مرة أخرى نعود إلى «الخناقة» على اسم النمسا كما وصفها زميلنا محرر الأخبار في عنوانه ليوميات الأسبوع الماضي.

ونعود إلى الخناقة لأن السيد «مراد سلامة» يسألك: لماذا تذكرون اللغة المجرية ولا تذكرون اللغة الروسية وهي أشهر اللغات السلافية؟! وهل تعرفون بماذا يسمى الروسيون النمسا في العصر الحاضر؟ وبماذا كانوا يسمونها في العصر الذي أغار فيه الترك العثمانيون على البلاد المجرية؟

ونقول للسيد مراد سلامة — أولًا — للخلاص من هذه الخناقة: إننا لا نعرف اللغة المجرية ولا اللغة الروسية، وكل معرفتنا بهما وباللغات الأوروبية الشرقية إنما يدور على كتابة الأبجديات في هذه اللغات، وبوسيلة الكشف في معجماتها عن معاني الكلمات كما تقابل الكلمات الإنجليزية أو الفرنسية في أحيان قليلة. رجعنا إلى تحقيقها أيام المناقشة على كتابة العربية بالحروف اللاتينية، وعلى أثر استشهاد بعض الزملاء بكثرة الحروف الأبجدية في اللغة الروسية، وأنها تزيد على الأربعين، وتشتمل على حروف لا وجود لها في الأبجدية العربية ولا في الأبجديات اللاتينية.

وقد أفضى بنا بحث هذه المسألة إلى أن الحروف الزائدة في الأبجدية الروسية الحديثة قد أخذ بعضها من العربية، وبعضها من القبطية، وبعضها من اللاتينية بعد تعديل طفيف في صورتها، وأن هذه الحروف جميعًا لم تكن بناقصة في لهجات القبائل العربية، بل هي مذكورة جميعًا على باب الإبدال من كل كتاب من أمهات كتب النحو أو كتب القراءات.

وللمناسبة الحاضرة — مناسبة الكلام عن أصل اسم النمسا باللغات السلافية — نقول: إن الروسية والمجرية تختلفان بالأبجدية إلى أبعد حدود الاختلاف، تبعًا لاختلاف القساوسة الذين قاموا بتنصير هذه الأمم قبل عدة قرون.

فالروسيون تنصروا على أيدي القساوسة البيزنطيين وهم يقيمون شعائرهم باللغة اليونانية، ومنها نقلوا الحروف التي علموها للروس، ثم زادوا عليها أكثر من خمسة حروف تنطق بالروسية، ولا وجود لما يقابلها باللغات الأخرى.

أما المجر فقد تم تنصيرهم على أيدي القساوسة التابعين للكنيسة الغربية، فعلموهم الأبجدية اللاتينية ولم يحدثوا بها تغييرًا يُذكَر سوى بعض علامات كعلامات الشكل بالعربية.

والروس الأقدمون يُسمُّون النمسا كما يسميها المجر «نيميت»، ولكن الحرف الأخير المقابل للتاء ينطق كما تنطق السين مدغمة بالتاء؛ أي إن نيميت تنطق عندهم «نيمتسه». وقد ينطقها المجريون والتشيكيون كذلك إذا وضعوا على الحرف الأخير علامة من علامات الشكل التي تتقارب فيها حروف التاء والسين، أو الدال والزاي.

فالنطقان — المجري والروسي — متشابهان، ولكننا رجحنا أن الترك العثمانيين أخذوا كلمة «النمسة» من المجريين لأسباب متعددة!

منها أن المجريين هم أولى الشعوب بالأخذ عنهم في تسمية جيرانهم من السلالة الجرمانية؛ لأنهم يعيشون معهم، ويختلطون بهم، ويخضعون قديمًا وحديثًا لدولة واحدة.

ومنها أن الترك العثمانيين أقاموا ببلاد المجر، ونقلوا إليهم كما نقلوا عنهم كثيرًا من الكلمات حتى ما كان منها خاصًّا بأسماء الأقارب والقريبات في البيوت.

ومنها أن القرابة بين اللغتين التركية والمجرية أشد من القرابة بين اللغتين التركية والروسية؛ لأن المجرية طورانية متطورة، ولكن الروسية تمتزج ببعض اللهجات الهندية الجرمانية.

ومنها أخيرًا أن المجرية تكتب بحروف لاتينية تشبه الحروف التي تكتب بها الإنجليزية في المعجمات التي نُعوِّل عليها، فوسيلة التحقق من ألفاظها أقرب إلينا من وسيلة التحقق من أشكال الحروف الروسية التي ترجع ألفاظها إلى مراجع متعددة يعود بنا كل مرجع منها إلى ضابط غير الضوابط الأخرى.

ونحسب أن «خناقة» النمسا تنتهي عند هذا السؤال، وتحال بقية الأسئلة عنها إلى الأستاذ فكري أباظة، بعد أن أبرأنا ذمتنا بجواب على قدر السؤال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.