم، واعلم أننا لا نفارق هذا المكان ما لم تنفذ جميع تلك الرغائب التي أبديتها.»

«قال القنصل: تصرح بأنك تريد الوصول إلى ما تطلب بالقوة، وهذه هي الهمجية التي تجر الخطر على بلادك، وربما تفضي إلى ضياعها. فقال عرابي: وكيف ذلك؟ ومن الذي يعارضنا في شئوننا الداخلية؟ ولئن تحرش بنا لذلك أحد فاعلم أننا نقاومه بكل ما لدينا من الحول والقوة، ولو أدى ذلك إلى فنائنا عن آخرنا، فقال مالت: وأين تلك القوة التي تكافح بها وتناضل عن بلادك؟ فقال عرابي: أستطيع أن أحشد في زمن قصير مليونًا من العساكر كلهم يسمعون قولي ويتبعون إشارتي، فإن كانت دولة إنجلترا هي التي تستعد لخصامنا، فلتكن على حذر من ثورة عامة في الهند تقضي على حياتها فيها، فقال القنصل: وماذا تفعل إذا لم تجب إلى طلبك؟ فقال: كلمة واحدة أقولها، فأجاب مالت: ما هي؟ قال عرابي: أقولها عند اليأس والقنوط.»

وهذا الحوار وحده كافٍ في بيان الضعف الذي استولى على الخديوي وحكومته، فما كان ثم أي معنى لأن يحشروا قناصل الدول في الأمر، بل كان الواجب ألا يخرج الخديوي نفسه في أول الأمر، وكان أولى من ذلك أن يعرف مطالب عرابي بطريقة غير رسمية، وأن يتخذ قرارًا قبل أن يتصل بعرابي بنفسه أو بالواسطة، ولم يكن خافيًا أن إقالة الوزارة أول مطلب، بل مطلب عام يشارك الخديوي شعبه فيه، ونعتقد أن مما كان خليقًا أن يطفئ هذه الفتنة ويرد الجند من غير مفاوضة أو كلام، أن يوعز إلى رياض باشا بالاستقالة على اعتبار أنه عجز عن ضبط الأمر حتى حدث هذا التجمهر العسكري، وفي ظننا أن هذا وحده لو وقع قبل أن يطلبه عرابي من الخديوي لحسم الإشكال وأرضى الجند من غير أن يحتمل الخديوي مرارة هذه الهزيمة، وكان في الوسع بعد ذلك اختيار وزير معروف بأن الجيش لا يعترض عليه أو يسيء به الظن.

وهذا هو الذي وقع بالفعل، ولكن بعد أن طلبه عرابي وأصر عليه وتردَّد الخديوي ورجاله ثم أجابوه إليه وسلموا به، قال الأستاذ الإمام: «ثم انقطعت المخابرات بين الجناب الخديوي وعرابي مدة ثلاث ساعات استولى فيها الضعف على جميع من كانوا داخل السراي من نظار وقناصل وغيرهم، وظنوا أن من وراء هذا الاجتماع نيرانًا تلتهب، وحربًا تشب، ولذلك أفضت مداولاتهم إلى التسليم والرضى بإجابة عرابي إلى ما يطلب، لكن على شريطة التدريج في التنفيذ، وأرسلوا إليه يخبرونه بذلك فقبل ما عرض عليه، واشترط أن تعزل الوزارة قبل انصراف العساكر، فجاءه الخبر في الحال بقبول استعفائها فطلب أن يعين شريف باشا رئيسًا للنظار ومحمود سامي باشا ناظرًا للجهادية، فقبل شرطه وانصرف العساكر.»

وكانت هذه زلة أخرى، فقد كان من المعروف أن شريف باشا من العوامل التي أدت إلى هذه الفتنة، وكان يروج لنفسه بأن يقول إن النفوذ الأجنبي بلغ حدًّا لم يكن ليبلغه لو لم يتساهل رياض باشا ويسلم للأجانب بكل ما يطلبون، وإنه إذا تولى هذه الوزارة وقف الأجانب عند حدودهم ونهض بالبلاد نهضة كبيرة، وكان هو والعرابيون يتراسلون ويتواعدون، ولذلك طلبوه رئيسًا للوزارة، وأصروا عليه. ويقول الأستاذ الإمام عن شريف باشا: «كان وجه الرياسة يهش له على بعد، وجمالها يخدعه وهو منها على موعد، حتى إذا دنا منها ألفاها شكسة شرسة.»

وهذا صحيح؛ فقد تردَّد شريف باشا أيامًا في قبول الرياسة وهو الطالب لها والطامع فيها؛ وذلك لأنه لم يخف عليه أنه من العسير أن يقوم بأعباء هذا المنصب، وإذا استمر الجيش على مناوأة الحكومة والاستبداد بالأمر والتهديد عند الإبطاء عليه في إجابة طلبه، بإحاطة السراي والوثبة على الأمير. وكان شريف باشا يخشى كذلك أن تكون إنجلترا وفرنسا مؤيدتين لرياض باشا وراغبتين في بقائه، وخاف إذا هو تولى الرياسة أن تكيدا له وتكظا طريقه بالعقبات، ثم إنه كان عالمًا بما دار بين الضباط والأستانة من المكاتبة، وبما كانت تشتمل عليه رسائل الأستانة من الثناء عليه والاعتماد على غيرته لتخليص البلاد من النفوذ الأجنبي، فخاف إذا تولى الوزارة أن تظهر الحوادث عجزه وتخيب الأمل فيه.

لهذا كان يجب أن تسند الوزارة إلى عرابي نفسه دفعة واحدة ليحمل عبئها وينوء به، وليتولى المسئولية ويرزح تحتها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.