هذا كتاب قَيِّم، وضعتْهُ الأديبة «بنت الشاطئ» (السيدة عائشة عبد الرحمن)، وتقدَّمت به إلى كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول في سنة ١٩٤١ فنالت به درجة الأستاذية (ماجستير) في الآداب مع مرتبة الشرف الأولى، ونشرته في الشهر الماضي من هذا العام لمناسبة الاحتفال بمرور ألف عام على مولد المعري، بعد أن أعادت فيه النظر وراجعته.

ومما يجب أن يُذكَر لها بالحمد والإعجاب قولها في «مقدمة النشر» إن من خير ما انتفعَتْ به عند مراجعة البحث وإعداده للنشر «الرجوع إلى التقرير القيِّم الذي كتبه عنه حضرة شيخي الجليل «الأستاذ أمين الخولي»، والنظر في مناقشاته لي أثناء الامتحان، وأشهد أن هذا التقرير قد غيَّر من رأيي في غير مسالة تغييرًا جوهريًّا، فما أتردد في الاعتراف بأنه كان تكملة للتوجيه المنهجي الذي تدين به حياتي الفكرية لشيخي الجليل».

والكتاب فصول كثيرة بعضها أطول من بعض، تناولَتْ فيها بالبحث الدقيق المعتمد على النصوص من شعر الشاعر ونثره، منهجَ أبي العلاء في تفكيره، ومكانه بين الشعر والفلسفة، وأبا العلاء أمام هذه الحياة، ومراحل الحياة الإنسانية من النشأة إلى الموت، وما عسى أن يكون بعده؛ فتكلَّمَتْ على إيمانه بالعقل تارة وكفره به تارة أخرى، وعلَّلتْ اضطرابه وتناقضه، وعرضَتْ أقوال من زعموه فيلسوفًا أو غير فيلسوف، وشاعرًا أو غير شاعر، وانتهت إلى أن شأنه ليس بشأن الفيلسوف، وأنه قد يلتقي مع الفيلسوف في النهاية «ولكنه يأخذك إليه واثبًا مسرعًا»، وأنهُ بين الشعراء في الذروة من حيث وضوح الشعور وصفائه وقوته، وبينت الفرق بينه وبين غيره من الشعراء، وكيف أنه لا يكذب ولا يقول إلا ما يعني، وأن شعره ترجمة صادقة عما يجد ويرى.

وتناولَتْ تشاؤمه — وردته إلى دواعيه — ومتاعبه الخاصة في حياته ونضاله للدنيا وهزيمته، وسوء الحياة العامة في زمانه ومكانه، وعللت خروجه إلى بغداد بأنه فوق حب العلم وطلب الشهرة، كان مظهرًا لنضاله، وتحديه للدنيا، والاستخفاف بمتاعبه وبآفته، ولكنه وجد أن مكانه قلق في بغداد، وإن كان قد زعم أنه ما رحل عنها إلا لمرض أمه وإخفاقه في طلب الثراء.

وانتقلت بعد ذلك إلى رأيه في الخلق وهل له علة غائية؛ فاستخلصت من كلامه أنه يرى أن الكون لم يُخلَق لنا أو من أجلنا، وأن ظواهره لا تتأثر بنا، وأن لكل كائن حقه في الحياة، وأن الكون لا يُخلَق عبثًا، ولكنا نجهل العلَّة والحكمة وإن كان جهلنا لا ينفي وجودهما، وتكلمت على الخير والشر، والجبر والاختيار، ورأي أبي العلاء في ذلك كله ومذهبه فيه، وكيف أنه كان متشائمًا يرى الكون حافلاً بالشر، وأن إرادة الله شاملة، فهو تعالى خالق الخير والشر، وأنه سبحانه لا يقع في ملكه ما لا يريد، وأن الله لا يُحكم عليه بما يحكم علينا به، وأننا لا نملك سوى مقاييسنا المحدودة وجلَّ الله عن التشبيه والقياس، وبيَّنَتْ أن الرجل كان مترددًا بين الجبر والاختيار لا يثبت على رأي في أحدهما، بل لقد بلغ من حيرته أنه كان أحيانًا يجمع بين النقيضين، وقد اختلف رأيه أيضًا تبعًا لذلك في الثواب والعقاب.

وساقت الشواهد على أن الشاعر — على الرغم من سوء ظنِّه بالدنيا وما يعرب عنه من رغبته في التخلص من محنة الحياة — لم يبرأ من حب الدنيا، بل كان متشبثًا بالحياة، شديد الفزع من الموت، لجهله بما وراءه وخوفه مما عسى أن يصير إليه بعده.

وليس هذا الذي ذكرتُهُ إلا سردًا لما حواه هذا الكتاب من البحوث الدقيقة المحكمة، وأشهد أنه خير ما قرأته في موضوعه، بل خير ما نُشِر في عامنا هذا من المباحث المتصلة بأبي العلاء، والاستقصاء فيه تام، والتحقيق وافٍ، والآراء سديدة مُتَّزنة.

وليس ينقصه ليتمَّ به انتفاع القراء إلا أن يضاف إليه شرح بعض الغريب، فقد كان أبو العلاء مولعًا به، حتى لقد وصفه ياقوت في معجم الأدباء بأنه متفاصح متحذلق، بل شتمه وقال إنه حمار، ومعتوه، ومجنون، واتهمه بالزندقة وكفَّره، ولكن هذا لا يعنينا في هذا المقام، وإنما أردنا أن نقول إنه كثيرًا ما يستعمل ألفاظًا حوشية غير مأنوسة أو مألوفة مثل الصَّعْو للعصفور، والمَعْو للرطب، والنطف لفاسد النية، والكر للحبل … إلخ، ولا سيما في نثره، ومن حق القراء على المؤلفين أن يتوخوا شيئًا من التيسير عليهم، فإن بنا حاجة إلى تحبيب الأدب العربي القديم إليهم، وتألفهم من نفرتهم منه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.