وما كوري؟

شيء من الشرق أو من الغرب، ويشار إليه بضمير المذكر أو ضمير المؤنث، وقديم هو أم حديث؟ كثير من الناس لا يعلمون! وكان ينبغي أن يعلموا ولو بعض العلم؛ لأنه شيء متصل بما نحن فيه، وبما العالم كله فيه، ولو بعض الاتصال.

اسم كوري متصل بتاريخ مصر والسودان في العصر الحديث.

ومما لا شك فيه أنه على اتصال بالحرب العالمية الحاضرة في جملة أسبابها البعيدة التي توارت الآن وراء أسبابها القريبة، فإن كانت للحرب العالمية الحاضرة، وللحرب العالمية التي قبلها أسباب لها عشرات السنين، وأسباب لها سنوات، فاسم كوري لا ينفصل من أسبابها الأولى أقل انفصال؛ لأن علاقته بالأطوار الأوربية أواخر القرن الماضي كأوثق علاقة تكون.

كوري كان له شأن في تحول المآرب الاستعمارية عند كثير من الدول التي أثارت الحرب العالمية الماضية، وعادت فأثارت الحرب العالمية الحاضرة.

كان له شأن في سياسة «بين القاهرة ورأس الرجاء، أو بين القاهرة والكاب».

وكان له شأن في اندفاع الألمان إلى القارة الأفريقية، وفي موقف فرنسا من مراكش وأفريقية الشمالية، وفي ظهور إيطاليا على شواطئ البحر الأبيض بعد شواطئ البحر الأحمر، ثم فيما تلا ذلك في تجدد الأحلام بالدولة الرومانية.

ومتى اتصل شأن كوري بهذا، فقد اتصل بجميع ما يخوض فيه العالم اليوم، وكان له من قبل ذلك اتصال بمصر والسودان.

كوري هو الوادي الذي انهزمت عنده جيوش الخليفة عبد الله، ودخل وادي النيل من جرائه في تاريخ جديد، ولك أن تقول: بل هو العالم كله قد دخل من جرائه في طور جديد.

***

وقفت على ساحة «كوري» في مثل الوقت الذي جرت فيه وقعته الفاصلة.

كانت زيارتي للوادي في أوائل أغسطس، وكانت الوقعة في أوائل سبتمبر، قبل أربع وأربعين سنة.

فالمنظر الذي رأيته هو منظر الوادي يوم الوقعة بغير كبير اختلاف: هو النهار الضاحي، وهي السحب التي تبشر وتنذر؟ تبشر بالمطر وتنذر بالصواعق، وكانت وما يبالي بها أحد صبيحة يومه المشهود؛ لأنهم كانوا يرجون ما هو أرجى من المطر، ويرهبون ما هو أرهب من الصواعق، ويستقبلون مشرقًا يعرفون ما يستقبلهم من مغربه إذا انتصروا، وما يستقبلهم منه إذا انهزموا: مجد أو موت، والفاصل بينهم وبين واحد منها بضع ساعات.

وكم تصنع بضع ساعات في تواريخ الأمم؟

***

هناك التلال المتجهمات للشمس، أعلاها لا يعلو فوق مائة متر في الفضاء.

وهناك الحجارة والحصباء، أحدث أخبارها التي تتحدث بها إليك غضبة بركان قديم!

وهناك الأخدود الذي كانوا يتوارون فيه من المستطلعين فيواريهم ويخفي آثارهم؛ لأن مطية الهواء لم تكن في ذلك العهد مما يكشف ذلك الخلاء، ولا أي خلاء.

وهناك السكون ثم السكون ثم السكون؛ سكون اليوم، وسكون أمس، وسكون عام مضى، وسكون أعوام، ما عدا ذلك اليوم في ذلك العام.

ولو أنك سألت «كوري» ماذا صنعت يا كوري؟ أو ماذا صنع فيك؟ فيم تراه يجيب؟

أكبر الظن أنه يستعيدك السؤال مرات! ماذا صنعت؟ ماذا صنعت؟ لا أدري!

– لا، بل صنعت كثيرًا «يا كوري» … ألا تذكر؟ ألم يبق في ذكراك غير هذا السكون؟ ثم هذا السكون، ثم هذا السكون؟

– غضبة بركان قديم لم يغضب منذ آلاف السنين؟ أتسألني عن هذا وتلك آثاره تنبئك بغير سؤال؟

– لا، بل غضبة بركان أقرب من ذاك جدًّا إلى ذاكرة من يذكر، ولا أثر له فيك يغني عن سؤال! ألا تعرف؟ ألا تعرف تلك الحمم؟ ألا تعرف تلك النيران؟

– تلك براكينكم يا صاح تسألون عنها أنفسكم وتصلون منها بحممكم ونيرانكم، وتحتفظون بآثارها وآثاركم، وتسمونها الأسماء، وإن هي إلا هواء يعبر بي كهذا الهواء.

وكوري لا يقول غير هذا لسائله، إذا قال.

***

لكن «كوري» جماد مسكين لا يعلم إلا ما يعلمه الجماد المسكين، ولم يدخل قط علم الجماد المسكين أن براكينه صرخة في فضاء ما لم تتصل بهذا المخلوق الضئيل الذي هو نحن الآدميين! وأين غضبة ذلك البركان الذي تنبئنا به حجارة كوري من براكين هذه الأيام؟ وأين هو من معقبات ذلك اليوم الذي تقدم قبل أربعة وأربعين عامًا في خلاء أم درمان؟

ذلك بركان غضب ولم يعرف كيف يغضب، ذلك بركان حليم جد حليم، ذلك بركان يعرف نار الأرض ويعرف نار الصاعقة، ولا يعرف النار التي يجمعها الإنسان في أوعية صغار، كل وعاء منها كأنه جنل من نار!

أو هو قد عرفها فمرت به كما يمر كل شيء بالجماد، وبالإنسان الذي فيه قرابة من الجماد.

***

وغمضة العين هنا هي أولى بالنظر من فتحها في سطعة هذا الضياء، فلن ترى إن فتحت عينك في الوادي إلا يومك الذي أنت فيه، وقد تغضها فترى أعوامًا وراء أعوام.

وكأني رأيت الوادي يموج بالعمائم البيض، والطرابيش الحمر، والقبعات الصفر، والوجوه التي فيها من اختلاف الألوان كل ما في العمائم والطرابيش والقبعات.

وكأني رأيت النصر يدور بين المعسكرين، فلا يدنو حتى يبتعد ولا يبتعد حتى يدنو، ولا يزال بين إقبال وإدبار، وبين طلوع وأفول في سحابة نهار.

لقد كان في الميدان جيشان من الماضي والحاضر، ولم يكن به جيشان من عصر واحد، فحكم الزمن بمصير المعركة قبل أن يلتقي الجيشان.

كانت الحضارة والمدفع الرشاش والأسطول الصغير في أحد الجانبين.

وكانت البداوة في الجانب الذي يناضله، وليس معها من سلاح غير الحراب أو راميات بالنار تشبه الحراب، وكل أولئك من عمل الحضارة نفسها في أوان فات.

وقيل: إن السيف الذي شهره المهدي كان سيفًا لبعض الفرسان التيوثون في الحروب الصليبية، عليه طابع شارل الخامس ثم انتقل إلى سلاطين دارفور، وهو تاريخ فيه من الحق أكثر مما فيه من الأساطير.

فهذا السيف كان رمز القوة التي اعتز بها الخليفة عبد الله، فلم يزد عليه من العصر الحديث ما هو أقوى منه بكثير، إلى جانب المدفع الرشاش.

لقد حارب بعد زمانه بسبعمائة عام، فأحرى ألا يصيب في غده ما لم يصبه في أمسه، وهو إذ ذاك أمضى سلاح.

وأما الشجاعة فلا شجاعة فوقها، يتمناها لجيشه كل قائد في كل قتال.

وأما النظام فيخطئ من يحسبه لغوًا في جيش الدراويش؛ لأنهم كانوا على نظام في الحركة لا يخرج من زمام القيادة، وإن كانت القيادة نفسها مضللة الزمام.

وأما الحيلة فهي ليست في ذلك الجيش بالقليلة، بل لعلها كانت وشيكة أن تفلح في يومها، لو لم يتأخر الموعد ببعض القادة عن الهجوم في حين الحاجة إليه.

إنما كانت الغلبة لزمن على زمن، ولغد على أمس، وكل معركة فيها الغد والأمس قرنان متصاولان، فالغد صاحب الغلبة فيها لا مراء.

***

وكنت أقرأ عن حروب عمر بن الخطاب وأنا أطوف بين بيت الخليفة وكوري، وأذكر هذا الصراع إلى جانب ذلك الصراع.

أكان القدر هو الذي ساقني في تلك الفترة إلى كوري، أم هو الذهن يشتغل بالشيء في حين من الأحيان، فيرى كل ما يراه وكل ما يسمع به إليه؟

ليكن هذا أو ذاك، فقد علمت شيئًا من «كوري» وأنا أنظر في حروب الفاروق مع دولتي الفرس والروم، ولم أكن لأجمع بين العبرتين لولا أن وقفت بكوري وعرضت فتوح عمر وأنا واقف هناك.

إن العقيدة لتظفر بما تريد وهي مع الغد على وفاق، ولا تظفر بشيء ذي بال وهي مع الغد على عداء.

ولم تكن العقيدة ناقصة في جيش الخليفة عبد الله، بل كان له حظ منها كأوفى الحظوظ، وكان الرجل من الدراويش يهجم على النار بغير سلاح ولا يبالي الموت، فقصارى جزائه من هذه الشجاعة كان أن يموت.

وكانت العقيدة زاد المسلمين في جيوش عمر فشجعوا وظفروا وعاشت عقيدتهم بعد من ماتوا؛ لأنها كانت عقيدة يحارب معها الغد وتجري في طريق التقدم، فلا تتصارع العقيدة والغد إلا كان النصر للغد على العقيدة، ولا يتفقان ويغلبهما غالب كائنًا ما كان حظه من الجند والسلاح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.