فرغنا في الفصل السابق من المظاهرة العسكرية التي قام بها عرابي وزملاؤه أمام قصر عابدين، والتي أفضت إلى استقالة الوزارة الرياضية نزولًا على إرادة الجيش، وإلى وعد الخديوي بإجابة المطالب الأخرى التي تقدَّم بها عرابي وألحَّ فيها، وإلى دعوة شريف باشا لتولي الوزارة، وعلى هذا القدر يقتصر التاريخ الذي كتبه الأستاذ الإمام المرحوم الشيخ محمد عبده، ويقول مترجمه الأستاذ السيد محمد رشيد رضا: «انتهى ما لخصناه مما كتبه الأستاذ الإمام من كتاب (الثورة العرابية) الذي لم يتمه.» ولا شك أن من بواعث الأسف أن تكون الحوائل قد عرضت للأستاذ الإمام فصرفته عن المُضِيِّ في هذا الكتاب إلى ختامه، ومن أكبر هذه الحوائل تغير الخديوي السابق (عباس حلمي باشا) عليه ومناوأته له، ولعله خشي إذا هو مضى في الكتاب أن يُتَّهم بالحيف، ويُرْمَى بالتحامل بعد الذي عرفه الخاص والعام من العداء بين الأمير وبينه، ولو تم الكتاب وهو متمتع برضى الخديوي لكان ذلك شهادة له؛ فإن الأستاذ الإمام لم يحابِ أحدًا ولم يكتم الحق الذي يعلمه ولم يقصر في اللوم والتخطئة، ولم يحجم عن نقد الخديوي الأسبق (توفيق باشا) كما رأى القرَّاء، فأما وقد غضب الخديوي السابق عباس حلمي باشا على الأستاذ قبل أن يتم الكتاب، فأكبر الظن أن يكون الأستاذ قد أشفق من تهمة التحامل، وهو — كما علمت — الحريصُ على سمعته ونزاهته، ويخيل إلينا أن السيد محمد رشيد رضا لم ينشر كل ما كتبه الأستاذ الإمام، فقد أورد فصولًا بنصها، ولجأ إلى التلخيص في مواضع شتى، ولعله طوى أشياء وآثر أن يكتمها، ونحسب أن عذره من هذا كعذره في الامتناع عن إذاعة ترجمة الأستاذ الإمام كل هذه السنين، فإن للظروف حكمها، وعسى أن يكون فيما كتبه الأستاذ ما يتعذر نشره الآن، ولسنا نلوم ولكنما نحن نأسَف، فما نعرف مؤرِّخًا خليقًا بأن يكون أصدق من الأستاذ الإمام رحمه الله، وقد اطلع في حياته على ما لم يتيسر لغيره الوقوف عليه، وكان مديرًا للمطبوعات ومرخَّصًا له في الاطلاع على ما يشاء، وكانت له مذكرات عن الأحداث والوقائع، وقد اطلع مؤرخه السيد رشيد رضا على (دفتر جيب له بخطه من هذه المذكرات كان يكون من مادته لو أتم كتابه هذا، فرأيت أنه أثبته في هذا التاريخ، والظاهر أنه كان تابعًا لدفتر قبله، وفي أوله تقديم وتأخير في التاريخ، ووجدت ورقة مفردة من هذه المذكرات سابقة التاريخ على ما في دفتر الجيب المذكور مبدوءة بما يدل على أنها تابعة لشيء قبلها).

هذه المذكرات المبتورة، التي أراد الأستاذ الإمام أن يرجع إليها حين يكتب بقية التاريخ هي التي سنعتمد عليها في سرد حوادث الثورة العرابية كما رآها الأستاذ، ومن وجهة نظره هو، وفي ذلك بعض المشقة؛ لأن الكثير منها غامض، لا يعرف الغرض منه إلا كاتبه، وغير أنها مع ذلك كافية.

قلنا إن الوزارة عرضت على شريف إجابة لطلب عرابي، وكان شريف من أقوى عوامل هذه الحركة التي انقلبت إلى فتنة، وكان في مجالسه يَعِدُ — إذا تولى الأمر — أن يردَّ الأجانب إلى حدودهم ويلزمهم إياها، وينهض بالبلاد نهضة قوية، ولكنه لما دُعي إلى تأليف الوزارة تردَّد أيامًا، وقال إنه بعد حادثة عابدين لا يستطيع أن يقبل الوزارة حتى يكون لديه ضمان يكفل له أن لا يعتدي الضباط أو الجند مرة أخرى، وقد كان شريف باشا من العوامل التي أوقدت الفتنة، وكان يطمع في الوزارة ويتطلع إليها ويرشح لها نفسه، فلما جد الجد وواجه المسئوليات راحت السكرة وجاءت الفكرة، وأدرك أن الحكم لا يستقيم أمره مع هذه الفوضى، ولهذا قلنا في الفصل السابق إنه كان ينبغي أن تسند الوزارة إلى عرابي نفسه أو إلى محمود سامي باشا دفعة واحدة، ليواجه العرابيون المسئوليات بلا حجاب، ويحتملوا التبعات مباشرة، وليضطروا إلى الارتداد إلى مقتضيات النظام، وحتى لا تبقى القوة الحقيقية في البلاد خارج الوزارة ومستقلة عنها في الواقع ومتحفِّزة للوثوب عليها عند الحاجة، ولو حدث هذا لما كان ضعفًا من الخديوي، بل إحراجًا منه لخصومه وإكراهًا لهم على مواجهة الحقائق، وعلى أن الخديوي لم يكن ينقصه أن يعرف خصومه ضعفه؛ فقد أظهر ذلك في مواقف شتى، وقد اضطر آخر الأمر إلى إسناد الوزارة إلى العسكريين، فماذا كسب هو أو البلاد بإرجاء ما لم يكن منه بد عاجلًا أو آجلًا؟

وبزوال وزارة رياض باشا لم تَعُدْ ثَمَّ حاجة إلى وسائل التشهير بها، فعاد أديب إسحاق من أوروبا، وألغيت جريدة (القاهرة)، وكوفئ محررها بتعيينه رئيس قلم ترجمة أولًا ثم سكرتيرًا لمجلس النواب بعد تأليفه. ويروي الأستاذ الإمام أن الخديوي (توفيق باشا) «صاح عند إمضاء الأمر بتعيينه من شدة الفرح: «الحمد لله الذي خلَّصني من رق شخص كنت أبغضه»».

وألف شريف باشا الوزارة في أواسط سبتمبر، ودخل محمود سامي فيها ناظرًا للجهادية، وأعلن عرابي أنه أدى واجبه، وأنه سيدع الأمر لزملائه المدنيين، فصدر إليه الأمر بأن يذهب إلى رأس الوادي، ولكنه لم يذهب إلا بعد أن صدر الأمر بتشكيل مجلس النواب على طريقة جديدة، وكان الخديوي قد حاول أن يدعو أعضاءه على مقتضى النظام القديم فأبى عرابي إلا نظامًا جديدًا، وقبيل سفره ألقى على مودعيه خطابًا طويلًا «شكا فيه من العقبات التي تصادفها مطالب الشعب من وضع دستور يكفل له الحرية ويؤمنه من الاستبداد، وصرح فيه بأن الخديوي والنظار ومن هم على شاكلتهم لا يميلون إلى مساعدة الأمة على ما تطلب، وبأن أعداء الأمة هم الدائنون ومعاونوهم من الأجانب، وأن الطبع يدفعهم إلى الاستيلاء على جميع موارد الرزق في مصر، وأن من الافتراء أن يقال إن البلاد تريد سلب الأموال والاستئثار بالمنافع وسلب حقوق الدائنين، وإنما الحق أن هناك شعبًا يطالب بأن يكون على أثر بقية الشعوب تحت حماية قانون عادل يؤمِّنه من الاعتداء على الأرواح والأموال».

وسافر عرابي إلى رأس الوادي، وسافر عبد العال إلى دمياط، وأجريت الانتخابات لمجلس النواب، ودعي المجلس إلى الاجتماع، وافتتحه الخديوي في أخريات ديسمبر وعين سلطان باشا رئيسًا، وشرع المجلس ينظم شئونه الداخلية، ويدرس مشروع الدستور الذي وضعته وزارة شريف باشا، وخيل لكل أحد أن الأمور ستجري في مجاريها الطبيعية، لكن فرنسا وإنجلترا لم تكونا مرتاحتين ولا راضيتين، وكانتا تتنافسان على مصر وتحاول كلٌّ منهما أن تستولي عليها. وكانتا لهذا تكرهان أن تمكِّنا تركيا من العمل أو تسمحا لها بقمع الثورة، وظاهر مما سيرد عليك أنه لولا تدخل هاتين الدولتين ومناوأتهما لمجلس النواب لاستقامت الأمور في مصر، ولكن غميتا تولى الوزارة الفرنسية في نوفمبر سنة ١٨٨١، وكانت نزعته الاستعمارية عنيفة، وكان يريد أن يلحق مصر بتونس ويبسط عليها حماية دولته، ومما قاله للورد ليون فيما يتعلق بدعوة مجلس النواب المصري:

قلبي ممتلئ رعبًا. ليس من الممكن تخمين ما عسى أن يقرره ما يسمى بالحزب الوطني، ومن الجائز أن يعمد إلى تقرير طريقة تخالف مصالح الأوروبيين، ولا أجد وسيلة للاحتياط لمنع نهضة جديدة أفضل من إفهام المصريين أن إنجلترا وفرنسا لا يسعهما أن تحتملا شيئًا من هذه المطالب ولا تلك النزعات.

وليس أشنع من هذا التعصب الذي تكشف منه هذه الكلمة؛ فقد كانت ديون اليونان وإسبانيا لأوروبا أفحش، وقدرتهما على الوفاء أقل وأضأل من قدرة مصر.

وكانت إنجلترا تعالج أن تنفرد بالتدخل ولا يعوقها إلا فرنسا، وكان «مالت» يقول (ديسمبر سنة ١٨٨١): «إذا حاز مجلس النواب حق تقرير الميزانية فقدت المراقبة سطوتها في الأمور المالية.»

وقد أبرق إليه اللورد جرانفيل في ١٢ يناير سنة ١٨٨٢ يقول: «أخبرني بالتلغراف ما هي حدود سلطة مجلس النواب في المالية المصرية على حسب ما قررته الجمعية العمومية والشروط التي تطلبها.»

فأجابه في ١٣ يناير أن سلطته تشمل مرتبات الموظفين الذين لم يكن تعيينهم بعقود مع الحكومة؛ فهذه تكون تحت مراقبة المجلس، وعلى ذلك يمكن أن يلغي مصلحة المساحة مثلًا لأن تشكيلها لم يكن باتفاق دولي، ويمكن الاستغناء عن عدد كبير من الموظفين الأوروبين في الإدارة المصرية.

ولم يكن ثَمَّ سوى طريقة واحدة إذا أريد رفع رقابة المجلس النيابي على الشئون المالية وهي التدخل الحربي؛ فقد كان المجلس متشبِّثًا بهذا الحق مصرًّا عليه، ولم يُجدِ الإرهاب والتهديد، وهذا ما كان يراه مالت نفسه، فقد قال (١١ يناير): إنه قد تقرر عنده أن المصريين قد دخلوا بحق أو بغير حق في طريقة الحكم الدستوري، واللائحة التي يريد المصريون تقريرها لمجلسهم تمثل في الحقيقة صور حرياتهم، ولما كان هذا المجلس قد وجد بالفعل فلا شيء يمكن أن يبطله ولا أن يلغيه إلا أنه يكون تداخل، وهو آخر ما ينتهي إليه العمل.

وقال — مالت — مرة أخرى في ٢٠ يناير: «إذا تمسَّكنا بإبائنا على مجلس النواب أن ينظر في الميزانية كان التدخل العسكري ضرورة لا مفرَّ منها، فإن إصرار مجلس النواب على رأيه في ذلك جزء من مشروع تام أعد للثورة.»

ولم يكن مجلس النواب يريد أكثر من أن يكون له حق تقرير الميزانية فيما لا علاقة له بالديون، ولكن المراقبين أَبَيَا عليه ذلك ووافقهما الخديوي وضعف أمامهما شريف باشا، فقدم مشروعًا آخر للدستور يخرج الميزانية من دائرة اختصاص المجلس فرفضه، ثم أراد حسم النزاع، وآثر الجنوح إلى المسالمة، فعرض أن تتولى لجنة من النظار والنواب تقرير الميزانية فيما لا علاقة له بالديون، ولكن المراقبين رفضا هذا، وقدَّما مذكرة ذهبا فيها إلى أن الأوامر الخديوية السابقة قد ناطت الإدارة المالية بدولتي فرنسا وإنجلترا، فإليهما يرجع السماح للمجلس بحق إعطاء رأيه في الميزانية أو حرمانه هذا الحق، وهما لا تسمحان بذلك لما ظهر من مقاصد المجلس في تخفيض عدد الموظفين الأوروبيين.

وضعف شريف باشا فتخلَّى عنه الوطنيون، واضطر إلى الاستقالة في ٢ فبراير ١٨٨٢، وعين محمود سامي باشا رئيسًا للوزارة وعرابي وزيرًا للحربية، فتم استيلاء الحزب العسكري على مقاليد الحكم، وعرضت الوزارة على المجلس دستورًا مطابقًا لرغبته، وفحصت الميزانية لجنة مشتركة من الوزراء والنواب، وشرعت الوزارة والمجلس يدرسان حاجات البلاد ويعالجان سدها، ويصلحان أمورها، ثم قرر مجلس النواب تعيين لجنة لتخفيف بعض الشكاوى من مصلحة المساحة، وإدارة الجمارك، وظهرت وجوه الخلل في أعمال الموظفين الأوروبيين، وتحقق ما كانت تخشاه المراقبة الأوروبية من مقاصد المجلس، فبدأت المناوأة حتى لقد رفض المسيو كاليار — مدير الجمارك — أن يحضر جلسات التحقيق، وعارض في أعمالها، ووقف المجلس على تقرير قدمه موظف أجنبي في الدومين إلى المراقبين، وفيه يطلب مراقبة المجلس؛ لأنه أعطى الفلاحين آمالًا في أن يصلوا بالطفرة إلى حريتهم المزعومة، وشكا من أن المدير لا يحبس في الحال من يطلب منه حبسهم لتوقفهم عن العمل، ومن أن كل شخص يحبس بغير أمر قضائي، يشكو بالتلغراف إلى نائبه في المجلس فيسأل المدير عن السبب في الحبس، وهذا اجتراء من الأهالي على التظاهر بحقوقهم في ظل النظام الجديد الذي يبنون عليه حريتهم وخلاصهم.

ويظهر أن الأمور في مصر كانت سائرة سيرًا حسنًا؛ فقد كتب غوردون باشا إلى التيمس يقول: إن مصر تسرع في الغنى والسعادة وإنها فرحة مسرورة، ولا أظن أن شيئًا قد تغير عما كان إلا ما كان من ضمان الدين، فإن الوفاء به اليوم أوثق، أما السجون فغاصة بأولئك المساكين من الفلاحين.

والواقع أن حقوق الأجانب وديونهم كانت مكفولة في ظل هذه الحكومة، فقد كانت لا تفتأ تعلن احترامها لالتزامات مصر ورغبتها في التعاون مع الدول، ولكن التعاون لم يكن مراد إنجلترا وفرنسا، وإنما كان مرادهما المناوأة. وقد احتجا بلسان المراقبين على الدستور الجديد، وقالا إنه غير ملائم لحالة البلاد، وبشَّرا مصر بارتباك الأحوال، ودسا بين الخديوي ووزرائه والمجلس؛ لأن المجلس اغتصب سلطته وجار على حقوقه، فردت الوزارة بأن حقوق الدائنين مكفولة والمراقبة مرعية، غير أن الدس لم ينقطع والسعاية لم تقف عند حد، فمال الخديوي إلى الدولتين وجعل يصغي إليهما، وراحت مسافة الخلف بين الخديوي ووزارته تتسع وتطول، وظهر ذلك كأجلى ما يكون في حادثة مؤامرة الشراكسة. وحكايتها بإيجاز أن بعض الضباط الشراكسة تآمروا على قتل عرابي وزملائه لقلب النظام الجديد، واتصل الخبر بالوزارة فقبضت عليهم وحاكمتهم عسكريًّا، فحكم عليهم بالنفي إلى السودان، وقدم عرابي الحكم إلى الخديوي، ويقال إنه — أي عرابي — طلب العفو بتخفيف العقوبة، ولكن القنصلين — الإنجليزي والفرنسي — أشارا على الخديوي بمراجعة السلطان في الأمر، ففعل وأرسل الحكم إلى الأستانة، فطلب السلطان الأوراق، فساء الوزارة ذلك، واشتد الخلاف، ودعي المجلس، وكانت دورته قد انقضت، فجاء النواب وسعوا للتوفيق بين الخديوي والوزارة، غير أن القنصلين أشارا على الخديوي بالإصرار وطلب استعفاء الوزارة، وتحرَّج الموقف، واتصلت القنصلية الفرنسية بعرابي وكان من قول عرابي: إن المجلس الآن هو الحاكم وهو أول خاضع له، فتحولت القنصلية إلى المجلس أو على الأصح رئيسه سلطان باشا.

وفي ٢٥ مايو أرسلت إنجلترا وفرنسا مذكرة جديدة طلبتا فيها استقالة الوزارة ونفي عرابي من القطر المصري، وإبعاد زميليه عبد العال وفهمي إلى الأرياف؛ فقبل الخديوي المذكرة فاستعفت الوزارة بعد أن أقامت الحجة على كل ما جاء فيها، ولم يقبل أحد أن يتولى رياسة الوزارة؛ فبقي عرابي ناظرًا للجهادية؛ لأن واجبه البقاء للدفاع عن بلاده، وأحيلت أعمال بقية النظارات على وكلائها.

وكان بقاء عرابي في وزارة الحربية بعد استعفاء الوزارة بناءً على رغبة الأمة، فقد أرسلت الدولتان أسطولين فهاج الرأي العام واضطرب، وقامت مظاهرات الاحتجاج، وشرع كثير من الأجانب يهاجرون، وكانت إنجلترا تتعمد إحداث أزمة، فقد كتب مالت قبل وصول السفن الحربية يقول لحكومته: «ليس من الممكن الوصول إلى أي حل للمسألة المصرية قبل أن تحصل أزمة شديدة في البلاد.»

وكانت تركيا قد أرسلت المشير درويش باشا مندوبًا عن السلطان، وكان غرضها في ذلك أن تطيل زمن المخابرات، وأن تطمئن المراقبة الأجنبية وتوفيق باشا على سلطة الخديوي، وأن تستميل عرابي وإخوانه إلى زيارة الأستانة، وتقرر سلطة الباب العالي بمصر، ومن رأي الأستاذ الإمام أنه كان من السهل إدراك ذلك كله لو أرسلت تركيا من هو أحصف وأقوى من درويش باشا الذي كان في أحاديثه يذكر سلطة السلطان ويثني على الخديوي وينصح بالخضوع للنظام؛ فإذا جاء الكلام في النهضة المصرية اقتصد في القول، واقتصر على أن السلطان مولانا وأبونا، وهو الذي سينظر في ذلك، وقد أوفد الخديوي لاستقباله ذا الفقار باشا، وأرسل عرابي من قبله يعقوب سامي، فاختلف الرسولان على الباخرة، واستاء ذو الفقار باشا، غير أن درويش باشا استقبل كليهما بالبشاشة، وكان وصوله إلى الإسكندرية في ٦ يونية، وبعد يومين كان في القاهرة، واتصل بالعلماء فصارحوا برأيهم ونصحوا له بما ينبغي له أن يفعل فأغضبه ذلك. ويقول الأستاذ الإمام إن درويش باشا في ذلك الوقت مال إلى الخديوي، فلما عرف الخديوي ذلك أرسل إليه ما يزيده ميلًا، ويروي السيد محمد رشيد في هامش بكتابه أن الخديوي أرسل إليه خمسين ألف جنيه وحُلِيًّا تقدر بخمسة وعشرين ألف جنيه.

وفي ١٠ يونية قابل درويش باشا محمود سامي باشا وعرابي باشا لأول مرة، فجرى الحديث بينهما على نحو ما يأتي:

درويش: «نحن جميعًا رجال جند يحترم بعضنا بعضًا، وأنتم أولادي لمكاني من السن، وقد أرسلني مولانا السلطان لتقرير الاتفاق بين عائلته المصرية العزيزة، وستسهلون عليَّ هذا العمل. أنا أعلم شكواكم، ستشكون (أي ستقبل شكواكم) صبرًا قليلًا. سيكون هذا العمل بعد رحيل هاتين الدونانمتين (الإنجليزية والفرنسية) اللتين تضايقاننا جدًّا؛ فقبل كل شيء يلزمنا إبعادهما، هذا ما أتكفل به لو عضدتموني فيه، وأنا أرى جيدًا أن الخطأ ليس من قبلكم، ولكن يجب التوسل إلى المطلوب بالحزم والبصيرة.»

ثم التفت إلى عرابي باشا وقال له: «أنت. أنت وحدك الآمر الناهي في مصر. أنت مع كونك لست إلا ناظرًا للجهادية بيدك السلطة العليا بأسرها، هذا ما أغضب الدول المتحدة، يلزم أن يرين المساهلة معهن، وما بقي بعد ذلك عملنا فيه بيننا وحدنا، استعفِ من وظيفتك العسكرية بحجة حضوري، حيث إني مشير مرسل من قبل السلطان، وكن نائبًا عني مأمورًا تحت قيادتي، لكي تسهل عليَّ المخابرة مع الأجانب. وعليك أن تذهب مع الضباط الكبار من إخوانك إلى الأستانة، حيث إن مولانا الخليفة العادل يرى الخير في مفاوضته معكم.»

فترجم محمود سامي باشا هذا الكلام إلى عرابي فقال عرابي: «مشروعكم هذا في غاية الحسن وإنا نختاره مع الشكر. لست حريصًا على السلطة التي تريد أن تنسبها إليَّ. هي سلطة غير مغتصبة، الأمة هي التي أفضت إليَّ بها، فالواجب أن ينظر إلى الأمة ويفكر في شكواها. وأعترف أن يديك أبرع من يدي في العمل لتذليل المصاعب التي أمامنا الآن. سيفي ووظيفتي تحت تصرفك، أنا مستعد للانسحاب واتباع نصيحتك، إنما أشترط شرطًا واحدًا: أعطني باسم السلطان واسم الخديوي واسمك كتابًا تصرح فيه ببراءة ذمتنا من التبعات جميعًا في كل ما جرى إلى الآن كائنًا ما كان، وسواءٌ أكان ذلك مني أم من إخواني، وحيث إني تعهدت للقناصل بحفظ الأمن في الديار المصرية وتحملت ثقل ذلك على كاهلي، فأرجو أن تعفيني من ذلك بطريقة رسمية معروفة. أطلب ذلك لأن الأحوال إن جرت على وجه حسن لم يعرف لنا فيها صنيع، وإن جرت على العكس من ذلك كنا الجانين. مالت وكولفني وسندويش عاملونا معاملة الخارجين على النظام، وذلك في بلادنا وهم الأجانب الذين لا يحترمون لنا شيئًا ونحن نحترم لهم كل شيء.»

فوعده درويش باشا بإنالة مطالبه يوم ١٢ يولية، وهو اليوم المحدد لجلسة يحضرها درويش باشا تحت رياسة الخديوي، وطلب درويش باشا أن يعلن هذا الحديث الذي جرى بينهما من قبلهما جميعًا، وطلب من عرابي أن يكتب إلى الإسكندرية بالتلغراف؛ فأبى عرابي أن يعلن شيئًا إلا بعد أن ينال هذا الأمر الذي يخلِّصه من كل تبعة.

ولكن مذبحة الإسكندرية حدثت قبل ذلك، وكانت فرنسا قد نفضت يدها من الأمر، ولم تر أن تمضي في التهديد، وآثرت أن تقبل الواقع من الأمر، فأعلن المسيو فريسنيه في مجلس نوابها أن حكومة فرنسا لن تتدخل في مصر تدخلًا حربيًّا في أي حال، وبذلك خلا الجو لإنجلترا، وأصبحت لا ينقصها إلا حجة تتذرع بها للتدخل، وكان الجو حافلًا بالإشاعات وبواعث القلق، فالصحف في مصر تنشر ما يفزع الأوروبيين ويخيفهم من المصريين ويدعوهم أن يطلبوا من مديريهم ورؤسائهم في أعمالهم أن يأذنوا لهم في التسلح، فمنهم من أبى ومنهم أذن، فمن هؤلاء موظفو شركة تلغراف الإيسترن، طلبوا التسلح فأبى رئيسهم فكتبوا بذلك إليه فرفع ما كتبوا إلى مدير الشركة في لندن؛ فأذن بذلك وسمح بثمانية وثلاثين مسدسًا، أما عائلاتهم فأرسلت إلى قبرص على نفقة الشركة، ويمكن أن يقال على وجه الإجمال إن الأوروبيين تحققوا من عداوة الشعب وسخطه عليهم؛ لإحساسهم في أنفسهم وفي أعماق ضمائرهم بإساءتهم إليه، وكانت أشد الجرائد المصرية تهيجًا جريدة «الطائف» التي كان يصدرها السيد عبد الله نديم المهيج الشهير، وكانت قد اكتسبت صبغة رسمية جعلت لكلامها من القيمة فوق ما هي جديرة به؛ وذلك أن سلطان باشا كان قد كتب قبل ذلك رسميًّا إلى إدارة المطبوعات يطلب منها أن تعترف بأن جريدة الطائف هي لسان النواب المعبر عن أفكارهم، فاعترفت الإدارة بذلك إجابة لطلبه، ونشر هذا رسميًّا بأمر وزير الداخلية، وذلك قبل استقالة وزارة سامي باشا، ومما هو خليق أن يعطي القارئ فكرة عن هذه الجريدة وأسلوب صاحبها في الكتابة ما رواه المرحوم فتحي باشا زغلول قال: «كنت في عهد الثورة تلميذًا في مدرسة رأس التين في الإسكندرية، فبلغنا أن السيد عبد الله نديم سيخطب الجمهور؛ فحضرت خطبته مع كثيرين من الطلبة وغيرهم؛ فكان مما قاله ما خلاصته أن طوابي الإسكندرية إذا أطلقت مدافعها على البحر يبلغ مرماها جزيرة قبرص من هذا الجانب، وطوابي الأستانة إذا أطلقت تبلغ هذه الجزيرة من الجانب الآخر؛ فكيفما جالت الأساطيل الإنجليزية فهي تحت رحمة مدافعنا؛ فعلا هتاف الناس وتصفيقهم له.

وعلى الرغم من اعتراف إدارة المطبوعات بالطائف، وأنها لسان النواب؛ فقد عطلها الأستاذ الإمام شهرًا لتهييجها؛ وأخطأ سلطان باشا فلم يكتب ما ينقض ما كتبه أولًا.

ولكن الصحف الإنجليزية كانت شرًّا ألف مرة من الصحف المصرية، فقد لجَّت في الإرجاف والتهويل والكذب على عرابي وزملائه، ولفقت ما شاء لها الخيال حالة البلاد، وصوَّرتها في صورة الفتنة العمياء؛ فمن مذابح موهومة يقوم بها البدو وعصابات الأشقياء في الأقاليم، إلى الزعم بأن المصريين امتنعوا عن دفع الضرائب، إلى الادعاء بأن نية العرابيين مبيتة على خلع الخديوي توفيق وتولية الأمير حليم مكانه، وكان للمستر كوكسن — قنصل إنجلترا في الإسكندرية — فضل كبير في إذاعة هذه الأوهام؛ مما جعل حدوث الحوادث متوقَّعًا من ساعة لساعة، ومن أمثلة التهويل العجيب أن «مالت» أخبر حكومته نقلًا عن السكرتير الأوروبي للخديوي (كوادر بك) أن محمود سامي وعرابي دخلا في اليوم الثاني لاستعفاء وزارة سامي والسيف في يد كل منهما وهددا الخديوي بالقتل.

وقد دبرت فتنة في القاهرة وبذل المال للأعراب ليدخلوا المدينة في يوم معين ويحدثوا فيها الشغب وينهبوا ويسلبوا ويقتلوا، ولكن الأعراب أخذوا المال وخافوا فأحجموا.

ولكن التدبير في الإسكندرية كان موفقًا، ففي ١١ يونية سنة ١٨٨٢ — وكان يوم أحد والقهاوي غاصة بطالبي الراحة من الأعمال وبغاة التسلية واللهو، حدثت مشاجرة على مقربة من قهوة القزاز في آخر شارع البنات حوالي الساعة الأولى بعد الظهر، وكان الزحام شديدًا. وشرح ذلك أن مالطيًّا يقال إنه خادم المستر كوكسن — قنصل إنجلترا في الإسكندرية — ركب عربة وطاف بها من محل إلى محل يشرب ويتنزه إلى أن وصل إلى خمارة لأحد مواطنيه وهو سكران، فطلب السائق الوطني أجرته فأعطاه قرشًا واحدًا ودخل الخمارة، فتبعه السائق معترضًا على ضآلة الأجر، فتناول المالطي سكينًا معدة لقطع الجبن الرومي وطعن بها السائق فسقط قتيلًا على المكان، فاجتمع بعض الوطنيين وواحد من أقارب السائق وأرادوا القبض على القاتل، فجاء يوناني خباز مجاور للخمارة ومعه بعض مواطنيه يحملون السكاكين والطبنجات وأخذوا يضربون يمينًا وشمالًا، ومضى نصف ساعة قبل أن تصل الشرطة من مركز اللبان. فقتل أول من جاء منهم مع المعاون، وحضر آخرون، وكانت المعركة قد صارت عامة، غير أن العسكر لم يتدخلوا للقبض على الجناة، فتمكن هؤلاء الأروام والمالطية من الفرار، وكان يكفي لحسم المعركة ورد النظام ومنع الشر من الاستفحال أن يتدخل المحافظ.

وبعد نصف ساعة أو نحو ذلك، قام نزاع بين العامة وعساكر المستحفظين؛ وذلك لأن هؤلاء العساكر لم يقبضوا على الجناة ولم يتدخلوا لحفظ النظام، وقد اشتد سخط العامة على العساكر حتى لقد نسوا مسألة الجناة من الأروام والمالطية ولم يبق لها ذكر عندهم، وإنما بقي السخط على العساكر والمنازعة معهم، ويقال إن العساكر بدا منهم ما يدل على التواطؤ مع المعتدين على المصريين و(المتآمرين) عليهم، وأخذ الأروام والمالطيون يطلقون الرصاص من أعلى البيوت ومن النوافذ وإن كانوا في مأمن من وصول الشر إليهم، وعلى إثر ذلك أقبل المسلمون ووفدوا من كل جانب مسلحين بعضهم بالعصي، والبعض بأرجل الموائد أو قطع الكراسي، والبعض بالنبابيت اشتروها من المخازن القريبة، خصوصًا من السوق الجديدة.

ورُئِي المستر كوكسن نازلًا من بيت أحد المالطيين بلباس مدني ومعه قواصه فتبعه المتشاجرون وضربوه ضربًا خفيفًا وهو يهم بأن يركب عربته، ففرَّ ونجا منهم، وصحبه عمر لطفي المحافظ في أثناء الطريق، وقتل عدد ليس بالكبير من العساكر المستحفظين، وعلى القرب من شارع الميدان جاء جماعة من الأروام المسلَّحين طبقًا للأوامر الصادرة إليهم، وأخذوا يطلقون الرصاص على الجموع بلا تمييز، ولم يأت أحد من الجند ولا من الشرطة ولا المحافظ لإطفاء هذه الفتنة، وقد وجد بالقرب من تمثال محمد علي — حيث لم تدر معركة ما — اثنا عشر قتيلًا ليس فيهم سوى أوروبي واحد.

ورأى أحدهم عمر لطفي المحافظ قرب زيزينيا فسأله كيف تكون هنا والمذابح على خطوات منك؟ فقال: لست بقائد، وهذا لا يعنيني.

فسأله السائل: لِمَ لم تحضر بلباسك الرسمي على جوادك شاهرًا سيفك في خمسين من الجنود، وبذلك كان ينتهي الأمر؟

فأجابه: انصرف ليس هذا من شأنك، وهل أنت محافظ البلد؟

وبعد ذلك مر أحد موظفي المحافظة فسئل: ماذا يفعل الضابط؟ فقال: إنه مريض، وقد طلب من المحافظ مرارًا أن يرسل العساكر فلم يفعل.

وكان سليمان سامي مستعدًّا لإرسال العساكر إذا ورد له الأمر من نظارة الجهادية، ولكن لم يكتب بذلك أحد إلى النظارة؛ لأن الأمر بيد المحافظ، وقد بدأ في المخابرة التلغرافية مع القاهرة منذ بدء الحركة، ولكنه لم يتلقَّ جوابًا على أن هذا لا يخليه من تبعة التقصير، فما كان ينبغي له في إبان فتنة وبيلة كهذه أن يقيد نفسه بنية المحافظ أو حقوقه، ولا سيما بعد أن بدا له منه ما يدل على تعمد الإهمال.

وقد سمع قنصل روسيا من «نينه» ما رآه من المحافظ مما سردناه لك، فعجب واتصل بزملائه القناصل، وبعد ذلك كتب إلى الخديوي ودرويش باشا وعرابي باشا، وكانت الساعة قد بلغت الرابعة بعد الظهر، وفي نحو الساعة الخامسة قابل من أخبره أن عرابي أرسل الأوامر مشددة لإعادة النظام، وكانت الشوارع غاصة بالرعاع والأوباش يحملون الأسلاب ويصيحون ويشتمون، وبعد نصف ساعة عاد النظام، وكانت الفتنة غير مقصورة على شارع البنات، بل امتدت إلى جهة الجمرك وشارع رأس التين وأبي العباس، واتفق مع ذلك أن بعض المسلمين على الرغم من فورة عواطفهم خلصوا نساء أوروبيات وأوصلوهن إلى بيوتهن، وظهر في اليوم التالي أن عدد القتلى الوطنيين كان مائة وثلاثة وستين غير من أخفاهم المتشاجرون وحملوهم سرًّا من وسط المعركة. أما جملة من وجد قتيلًا من المسيحيين أوروبيين وغيرهم فكانت خمسة وسبعين، كثيرون منهم مصابون برصاص في قمم رءوسهم؛ مما يدل على أنهم قتلوا بالرصاص الذي كان يطلقه الأروام والمالطية من أعلى البيوت بلا حساب.

والمحقق أن خبر هذه الفتنة لم يبلغ عرابي إلا في الساعة الرابعة والربع بعد الظهر؛ لأن القليلين الذين يشتغلون من موظفي التلغراف بعد الظهر لم يكونوا يعملون إلا في تلغرافات المحافظ؛ حتى إن رسالتين مهمتين من أحد أمراء الآلايات في الإسكندرية لم تقبلا؛ لأن آلة التلغراف مشغولة بتلغرافات المحافظ!

وعلى رأس هذا كله يجب أن يروى أن عمر لطفي باشا هذا — محافظ الإسكندرية — طلب إنزال جنود إنجليزية لعجز عرابي عن حفظ الأمن!

ومما له دلالة خاصة ويستحق أن يروى من أجل ذلك ويسجل: أن المسيو كليكن كويسكي — القائم بأعمال القنصلية الفرنسية — رجع إليه عقله فألحَّ في طلب التحقيق والبحث عن أسباب الحادثة، فصدر الأمر بذلك في الحال، ولكن الأعضاء الأوروبيين امتنعوا عن العمل، وألحَّ الوطنيون في التحقيق مع حبس كل من تحوم عليه شبهة من الأوروبيين، فاعترض على ذلك مندوبا اليونان وإنجلترا، وأبى مندوب فرنسا الحضور. وطلب بعض وكلاء الدول شنق عشرين شخصًا من المدنيين، وبهذا تنتهي المسألة في رأيه.

وحادثة أخرى تستحق التسجيل، تلك أن القناصل — بعد الحادثة — نبهوا على رعاياهم بأن يهاجروا، وطلبوا من كل منهم أن يكتب ما عنده؛ فكتبوا ما شاءوا وزادوا من عندهم ما أرادوا، وإنما فعل القناصل ذلك لأنهم كانوا يعتقدون أن المدينة ستُضرب، فأرادوا أن يربح رعاياهم كل ما يستطاع ربحه على سبيل التعويض.

ورواية أخرى تستحق أن نثبتها هنا، وتلك أنه في الأسبوع التالي للفتنة أشيع أن الأميرال سيمور — قائد الأسطول الإنجليزي — لا يعتقد أن للحزب الوطني دخلًا في إثارة الاضطراب، ويقول الأستاذ الإمام إن الخديوي اهتم للأمر، وأمر عمر لطفي باشا أن يخبر الأميرال سيمور أن تعهُّد عرابي باشا بالمحافظة على الأمن أصبح لا يعتدُّ به، وأنه يخشى من مذبحة أخرى، ففعل عمر لطفي باشا ما أمر به، ولكنه لم ينل جوابًا شافيًا؛ فما هو يا تُرَى الجواب الشافي الذي كان منتظرًا؟ إنزال الجنود الإنجليزية؟ وقد خبَّر «نينه» عرابي بذلك، وطلب منه عزل عمر لطفي، ولكن عزله لم يتيسر.

وفي ١٩ يونية طلب قنصلا ألمانيا والنمسا من الخديوي إقامة وزارة من الوطنيين المعتدلين اتِّقاءً لتدخل إنجلترا، فعينت وزارة راغب باشا، وظل فيها عرابي وزيرًا للحربية؛ وأصدرت عفوًا عن الجرائم السياسية، غير أن العجيب أن القناصل لم يعترفوا بها متابعة منهم لقنصلي إنجلترا وفرنسا.

وفي هذه الأثناء عرف قائد الأسطول الإنجليزي حقيقة حال الطوابي في الإسكندرية بالاختبار، وتحقَّق من عجزها عن ضرب بوارج الأسطول؛ وكان جنود المدفعية في بلادهم إيثارًا للاقتصاد، وكان في الطوابي مائة مدفع ومدفع منها تسعة وستون في مواضعها الحربية والباقي كان ملقى بعضه بجانب بعض؛ وكانت تلك حالها منذ اثنتين وثلاثين سنة قبل الواقعة. أما القذائف والقنابل فلم تفارق مخازن الترسانة، وقبل ضرب الإسكندرية بيوم واحد لم يكن مدفع واحد قد نُظِّفَ وأُعِدَّ وجُهِّز بما يلزمه للاستعمال.

وفي أثناء ذلك عقد مؤتمر الأستانة في ٢٣ يونية بدعوة فرنسا التي أرادت أن تمنع إنجلترا بهذه الوسيلة من الانفراد بالعمل، وقد أبت تركيا أن تشارك في المؤتمر؛ لأنها صاحبة الحق وحدها في شئون مصر، وقد قرَّر المؤتمر ألا تنفرد دولة بعمل أو امتياز دون سائر الدول، وأن ليس لدولة ما أن تقوم بعمل ما دام المؤتمر منعقدًا، والغرض من هذين القرارين واضح، وفي ٦ يولية قرر المؤتمر دعوة تركيا إلى إرسال جيش إلى مصر، فبادرت إنجلترا إلى العمل.

ومن المحقق أن إنجلترا كانت معتزمة أن تغتنم أية فرصة للتدخل الحربي، فإن من الثابت أن اللورد نورثبروك أرسل الأستاذ بالمر ليُغْوِيَ قبائل العربان في غزة، وكان إرساله له في شهر يونية، وقد قابله «نينه» متنكرًا، وقال له يومًا قبل ضرب الإسكندرية بمدة طويلة: هاجر فإن المدينة ستُضرب.

وقبل أن تُضرب الإسكندرية بمدة طويلة كذلك صدر أمر من مدير شركة التلغرافات الإنجليزية بإجراء تعديل في بعض خطوطها، فطلب وكيلها في مصر أن يرخص للشركة في مد خطوط إلى بورسعيد والسويس تحت الماء فأذن له عرابي، ولكن العمل لم يتم في ذلك الوقت.

بل في شهر مايو — أي قبل ضرب الإسكندرية بأكثر من شهرين — طلب مدير هذه الشركة في لندن، من وكيلها في مصر أن يرحل في إجازة إلى أن تنتهي الحوادث؛ لأن ميل الوكيل إلى الوطنيين قد يضُرُّ به عند الغالبين إذا أرادت الحرب.

وقد أكد قنصل الروسية «لنينه» أن الإسكندرية ستضرب، ورجا منه أن يسعى على الأقل لعزل عمر لطفي باشا المحافظ.

ومن هذا يتبين أن النية كانت معقودة على التحرش والحرب، فلا عجب إذا رأينا الأميرال سيمور — قائد الأسطول الإنجليزي — يكتب إلى طُلبة باشا في ٩ يولية محتجًّا على إقامة المدافع وتجهيز الطوابي وإعدادها للعمل، ومهددًا بأن يضربها بمدافع أسطوله، ولم يكن تم شيء من ذلك، فقد أسلفنا وصف هذه الطوابي وسوء استعدادها للدفاع.

وفي اليوم التالي (١٠ يولية) كرر سيمور شكواه واحتجاجه وتحرشه، وقال إنه سينفذ ما هدد به إذا لم يسلمه طلبة باشا طابية رأس التين لتجريدها من السلاح، ولم يكن هناك طابية مجهزة بأدوات الدفاع في ذلك اليوم، فأرسل إليه قرارًا من مجلس النظار الذي عقد تحت رياسة الخديوي وحضره كثير من الأعيان خلاصته أن مصر لا تستطيع أن تسلم موقعًا من مواقعها إلا قهرًا، وأن شيئًا مما يدَّعيه الأميرال لم يحصل من اليوم الذي صدر فيه أمر السلطان بمنع ذلك، وكل ما حصل هو ما يجري عادةً كل سنة من الترميمات، وأن مدافع القلاع لم تزل على حالها منذ سنين عديدة.

وحمل أحد الضباط هذا الجواب إلى الأميرال، وطلب منه إذا شاء أن يزور الطوابي بنفسه ليتحقق أن الأمر على ما يصف الرد، ولكن الحقيقة لم تكن بغية الأميرال، فأجاب بأنه مُصِرٌّ على وعيده. ويروي الأستاذ الإمام أن أمير آلاي في معية الخديوي سأل جنابه: «ما مصير الإسكندرية إذا ضربها الإنجليز؟»

فأجاب الخديوي: «ستين سنة.» وهز كتفه.

فألح الضابط على سموه قائلًا: «ولكن السكان سيحرقونها، فأرجو أن تتوسطوا لدى الأميرال والوقت لم يزل يسمح بذلك، واستدعِ ذا الفقار (وكان قد عُين)، ومره أن يحافظ على المدينة؛ فإن عنده من الرجال الكفاية.»

فأجاب الخديوي: «فلتحرق المدينة جميعها ولا يبقى فيها طوبة على طوبة. حرب بحرب. كل ذلك يقع على رأس عرابي وعلى رءوس أولاد الكلب الفلاحين، وسيذوق الأوروبيون الملاعين عاقبة هروبهم مثل الأرانب.»

وقد انتقل الخديوي من سراي رأس التين إلى الرمل، أما المحافظ وموظفو المحافظة فانسحبوا واختفوا.

وهذه الرواية التي يوردها الأستاذ الإمام تاريخها في مذكراته ١١ يولية، والمحقَّق أن ضرب الأسطول للإسكندرية بدأ في الساعة السابعة صباحًا من هذا اليوم نفسه، والحديث المروي عن الضابط والخديوي يفهم من فاتحته أن الإسكندرية لم تكن قد ضربت بعد؛ فلا ندري هل جاء التاريخ خطأً، أو الرواية نفسها هي التي يعتورها الخطأ.

وكان عرابي قد أوصى ضباطه ألا يجيبوا الأسطول إلا بعد خامس طلقة يصبُّها عليهم، إيثارًا منه لاتخاذ موقف الدفاع، واتقاءً لتهمة العدوان، ولسنا نحمد لعرابي هذه الخطة؛ فقد كانت نية العدوان من جانب الأسطول واضحة لا شك فيها، وليس بعد أن يدعو الضابط أميرال الأسطول لزيارة الطوابي بنفسه فيرفض، محلٌّ للتردد أو إحسان الظن، وعلى أنه لم يكن للأسطول حق في الاعتراض على تسليح الطوابي وإعدادها لو أن شيئًا من هذا حدث، وما دام من المحقَّق أن إنجلترا مصممة على العدوان، فقد كان من الخطأ أن يدع عرابي الأسطول يخرج من الميناء ويصطفُّ في عرض البحر استعدادًا للحرب. وكان ينبغي — على الأقل — أن يقابل الوعيد بمثله، وأن ينذر الأسطول بالضرب وهو داخل الميناء إذا أصرَّ على موقفه، وأن لا يدعه يفلت من الجحر الذي كان فيه إلا باتفاق يكفل لمصر السلامة، وإذا كان لا بد من الحرب فليضربه وهو محصور داخل الميناء وتحت أفواه المدافع مباشرة، لا يتيسر له من الحركة والقدرة على التسديد وعلى اتِّقاء الخطر ما يتيسر له في عرض البحر، ولو فعل لكلف إنجلترا خسارة ما كانت لتعوضها بسهولة أو تقدر بعدها على ما قدرت عليه بالسرعة التي حدثت.

وفي الساعة السابعة صباحًا ضرب الأسطول المدينة بعد أن خرج من الميناء ووقف بعيدًا عن مرمى الطوابي، فقتل كثير من النساء وهن حاملات أطفالهن على أيديهن، ومات الأطفال أيضًا، وحمل الأطفال والنساء وهن على هذه الحالة، وهدم المسجد الذي في طابية قائد بك عمدًا وصبت عليه النار قصدًا، وكان في المدينة أروام لبسوا لباس الأعراب وأشعلوا النار في المدينة، وقد رُئِيَت جثثهم وهم في تلك الثياب أثناء الحريق، ومن الذين حرقوها أيضًا عربان من أولاد علي ولفيف من أهالي الإسكندرية وأوروبيون رغبة منهم في المبالغة في التعويضات التي سيطلبونها، وذلك بعد أن أخليت الإسكندرية ممن يخشون عليهم.

وشرع الناس يهاجرون فخرج نحو مائة وخمسين ألفًا من السكان مجرَّدين من كل شيء، وراحوا يسيرون على غير هدى لا يعرفون لأنفسهم مأوى، وقد شاع في نفوسهم الفزع، وأخذوا شاطئ المحمودية إلى دمنهور وجسر السكك الحديدية من دمنهور إلى مصر، وكان المهاجرون يبدون خطوطًا سوداء كثيفة عريضة في مواضع، رقيقة نحيلة في مواضع أخرى، متحركة في كل جهة كأنها سلسلة إنسانية طويلة، يمشون ببطء هنا، وينزلون هناك ولا وقاية لهم ولا طعام معهم، والسماء من فوقهم صافية والأرض حولهم خضراء نضيرة.

وفي اليوم الثاني (الثاني عشر من يولية) عادت سفن الأسطول إلى إطلاق مدافعها على المدينة، وظلت تضربها إلى الساعة الحادية عشرة، وأصابت المستشفى؛ فهجره المرضى والجرحى وفروا منه — فتصور هذه المدنية! — وكان العَلَم الأبيض بالهلال الأحمر مرفوعًا عليه، فليس لضاربيه عذر.

ورفع طلبة باشا العلم الأبيض على وزارة البحرية، ثم ذهب إلى الأميرال ليسأله عن السبب في ضرب المدينة بالمدافع في اليوم الثاني، فأجابه أحد ضباط الأسطول بالنيابة عن الأميرال أنه يطلب تسليم الطوابي، فلم يسع طلبة باشا إلا أن يرجع ليبلغ مجلس النظار، وذاع الخبر في المدينة، وشرع الجنود في إخلائها، وفزع الناس وعادوا إلى الهرب، ودخل العربان من أولاد علي، وكانوا في اليوم السابق قد اشتركوا في إحراق المدينة، أما اليوم فكانت غايتهم النهب، وسلم سليمان سامي ضابط المحافظة محلة الأوروبيين لعساكر الرديف، ولكن هؤلاء لم يكونوا خيرًا من العربان؛ فانضموا إليهم، واشتغلوا في آخر النهار بالنهب والسلب، وشبَّت النار في المدينة قبل الظهر فتضاعف البلاء.

ويجب أن يذكر مع الإعجاب لأهالي الإسكندرية — رجالًا ونساءً — أنهم كانوا تحت وابل القنابل ونيران المدافع، وعلى الرغم من الفزع والنيران والنهب هم الذين ينقلون الذخائر ويقدمونها إلى البقية من رجال المدفعية الذين كانوا يردون على الأسطول، وكانت سلوتهم — وهم يقومون بهذه المهمة الخطيرة — أن يتغنوا بلعن الأميرال ومن أرسله.

أما المهاجرة فكانت مناظرها بشعة، وكان هناك ماء محبوس تقوض سده فاندفع يتدفق، وكان الناس يصطدم بعضهم ببعض وهم يتسابقون من كل ناحية إلى الطرق، ويتدافعون ويتزاحمون ويتراكمون، وليس منهم من يملك عقله، وأمامهم أشياؤهم على الدوابِّ، وعلى أكتافهم أو ظهورهم ما خف حمله من أمتعتهم، فهناك الرجال والنساء والأطفال محمولين، والدواب وصنوف شتى من ضئيل الأثاث ومن الثياب الرثة، ولم يكن يخلو هذا المنظر من غرابة؛ فقد كان البعض يأبى إلا أن يحمل معه في فراره ما لا خير فيه ولا قيمة من المفروشات، على حين ترك في بيته ما لعله أنفس وأثمن.

وكان جمهور الفارين كأنه شعب طرد من بيته، بل هذا هو الواقع، وكان الحر شديدًا، والغبار يسد الأفق ويزهق الأنفاس، وأظلم الجو، وعلا الصخب، وراح النساء يبحثن عن أولادهن، ويتشاجرن ويتلاعن بعضهن مع بعض، ويتضاربن أيضًا، وصار الاختلاط شنيعًا لا سبيل إلى وصفه وتصويره، واستعملت العربات التي انكسرت أو خلعت عجلاتها مساكنَ، وسقطت في المحمودية عجلات من كل نوع، بعضها مقلوبًا، والبعض لا تزال خيلها مشدودة إليه، والبعض بلا خيل، والتجارة تكون في حيثما يكون الناس، فمضى بعض الملهمين وذوي الاستعداد يشوون اللحم على العربات، ويبيعونه والبعض الآخر يتخلل الصفوف ويصيح في المهاجرين: «الخبز الخبز.»

وفي ١٣ يولية انتقل الخديوي من الرمل إلى رأس التين أو عاد إليها على الأصح بعد يومين من مغادرتها صبيحة يوم الضرب، أما عرابي فانسحب إلى كفر الدوار فوصل إليها في الرابع عشر، ولم يكد يبلغها حتى اجتمع عليه الرجال والنساء، وأخذوا يلعنون العالم ويلحون في طلب الخبز، فوعدهم بالقوت وبأن يحملهم إلى الأقاليم، ولم يكذب، وما كان يسعه أن يخلفهم ما وعد، فأرسلهم إلى المديرين، وأوصاهم أن يطعموهم، وأن يكلوا إليهم الأعمال التي تناسبهم على قدر الطاقة.

وفي مساء ذلك اليوم (١٤ يولية)، وبينما كان عرابي يواصل استعداده للمقاومة، ورده خطاب من الخديوي نثبته هنا لغرابته:

سعادة عرابي باشا ناظر الحربية في معسكر كفر الدوار

إنك تعلم أن الأميرال الإنجليزي لم يُرِدْ حرب مصر، وإنما أطلق المدافع على الطوابي بسبب ما كان جاريًا من التجهيزات كما أنذر به (فتأمل!)، وقد أعلننا أنه يجب إعادة العلائق معنا، وأنه مستعد لتسليم الإسكندرية لجيش منظم مطيع، فإن لم يكن فإلى جيش عثماني، وقد قرر مؤتمر الأستانة أن للسلطان وحده حق المداخلة بقوة السلاح في المسألة المصرية، فعليك أن تحضر مع رفاقك إلى رأس التين، للمداولة في ذلك، وآمرك بالكف عن التجهيزات التي لا فائدة منها بعد الآن.»

وبديهي أن هذا الخطاب أُملِيَ على الخديوي، وأن الغرض منه تسويغ فعلة إنجلترا، وهي لا تقتصر على الاعتداء على بلاد مسالمة، بل تجاوزت ذلك إلى ضرب المساكن والمساجد والمستشفيات وإحراق المنازل، ومن غايات الخطاب كذلك إحراج عرابي، حتى إذا رفض عزل فسقطت الصفة الرسمية، فإذا استمر بعد ذلك على المقاومة كان عاصيًا متمردًا، وزعيم عصابة، وتسنَّى للإنجليز أن يزعموا أولًا أنهم كانوا معترفين بحق السلطان صاحب الحق الشرعي وزاهدين في تجاوز ما حدث؛ إذ كانت غايتهم مقصورة على منع المضي في تسليح الطوابي بلا ضرورة، وثانيًا أنهم ما حاربوا عرابيًّا إلا لأنه خارج على مولاه الشرعي، وأنهم في هذا إنما يمكنون للخديوي صاحب الإمارة على البلاد ويساعدونه على استرداد سلطته.

وقد أجاب عرابي باشا على هذا الخطاب بما يأتي — بعد الاستهلال:

إن الأميرال إنما أطلق المدافع بعد التأكيدات من الوزارة ومن سموكم بأنه لا تجهيز ولا تحضير، وقد عددنا جميعًا — وسموكم معنا — أن إنذاره بالضرب إهانة لمصر وإعلان بحربها بلا سبب، ومع ذلك لم يقتصر الضرب على الطوابي كما قال، بل قذف قنابل مفرقعة على الأملاك حتى قتلت ودمرت كثيرًا، وأن عسكركم المنظم مستعد لأن يأتي المدينة عند الاقتضاء، وأنا لا أرفض أية مخابرة في الصلح، لكن يلزم أن يتذكر أن التعدي وخرق سياج السلم وتدمير المدينة إنما جاء من المراكب الإنجليزية، وأن الطوابي لم تجاوب إلا بعد خامس ضربة من المراكب حسب القرار الصادر من المجلس المرءوس بسموكم وحضور درويش باشا.

ومن المعلوم أن إنجلترا أصبحت بذلك محاربة لمصر؛ إذ بعد إطلاق النيران اثنتي عشرة ساعة واضطرار العساكر المصرية لإخلاء المدينة وإشغالها بعساكر إنجليزية لا يمكن أن يقال إن البلد في غير حرب.

وسموكم يعلم أنه في هذه الحالة لا يمكن أن تكون مداولة حرة ما دامت المراكب الإنجليزية في مياه الإسكندرية، بل يجب أن تبعد عنها، فإذا حصل ذلك فإني مستعد لإجابة الدعوة حالًا. أما التجهيزات فيجب أن تستمر إلى أن تبعد المراكب عن الإسكندرية، تلك التجهيزات التي يشير إليها سموكم، وهي جمع خمسة وعشرين ألف مقاتل، وهي التي أمرتم بها، وما أنا إلا منفذ لأمركم.

وقد جاء رد عرابي كما كان متوقعًا، وما كان يسعه هو ولا أي إنسان يشعر بالمسئولية ويعرف الحقائق إلا أن يجيب بمثل هذا على الأقل، وقد تلا هذه الدعوة ورفضها ما كان متوقعًا أيضًا، فقد صدر الأمر بعزل عرابي من نظارة الجهادية، ووزعت بذلك منشورات قيل فيها إنه كان ناظرًا للحربية إلى تاريخ الدعوة إلى رأس التين؛ وتم للإنجليز ما أرادوه من وضع عرابي في مركز الثائر على الخديوي، العاصي لأوامره، المستحق للمطاردة والعقاب، وكانوا يرجون أن يحرموه بهذه الوسيلة أسبابَ القدرة على مواصلة الاستعداد للحرب، أو يضعفوا هذه القدرة على الأقل، ويحملوا الكثيرين من نصرائه على خذلانه والتخلي عنه، وقد طبعت آلاف النسخ من هذه المخاطبات وزعت في البلاد وأذيعت على القاصي والداني، ولكن وفود كبار المصريين جاءوا إلى عرابي طالبين بقاءه ملحِّين عليه أن يستمر في الاستعداد، راجين منه أن لا يتخلى عن بلادهم وقومه، وأخذت الهدايا ترد عليه من حيث يعلم ولا يعلم، ولم تكن هدايا شخصية، ولكنها كانت مئونة لجيشه وأدوية ومالًا يستعين به على التجهيز؛ فشرع في بناء الاستحكامات، ولم يجعل باله إلى قرار العزل، وأغرق الجانبين من جهة الملاحات، وانتهى بناء القلاع في أوجز زمن، فقد كان الناس من غير الجنود يتطوَّعون ويتبرَّعون بالمعونة، وساعد على إنجاز العمل أن العدو كان في الإسكندرية ولم يكن يعمل شيئًا بعد إنزال الجنود بها.

وكان الجيش المصري لذلك العهد مؤلَّفًا من ثمانية آلاف جندي نظامي وثمانين مدفعًا من مدافع كروب، وكان يوجد في أبي قير ثلاثة آلاف وخمسمائة جندي، وفي رشيد ألفان وخمسمائة، وفي دمياط خمسة آلاف، فمجموع الجند في الثغور أحد عشر ألفًا، إذا أضيفت إلى الثمانية الآلاف التي مع عرابي بلغت الجملة تسعة عشر ألفًا.

وكانت السفن الإنجليزية العارفة بالقوات التي في الثغور — ولا سيما بعد احتلال الإسكندرية والاتصال بالخديوي — لا تفتأ تهدد بحركاتها هذه الثغور؛ لتمنع أن يأخذ منها عرابي قليلًا أو كثيرًا، فأخطأ عرابي وأدخل العربان في الجيش وهو عالم بمضرة دخولهم مدرك لقلة صلاحهم، وشرع في جمع عساكر الرديف، وكانوا لا يكادون يصلحون لشيء، وكان رؤساء الجيش الوطنيون يعلمون ذلك، ولهذا طالبوا مرارًا بزيادة قوة الجيش وإعادة تنظيمه، ثم شرع في جمع غير هؤلاء وأولئك، فدخل كثير من المتطوعين؛ ولكن هؤلاء لم يكن يكفي لجعلهم جيشًا صالحًا للدفاع وراء الأسوار والجدران أقل من ثمانية أشهر مع الاجتهاد، أما في الفلا فلا أقل من عام أو عام ونصف.

يقابل هذا أن التيمس روت حينئذ أن الحكومة البريطانية أرسلت ٢٥ ألفًا وستبلغها ثلاثين ألفًا لمقاتلة الجيش المصري. فمن هذا ترى أن مهمة عرابي كانت فادحة.

ومما يستحق الإثبات هنا والتنويه به أن كثيرين من الضباط الإيطاليين والألمان والسويسريين عرضوا أنفسهم للتطوع في الجيش المصري ومعهم عدد غير قليل من أبناء جنسهم، وكان بعضهم يطلب وسيلة للنقل، والبعض (الألمان) لم يكن يطلب شيئًا إلا أن يعين الضابط الأكبر باسم رفيع في الجيش، أما الفرنسيون فجاء من بعض المفلسين منهم شيء لا يلتفت إليه، غير أن البحر كان تحت الرقابة البريطانية بفضل الأسطول الرابض في مياه الإسكندرية، فكانت المواصلات بين مصر وأوروبا مقطوعة، ولم يكن ثم سبيل إلى ورود مدد ما من أي نوع.

ولم يكن يخفى على عرابي حرج مركزه؛ نعم إن المعونة التي بذلها المصريون له أغنته عن الحكومة فلم يحتج إلى مليم واحد من خزانتها، ولم يكن يبالي أن الخديوي عزله؛ فإن كبار المصريين اجتمعوا في القاهرة وأبدوا رأيًا سيئًا فيما صنع الخديوي، وعهدوا إلى عرابي أن يبقى في مركزه، وأن يدافع عن البلاد، فهو يحمل وكالة من الأمة إذا كان لا يحمل مثلها من غيرها، ولم يكن يعبأ بما تصفه به الصحف الفرنسية والإنجليزية من التمرُّد والعصيان، وإنما كان يخاف أن يصدر السلطان أمرًا بذلك، وكانت له ثقة بالسلطان، وإن كان قد ظل يخشى أن تكرهه الدول أو إنجلترا على الأقل، وكان يذكر البارون درنج ويلومه على عدم مساعدته له عند حكومته، مع أنه كان موظفًا في خارجيتها، ثم اشتد سخطه على الفرنسيين فجعل يذكر مصائب احتلالهم لبلاده أيام نابليون، ويروي لجلسائه حيل نابليون والجنرال منو وأكاذيبهما التي خدعا بها المصريين؛ ويصف ما فعل — ويفعل — الفرنسيون في تونس، وكان آخر الأمر يقول إنه لا يمكن الاعتماد على فرنسي في شيء ما.

ومع ذلك انخدع لدلسبس!

ذلك أنه اعتمد عليه في حماية القناة على الرغم مما انتهى إليه من سوء الرأي في الفرنسيين وعدم جواز الاعتماد على أحد منهم في شيء، وكان عذره أنه يعتقد أن مس القناة يهيج على المعتدي على حرمتها وحيدتها الأمم قاطبة، ولهذا ترك تلك الناحية مكشوفة، ولما توالت هزائم الطلائع الإنجليزية التي كانت تناوش عرابي بين الإسكندرية وكفر الدوار، وتعجم عوده وتخبر ما عنده، تحول الإنجليز إلى الشرق، وأحس دلسبس بأن الجيش المصري يوشك أن يتحرك إلى هذه الناحية، فأبرق إلى عرابي يؤكد له أن من المستحيل أن تمر العساكر الإنجليزية من القناة.

ودارت واقعة مهمة جهة كفر الدوار انهزم فيها الإنجليز، وجاءت الأخبار عقب ذلك بأن اثنتين وثلاثين سفينة اتجهت إلى القناة، فورد تلغراف من دلسبس يقول: «لا تشرع في شيء يمس القناة. لا يمر عسكري إنجليزي إلا ومعه جندي فرنسي. أنا مسئول عن كل ما يحصل.» فأجيب بأن هذا غير كافٍ، والحق أنه لم يكن يكفي؛ إذ ما قيمة هذه التبعة التي يحملها دلسبس؟ وتقرر إرسال جيش إلى الشرق، وقبل أن يتحرك عسكري إلى ناحية القناة، كان الجيش الإنجليزي قد احتله، وذلك لتأخير الجيش خمس عشرة ساعة في مخابرة دلسبس، ويظهر أنه كان بين القائمين بالمخابرة خونة حملوا الأخبار وأبطئوا في إبلاغها.

ويؤثر عن ولسلي القائد الإنجليزي أنه قال لو قطع عرابي القناة كما قرر لما بقي أمامنا إلا أن نحصر مصر.

وكان أغلب الجيش الشرقي — لسوء الحظ — من العساكر المجموعين حديثًا، والذين لا يساوون شيئًا، وقد خسر الجيش قبل ذلك محمود فهمي باشا في واقعة (نفيشه)، وأسره الإنجليز؛ فخف محمود سامي باشا بنفسه إلى عرابي، وطلب منه أن يذهب إلى ناحية الوادي، وكانت خسارة محمود فهمي جسيمة لا تعوَّض، وقد شعر الضباط جميعًا — وفي مقدمتهم محمود سامي وعرابي — بالضعف والوهن بعد أسره.

وتشاور رؤساء الجيش، وقرروا إغراق المنطقة الشرقية مما يلي الزقازيق، ولكن عرابي استهول ذلك فلم ينفذ القرار، وتقرر سحب بعض الضباط من دمياط ورشيد وإرسال مثل عبد العال إلى جهة الوادي، فنفذ بعض القرار وأهمل بعضه، ولم يحضر عبد العال وكان لحضوره مزيته وفضله.

وذهب عرابي إلى الوادي حزينًا كاسف البال، وقد اعترف بأنه في الستة الأسابيع الماضية لم يستطع على كل اجتهاده أن ينظم قوة من المشاة يمكن الاعتماد عليها، فأرسل عرابي إلى الوادي عساكر من كفر الدوار، وجاء إلى كفر الدوار بعساكر الرديف والذين أدركهم الهرم وأصيبوا بالآفات والعاهات فلا طاقة لهم على عمل.

ولكن الجيش مع كثرة حركاته وتوالي تنقله، وعلى الرغم من دهشة الحرب وجسامة المسئولية وعظم الشعور بها، كان حسن النظام خاضعًا طائعًا، ولكن الدسائس والخيانات كانت حافة به، فمن ذلك أنه في ٢٧ أغسطس جاء خبر بأن فارسين خرجا من الإسكندرية وسارا من الناحية الشرقية من البحيرة وهما بدويان من قبيلة أولاد علي التي مر ذكرها في ضرب الإسكندرية، فقبض عليهما عند مرورهما على مقربة من معسكر كفر الدوار، ووجدت معهما منشورات من بعض الباشاوات الذين كانوا يؤيدون عرابي، ورسائل من هذا الباشا إلى رؤساء القبائل وبعض الضباط يدعوهم فيها إلى ترك عرابي والالتحاق بالجيش العثماني — وأين هو؟! — الذي جاء لإخضاع العصاة — وهذا تغرير من الباشا، فما كان ثم جيش عثماني آتيًا ولا هو يمكن أن يجيء، ولكنها وسيلة لتسويغ العصيان.

وقد سئل الفارسان فاعترفا بكل شيء، وذكرا أن جنديًّا بحريًّا إنجليزيًّا يسمى (جيل) حمل ثلاثين ألف جنيه من سيمور — أميرال الأسطول — ليلحق بالأستاذ بالمر الذي مر ذكره أيضًا، وليستميل معه عربان غزة، وحمل معه رسائل من الخديوي ومن بعض الأعيان إلى رؤساء العربان في الشرقية، وأن مبلغًا لا يقل عن المبلغ السابق سيصحب القائد الإنجليزي إلى الزقازيق، وبعد أن سلم الضابط أوراق المرور إلى القائد ذهب إلى السويس لمقابلة بالمر، وقد قطع سلك التلغراف الذي يصل بين مصر والأستانة، وكان هذا الشطر على الأقل صحيحًا، فإن قائد الفرقة البحرية في القناة، أخذ المبلغ من (جيل) وسلم منه أربعة آلاف جنيه إلى بالمر، وحجز الباقي، وأرسل معه جيل وضابطًا آخر، فقتلوا جميعًا بين العربان.

وكان مركز الدسائس في الإسكندرية في مكتب يسمى «قسم المخابرات العسكرية»، وكان يجتمع فيه كثير من الإنجليز من موظفي الحكومة المصرية ومن المقيمين بمصر.

ثم أدرك العاملون على ضعضعة الجيش بالخيانة والدس أن توزيع النقود باسم الإنجليز لا يفيد، وعرفوا مبلغ فعل المال في النفوس؛ فأخذوا في توزيعه باسم الخديوي والسلطان، واختير لبث روح الخيانة من يسمى الحاوي الطحاوي، وكان أحد ثقات عرابي، فكان الحاوي يعظ إخوانه العربان وينصح لهم بعصيان عرابي، ويهوِّل عليهم قوة الجيش الإنجليزي، وكانت القيم التي تدفع للأفراد تتفاوت من جنيهين إلى ثلاثة، وكان عرابي لا يقتنع بخيانة العربان، وكان الحاوي يحتفظ بثقة عرابي فيخبره ببعض حركات العدو على وجه الصدق، وكان عرابي يأتمنه ويُفضي إليه بما عنده.

ولما كانت واقعة القصاصين كانت الخطة كما ينبغي، وكان يجب أن تزحف الجنود المصرية في الساعة الثانية بعد منتصف الليل على الجيش الإنجليزي، فما راع القواد المصريين إلا وجود الفرق الإنجليزية زاحفة عليهم وآخذة جميع الطرق في الساعة الأولى، وقد جرح علي فهمي باشا وراشد باشا وانهزم الجيش، وكان سبب هذا الفشل جواسيس العربان الذين أطلعوا الإنجليز على سر الخطة المصرية، وكانت الخيانة قد نفذت — فضلًا من ذلك — إلى قلوب كثير من الضباط بسعي بعض الأعيان ورسل العربان؛ وللـه — كما قالوا — جنود من الجنيهات الإنجليزية.

وبلغ من غفلة عرابي وإصراره على الثقة بالعربان أن جاءه في ١١ سبتمبر من ينبئه بخيانة العربان، فأبى أن يصدق قائلًا: إنهم مسلمون.

وفي اليوم التالي (١٢ سبتمبر) أنبئ عرابي بأن الإنجليز سيضربون التل الكبير ويزحفون إلى بلبيس — وكان الفرنسيون قد حصنوها من قبل — ليأخذوا هذا الموقع ويقتحموا الطريق إلى القاهرة؛ فإنه مفتاحها، فاقتنع عرابي بصحة الخبر، وأرسل إلى طلبة باشا يطلب منه إرسال فرقة من الجنود لتكون في التل الكبير صباح الثالث عشر من سبتمبر، فجاءت الفرقة ماشية، ووصلت إلى الزقازيق في صباح اليوم المذكور، ولكن بعد الهزيمة!

ويقول أحد الضباط الذين شهدوا معركة التل الكبير: إنه في الساعة الثانية بعد نصف الليل لم يشعروا إلا والعربان يصيحون ويصرخون والنار تضربهم من كل ناحية، فلم يعرف أحد من معه ومن عليه، وعَمَّ الاضطراب وانهزمت الجنود الحديثة، فكان الإنجليز يقتلونهم كأنهم في الصيد، وثبت ثلاثة آلاف جندي، وقاوموا واستبسلوا؛ ففني نحو نصفهم، وكان بعض الضباط الفارين يعجز عن المشي وهو فار لثقل النقود التي كان يحملها، وقد نهب السودانيون كثيرين منهم، فباءوا بالخزي والفقر.

وكان عرابي يرى أن يطيل زمن الحرب على رجاء أن تتدخل الدول في الأمر، ولكن أولي الرأي نصحوه بغير ذلك بعد عودته إلى القاهرة فسلم.

قال الأستاذ الإمام في مذكرته لمحاميه بعد اعتقاله: «وفي أثناء ذلك — أي أثناء الحرب — طفق العلماء يقرءون البخاري في الأزهر ومسجد سيدنا الحسين، ويدعون بالنصر لعساكر عرابي وبالهزيمة للإنجليز، وكان إمام الخديوي الشيخ صالح العالم الإبياري في طليعة الملتهبين غيرة ووطنية، فنشر قصيدة في غارة التتار على بغداد في أيام الخليفة العباسي المعتصم، وهي عبارة عن دعاء وابتهال، وقد أضاف إليها أبياتًا من نظمه، فكان من الناس من يقرؤها ويتلوها بعد قراءة البخاري، وقد طلب إليَّ أن أنشرها في الجريدة الرسمية حتى يطلع عليها الجيش أيضًا، وكان عمله هذا مشروعًا، وقد تبرَّع الأمراء والأعيان والعلماء وسائر أفراد الحاشية الخديوية — حتى النساء — بالخيل والحبوب والنقود والميرة اللازمة للجيش، وأظهر المديرون والموظفون على اختلاف مراتبهم غيرة ووطنية وحمية في جمع الميرة المطلوبة وحشد المتطوعة للجيش ولسائر الأشغال العسكرية.

وقد أرسل عثمان باشا غالب — مدير أسيوط في ذلك الزمن — بضعة ألوف من أرادب الحبوب من مديريته ما عدا الخيول وغيرها من الحيوانات، وقام بأمر التجنيد بهمة ونشاط استحقَّ عليهما ثناء وزارة الحربية، وها هو ذا الآن رئيس بوليس العاصمة بأمر الخديوي. وكذلك خليل بك عفت الذي عين مديرًا بأمر وزير الحربية فأظهر غيرة ونشاطًا استحق عليهما الشكر الجزيل في الجريدة الرسمية، وهو الآن مدير المنيا بأمر الخديوي.

وقد بذل من أذكر أسماءهم فيما يلي أموالهم بسخاء في سبيل الحرب، إما مباشرة وإما بواسطة دوائرهم، وهم:

  • البرنسيس جميلة أخت الخديوي وحرم المرحوم سعيد باشا.
  • خيري باشا الأمين الأول.
  • علي باشا مبارك وزير الأشغال الآن.
  • يوسف باشا جدوي أحد أعضاء لجنة التموين.
  • محمود بك كاتب وأمين أسرار الخديوي.
  • علي حيدر باشا وزير المالية.

وأسماء هؤلاء وردت في أعداد الجريدة الرسمية، وإذا كانت سجلات المديريات لا تزال موجودة فيمكن استقراء ما تبرَّع به كل واحد منهم بالتحديد.

وقد رأيت الناس من فلاحين وبدو ذاهبين إلى الحرب برضاهم واختيارهم متشوِّقين لمقاتلة الإنجليز، وقد شمل هذا الحماس الأقباط، وكان يشجعهم على ذلك رؤساؤهم، وكان شبان القاهرة يمرحون في المدينة ليلًا يتغنون بمديح عرابي، وفي أي اجتماع ذكرت فيه الحرب كان الناس يبتهلون إلى الله طالبين النصر لجيوشنا.»

يريد الأستاذ الإمام أن يقول: فلماذا تختصني الحكومة بالمحاكمة وحدي؟!

حاشية:

لمناسبة ما نكتبه عن الثورة العرابية بعث إلينا الأستاذ فخري أبو السعود برسالة قيمة عنوانها «الثورة العرابية — خلاصة تاريخها ومكانها من النهضة القومية المصرية». وقد قرأناها بعناية فألفيناها وافيةً جدًّا على صغرها، ملمة بالحقائق التاريخية، محيطة بدقائقها مع الإيجاز، جديرة بعناية القراء، وهي في ست وتسعين صفحة؛ فنشكر للأستاذ هديته، ونثني على دقته.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.