عِلْمُ الشيخ محمد عبده في كتبه وفي صدور تلاميذه، ولعله لم يكن أعلم أهل زمانه ولا أوسعهم إحاطة أو أكثرهم تحصيلًا أو أعمقهم غَوْصًا، وعسى أن يكون من بين معاصريه من كان أذكى وأبرع؛ فليست قيمة الشيخ محمد عبده أنه كان عالمًا عارفًا بالأصول والفروع واقفًا على الدقائق والجلائل؛ فإن المعرفة تحصيل، وليست المزية أن يكثر تحصيلك — فإن لهذا حدوده — ولكنما هي في مبلغ القدرة على هضم ما حصلت والانتفاع به والتوليد منه، وقد كان الشيخ محمد عبده ذا اجتهاد؛ لأنه كان ذا نظر مستقل ورأي لا يجري فيه على التقليد حتى لقد رماه شانئوه بالزندقة، وكان فوق هذا رجلًا بخير معاني هذا اللفظ وأجلِّها، وكانت له شخصية بارزة وروح قوية، ووجهة يثني إليها اجتهاده، وغرض يسعى له مصممًا.

وقد رأيته عن كثب مرتين: وكنت في الأولى صبيًّا في العاشرة من العمر، وكان أبي قد مات قبل ذلك بعام، وتولى أخي عن الأيام مهمة إفقارنا وترقيق حالنا، وأشهد أنه وفق في ذلك إلى أبعد مما شاءت المقادير الجارية بالنحوس، واحتاج بعد ذلك — أعني أخي — إلى كسب رزقه، وكان قد تدرَّب في حياة أبي على أعمال المحاماة وحذقها بطول المران في مكتبه بعد أن أخفق في كل ما وجهه إليه أبوه. فمضى بي يومًا إلى بيت الشيخ محمد عبده وقال ادخل عليه وقل له إن جدتي تقرئك السلام وترجو أن تكون عونًا لحفيدها على الانتظام في سلك المحاماة؛ وانظر ماذا يقول. ودفع بي، وارتد هو إلى المحطة حتى أعود إليه، وكنت كما قلت طفلًا فقيرًا، لا أسمع بالكبار ولا أراهم؛ ولا أعرف عن الشيخ عبده إلا أنه عالم، وكان منظر العلماء مألوفًا فقد نشأت في بيئتهم، فلم أتهيَّب الدخول على الأستاذ الإمام، ولا أدري كيف وقعت من نفسه سفارتي؛ فقد شغلني عن التفكير في هذا — وأنا بعدُ طفلٌ غرير — استطابه حنوه، وكان مجلسه حافلًا بالمجاورين — كما كان طلاب العلم في الأزهر يُسمَّوْن — والعلماء والأفندية، وأقول الأفندية لأني لم أكن أعلم أنهم بين قاضٍ ووزير ومحامٍ وطبيب، وليس منهم من يستنكف أن يجالس الفقير أو المجاور — ولا من المجاورين من يتهيب الوزير في مجلس الإمام — فقد سوَّى بينهم جميعًا، وارتضوا هم هذه المساواة ونزلوا على حكمها، وجعلوا الوسيلة إليه الاستحقاق، لا الغنى ولا المنصب. ورجعت إلى أخي موعودًا بالخير. ومضت أيام فجاءت أخي دعوة من المرحوم الشيخ أبي خطوة — وكان قاضيًا — فمضى إليه فامتحنه أو لا أدري ماذا صنع به، وإذا بأخي قد أصبح محاميًا. ويحسن أن أذكر هنا أن أبا خطوة هذا كان خصمًا لدودًا لأبي، ولكن الرجولة أبت لأبي خطوة أن يجعل الابن يضرس بالحَصْرَم الذي أكله أبوه، إن كان قد أكل شيئًا. ولم يصنع أبو خطوة هذا الجميل من أجل أخي، بل في سبيل أبناء الرجل الذي كان له في حياته عدوًّا، وظل الشيخ أبو خطوة بعد ذلك زمنًا يزورنا كل شهر مرة ليقف بنفسه على مبلغ عناية أخينا بنا؛ ومقدار تعهده لنا، وليعرف إلى أي حد يقوم فينا مقام أبيه، وكان أخي لا يبالينا كيف نكون؛ ولكنا كنا نخاف أن يعلم الشيخ أبو خطوة هذا فيحل به غضبه وغضب الإمام.

وإنما رويت هذه القصة لأرفع قبل العيون صورة للرجولة وعلو النفس ومروءتها. فما كان أبو خطوة ملزمًا أن يتفضَّل بالعون على ابن عدوه؛ ولو أهمل الإمام رجاء الطفل لما لحقه من ذلك عيب ولا كان عليه في نسيانه أو إهماله عقاب، وما كان يجهل الخصومة التي كانت بين أبي والشيخ أبي خطوة، ومع ذلك لم يوصِ سواه، ثقة منه بخلوص سريرته وتجافيه برجولته عن اللجاجة في خصومة ذهب أحد طرفيها، ولا كان الشيخ أبو خطوة مضطرًّا إلى هذا التعهد شهرًا بعد شهر وسنةً بعد سنة، فبحسبه من المعروف ما صنع ومن الجميل ما أولى ابتداءً، وفي الاقتصار على ذلك الكفاية ولكنه كان رجلًا، وكان من ورائه الإمام لا ينسى.

ومن أمثلة هذه الرجولة في سيرة الإمام العامة، ما رواه الأستاذ السيد رشيد رضا في كتابه «تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده» قال: «عزم لورد كرومر على قطع أقوى صلة دينية للسلطان عبد الحميد بمصر، وهي اختصاصه بتعيين قاضي المحروسة من علماء الترك، وهو يعتبر رئيس الأمور الشرعية الذي يولي سائر القضاة الشرعيين في البلاد، وكان يلقب بقاضي القضاة، ثم سمَّته الحكومة رئيس المحكمة الشرعية العليا، ووضعت نظامًا لاختيار القضاة الشرعيين يناط تنفيذه بلجنة يعينها وزير الحقانية، ولكن القاضي التركي كان عضوًا فيها، وتعتبر موافقته على من يختار للقضاء إذنًا له فيه من قبل الخليفة …»

«عظم هذا الأمر على سمو الخديوي؛ لما فيه من قطع أقوى الصلات بينه وبين الدولة العثمانية، وهي مستنده الوحيد في مناهضة الاحتلال، وبقطعها يكون للعميد البريطاني السيطرة على المحاكم الشرعية من طريق الحكومة، وهو ما كان أنذره إياه الأستاذ الإمام.»

«لجأ سموه إلى الجرائد التي تؤيده وإلى علماء الأزهر، فأنشئوا ينشرون المقالات المؤثِّرة المستفِزَّة للرأي الإسلامي العام، بأن هذا اعتداء على دين الإسلام وشرعه القويم الذي يستمد سلطته التنفيذية من خليفة المسلمين. وأيَّد احتجاجهم الشيخ حسونة النواوي شيخ الأزهر، ولم تبالِ الحكومة بذلك كله؛ لأن اللورد كرومر كان إذا جزم بشيء لا يعارضه أحد، وكان بعض كبار فقهاء الحنفية في الأزهر قد أفتى الحكومة فتوى شفوية بأن هذا العمل جائز شرعًا.»

«ولما رأى قاضي مصر الشيخ جمال الدين أفندي أن الأمر جد، ولا يستطيع تلافيه أحد، باع داره وعزم على مغادرة هذه البلاد بعد صدور أمر الخديوي بتعيين قاضٍ من علماء الأزهر لرياسة المحكمة الشرعية العليا، وكان ذلك في شهر المحرم ١٣١٧ (يونية ١٨٩٩). وفي أواخره قررت الحكومة عقد مجلس النظار برياسة سمو الخديوي في قصر رأس التين بالإسكندرية لتنفيذ هذا الأمر بعد أن بلغ سموه رئيس النظار أنه ورد على جناب اللورد كرومر برقية من وزير الخارجية بلندن بوجوب تعيين قاضٍ مصري في منصب القاضي التركي. عندئذ أظلمت الدنيا في عينيْ سموه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فاستشار رجاله وكلَّ من له ثقة به في المخرج من هذا الضيق، فأعوزهم الرأي، وأخيرًا اتفق رأيه مع بعضهم على أن هذه المشكلة لا يرجى حل لها إلا عند الشيخ محمد عبده، فأمر حسن باشا عاصم أن يرسل برقية إلى الأستاذ يقول فيها إن أفندينا ينتظرك في قصر رأس التين صباح غد.»

«وصلت البرقية مساء يوم الأربعاء، وهو موعد درس التفسير؛ فقرأ رحمه الله الدرس، وذهب بعده إلى داره في عين شمس فتعشَّى، وجاء قبل نصف الليل إلى محطة مصر فسافر إلى الإسكندرية في القطار الذي يسمى قطار الصعيد، فصبحها بكرة وذهب من محطتها إلى قصر رأس التين توًّا فألفى سمو الخديوي منتظرًا له فتلقَّاه بلهفة قائلًا: إنني وقعت في مشكلة أو أزمة ليس لها غيرك يا أستاذ، وذكر له أن اللورد كرومر سيحضر إليه في هذه الساعة ليبلغه برقية وزير خارجيتهم بوجوب إنهاء مسألة قاضي مصر وتعيين عالم مصري بدل القاضي التركي، وأن مجلس النظار ينعقد بعد خروجه لتقرير ذلك، قال: وأنا ليس من مصلحتي ولا من مصلحة مصر قطع هذه الصلة الدينية بالسلطان والعداوة النهائية للدولة العثمانية.»

«قال الأستاذ الإمام: الأمر سهل يا أفندينا.»

«قال: سهل! سهل! هيه؟ هيه؟»

«قال الأستاذ: إن الإنجليز أشد شعوب الأرض احترامًا لحرية الضمير والوجدان الديني، ولا سيما الطبقات الراقية منهم، وقد بلغ من احترامهم له أنهم لما سنوا قانون التلقيح بمادة الجدري للوقاية منه وضعوا فيه مادةً خلاصتُها أنه يجب على كل إنجليزي أن يقبل عملية التلقيح إلا من يقول إن وجدانه الديني لا يسمح له بذلك؛ فهذا استثناء لم يعهد له نظير في شيء من قوانين الدول؛ وسببه أن بعض رجال الدين كان يرى أن هذا التلقيح حرام، فإذا جاء لورد كرومر الآن وبلغ أفندينا ما ذكر، وكان هذا اعتقاده فقل له إن وجداني الديني لا يسمح لي بأن أعين القاضي ورئيس الأمور الشرعية؛ لأني أعتقد أن هذا حق السلطان بما له من صفة الخلافة، فإني لا أشك في أن اللورد كرومر بما نعرفه من تربيته السكسونية الاستقلالية — ومن أصولها احترام الوجدان — يقبل من أفندينا هذا الجواب ويبلغه لرئيسه وزير الخارجية فيقبله الآخر، ويكون هذا فصل الخطاب.»

«قال سموه: كده، كده.»

«قال الأستاذ: هكذا أعتقد.»

«وحينئذ جاء الحاجب يستأذن الأمير للورد، فقام الأستاذ ودخل في حجرة أخرى، ودخل اللورد على الأمير، وبعد تبادل التحية بلغ سموه البرقية فأجاب سموه بما لقنه إياه الأستاذ الإمام. فقال اللورد: إذا كانت المسألة مسألة ضمير ووجدان فلا كلام لنا فيها وانصرف.»

وحادثة ثانية تشبه هذه، وتلك أن أرمنيًّا اسمه ليون فهمي كان الخديوي يستخدمه في بعض أموره السياسية السرية، فحفظ على سموه أوراقًا وأسرارًا جعل يهدده بها ويبالغ فيما يطلب من الثمن لردها، ثم اختفى فجأة وعلم اللورد كرومر أنه معتقل في سراي المنتزه أو في يخت المحروسة، وأن الخديوي مزمع أن يأخذه معه إلى الأستانة، فأراد اللورد كرومر أن يفتش القصر واليخت، فلجأ سموه إلى الشيخ محمد عبده واستقدمه إليه، «فقال له الأستاذ إن عندي رأيًا يشترط لنجاحه أن يخرج ليون فهمي من السراي أو من المحروسة إن كان في إحداهما، وبعد إخراجه يكتب أفندينا بلاغًا إلى معتمدي جميع الدول المعترفة باستقلال مصر تحت سيادة الباب العالي وبخديويته عليها بأن سلطة الاحتلال تريد الاعتداء على استقلاله وإهانته بتهمة إجرام باطلة، ويحتج عليها ويحمِّلها تبعة تفتيش قصره ويخته بهذه التهمة، وأن يبلغ اللورد كرومر أنه سيفعل ذلك إذا اجترأ أحد على محاولة تفتيش السراي، فلما بلغ العميد البريطاني هذا علم أن الخديوي لا يقدم عليه إلا إذا كان عالمًا بأن المفتشين عن الرجل لا يجدونه» فأقصر.

كان هذا إخلاص الأستاذ الإمام لسمو الخديوي السابق في النصح على الرغم مما كان بينهما من الجفوة، بل التباغض، بل الحرب، وكان الخديوي يحارب مشروعات الإصلاح التي يضعها أو يقترحها الأستاذ الإمام ويسعى لعزله من منصب الإفتاء ومن إدارة الأزهر، ولا يحجم في سبيل ذلك عن الالتجاء إلى وسائل معيبة، فمن ذلك أن أعوانه من خصوم الأستاذ لفَّقوا صورة شمسية له مع بعض نساء الإفرنج وأرسلوا هذه الصورة إلى اللورد كرومر، وقالوا له إن هذا إزراء بمنصب الإفتاء، وإن الواجب إخراجه منه مراعاة لشعور المسلمين، فقال لهم اللورد كرومر إن هذه الصورة لا يثبت لها عندي أصل، ولكن الأستاذ يزورنا هنا وتحضر مجلسه اللادي كرومر وغيرها من عقائلنا، فهل يصح أن نعد هذا إهانة له أو لنا؟

بل لقد ذهب الخديوي السابق في محاربة الأستاذ الإمام ومحاولة عزله من الإفتاء وإدارة الأزهر إلى حد التملُّق للإنجليز وملاينة المحتلين، وكان من عادتهم على عهد اللورد كرومر أن يعرضوا جيشهم في ميدان عابدين ليذكروا أولي الأمر بوجودهم وبأسهم وسلطانهم، وكان الخديوي الأسبق توفيق باشا يتراءى للجيش من شرفة القصر، فلما خلفه على الخديوية عباس باشا أعرض عن ذلك. ولكن في سنة ١٩٠٤ جرى هذا العرض — وكان في أول أيام الصباح — فخرج الخديوي بملابسه العسكرية وحضره مع اللورد كرومر ووقف تحت العلم الإنجليزي؛ فثارت الصحف الوطنية لهذا الصنيع، وكان من أشدها حملة على سموه جريدة اللواء ومجلة المنار، فدعا الخديوي إليه بطرس باشا غالي ودفع إليه بما كتبه المنار، وأمر أن يترجم ويرسل إلى اللورد كرومر ليعرف أن الذي أغرى المنار بهذه الحملة هو الأستاذ الإمام الذي يكره الاتفاق معهم، وكان هذا هو التمهيد السياسي من جانب سموه لإقناعهم بإخراج الأستاذ من الإفتاء وإدارة الأزهر.

ومع ذلك لم يكن حسن علاقته باللورد كرومر وغيره من الإنجليز يمنعه من الإدلاء بواجب النصح للخديوي والإخلاص في ذلك له؛ لأن الخديوي كان أمير البلاد الشرعي، ومصر كانت وطنه، وقديمًا كان الأستاذ الإمام يستهجن سيرة عرابي وينعى عليه سلوكه وينذره سوء العاقبة، ويحاول أن يصده عن هذا السبيل. فلما وقعت الواقعة، ولم تبق ثَمَّ حيلة، وقف إلى جانب عرابي لأنه جانب مصر، فمن رأيه في عرابي:

أحمد عرابي بك كان ينظر إلى رؤسائه من الجراكسة نظر العدو إلى عدوه، وكان يحتقرهم في نفسه لاعتقاده أنهم دونه في المعرفة، ويرى أنه أحق منهم بالرتب العالية التي كانوا يتمتعون برواتبها ونفاذ الكلمة فيها، وربما لم يكن (مخطئًا) في الكثير منهم، وكان أجرأ إخوانه على القول وأقدرهم على إقامة الحجة؛ فلما شرعت نظارة الجهادية عملها الجديد وبدأت باستيداع عبد العال غلب على ظنه أن ما يصل إلى عبد العال اليوم يصل إليه غدًا، فيحرم مما يرى نفسه أحق بالتمتع به.

وقال في موضع آخر مما كتبه عن الثورة العرابية: «أما وقد هتك حرمة القانون (يعني عرابي) وقلب قوة الحكومة وحوَّلها عن وجهتها، وجعل الآلة فاعلًا والفاعل آلة، وذلك مما يعد جرمًا في نظر كل واحد؛ حتى إن سريرته مهما عميت لا يمكن أن تغفل عنه، ثم رأى من الجناب الخديوي تخصيصًا لعلي فهمي بتقاسم اليمين معه؛ فقد ولت عنه السكرة وآبت إليه الفكرة ومثل له جرمه، وشعر بأن حاكمه لا يسمح له بقوة تعلو قوته، والنظام يقضى بإهلاك هادمه، وخيل له أن المخاطر تهدد روحه بعد وظيفته، ولا ريب أن الروح عليه أعز، وأن الشماتة بعدها أدهى وأمر، وأن دخوله في يمين الخديوي لا يكفي في وقايته لأنه لم يكن يجهل قيمة الأيمان، ولو كانت اليمين عنده تلزم الحالف بما حلف عليه، لما جاء هو بما نقض الأيمان العسكرية التي حلفها عند استلام علم الإمرة على فرقته، فأخذ يحتاط لنفسه ولمن شاركوه في الجرم، ويلتمس العضد من طرف، ويفر من الموت في كل سبيل، وركب به الجبن طريقًا عمياء، يخبط فيها العشواء، يسوقه الرعب ويقوده الوهم، وضعف الحكومة يمده، والرغائب الخرقاء تساعده إلى أن أودت به وبالبلاد خطيئته.»

وقال يعلل طلب عرابي لمجلس نواب: «كان — أي عرابي — يطالع في الجرائد وفي بعض الكتب المترجمة من اللغات الأوروبية، ويسمع من بعض المطلعين على أحوال ممالك الغرب أن مجالس النواب في تلك الممالك هي القائمة بحفظ أصول النظام، وهي القاضية على كل حاكم بالتزام حدوده، وبها مُحي الاستبداد بالأرواح والأموال، وحفظت الحرية الشخصية في الأعمال، ولعب بعقله هذا الخيال، وظن أنه لو كانت في البلاد تلك القوة النيابية، ولو أن حكومتها كانت حكومة شورية لكانت الشورى أو مجالس النيابات عاصمًا لحياته، حافظًا لحقوقه في وظائفه، ومأمنًا يلجأ إليه، إذا حوَّم طائر الانتقام عليه، ولم يعلم أنه لو كانت في مصر حكومة دستورية يقضي فيها القانون، ولا يستبد فيها الرأي، لأوخذ عرابي ومن معه أشد المؤاخذة، ولقُضِيَ عليهم بجزاء ما هتكوا من حرمة القانون، وما أدخلوا في الجند من الميل إلى الفوضى والاستهانة بالسلطة العليا، وإنما الذي استبقى حياتهم بعد ما فعلوا تلك الأفاعيل هو ضعف سلطة القانون وعجزها عن إيقاف الداخلين تحتها عند حدود أحكامه، وميل صاحب الرأي الأعلى في الحكومة إلى تلافي الأمر بما ظنه أسدَّ وأنجح مما حده النظام، ولو كان ذلك الحاكم مقيدًا بدستور أو بآراء نواب أمته، لامتنع عليه أن يذهب إلى ما ذهب إليه، ولقامت الأمة بلسان نوابها تطالبه أن يُحِلَّ أشد العقوبة بمن اعتدى على حدود ما شرعته لجندها، ولكانت قوة الأمة قد قضت على قوة الجيش وأبادتها لو خالفتها. لكن تلك معارف تعلو أن يتطاول إليها فكر كفكر عرابي ومن كان معه، وغاية ما توهم أن مجلس النواب هو من أبناء البلاد وهم لا يسمحون بأن يقتل واحد منهم، أو يعزل من وظيفته، وإن تعدى حدود كل نظام، ما دام يطلب طلبًا يظنه هو عادلًا، لهذا أراد أن يستعمل ما بيده من السلطة على الجيش في المطالبة بإنشاء مجلس نواب يكون له من الحقوق ما لمجالس النيابات في أوروبا، ثم تخيَّل أنه إذا أنشئ هذا المجلس عرف أعضاؤه ومستنيبوهم فضل من كان السبب في تشكيله فيهتمُّون بالمحافظة على حياته وعلى نفوذه بما يستطيعون، بل وثق بأنه يستعمل النواب كما يستعمل ضباط الجند ويسوقهم إلى الغاية التي يريدها منهم، ولم يخطر بباله أنه إذا فعل ذلك فقد سقط بالقوة التي يلجأ إليها إلى هاوية العدم، فإنه إذا لعب بها فقد فتح لغيره باب الاستهانة بأمرها، فيسهل عدم المبالاة بسيطرتها، وإذا قهرها على أمر مهد السبيل لمن هو أعلى منه سلطانًا في نظر الأمة أن يكرهها على عكسه، فتنقلب عليه بعد أن كانت له، وإذا كان المجلس تحت سيطرة الجند فما الفائدة في إنشائه مع وجود الجند، فليستغن عنه بالقوة العسكرية، ولتكن هي الملجأ دونه؛ فكيف يتصور أن يطلب تشكيله ليكون وافيًا مما لم يقوَ الجند على الوقاية منه؟»

وقد أطلنا الاقتباس لنعرض على القارئ صورة تامة من سوء رأي الأستاذ الإمام في عرابي وبواعثه وغاياته، وقد ظل يقاوم الحركة العرابية بالكتابة والخطابة ويحذِّر مما قدر أن تفضي إليه من الاحتلال الأجنبي حتى تدخلت إنجلترا كما توقع فلم يسعه كمصري إلا أن يشد أزر الثوار بأقصى ما استطاع؛ لأن هذا واجبه شرعًا ووطنية على حد قول الشاعر:

والشخصية من أسرار الروح، وليس مدارها على العلم ولا غير ذلك مما يستطيع المرء اكتسابه وتحصيله، ولو أن الشيخ محمد عبده لم تثنه المصادفات إلى الدرس ولم يقدر له الاتصال بأستاذه السيد جمال الدين الأفغاني لما أفقده ذلك شيئًا يذكر من بروز شخصيته، ولكان الأرجح أن يكون في هذه الدائرة الضيقة التي يرسم حدودها الجهل شخصًا ممتازًا، ورجلًا ذا سطوة ونفوذ في قومه وأهل قريته وما جاورها أيضًا، ولكنه تعلم فرحب المجال واتسع الأفق، واتصل بالسيد جمال الدين فتفتحت نفسه وزاد الأفق رحبًا والمجال سعة وأعده السيد الأفغاني بما هو مستعد للإعداد به، وكان الأستاذ الإمام رجلًا يحترم نفسه لأنه يحترم الحق، أو إذا شئت فقل العكس، فإن النتيجة واحدة، وكل من هذين علة ومعلول، وقد جعله احترامه للحق وتوقيره لنفسه ذا جرأة ومهابة، ومن أبلغ الأمثلة لذلك أن الخديوي الأسبق توفيق باشا كان يعرف رأي الأستاذ في التربية الوطنية وفيما يجب أن يكون عليه شكل الحكومة؛ لأن السيد جمال الدين هو الواضع لذلك «وكان الخديوي توفيق قد انتظم في سلك حزبه الوطني (أيام ولايته للعهد) الذي أسس لقلب نظام الحكومة في مصر، وعاهد السيد على تنفيذ النظام الجديد الذي أرشد إليه متى صار الأمر بيده، ولكنه لم يلبث بعد توليته أن نفاه — أي السيد — من القطر المصري، ونفى خليفته الشيخ محمد عبده من القاهرة إلى قريته؛ لعلمه بأنه هو الذي يتم ما بدأه أستاذه.»

وبعد أن قامت الثورة العرابية ونفي الأستاذ الإمام ثم عاد وشفع له الأمراء ومختار باشا الغازي عند الخديوي عفا عنه، وقال ما معناه ما عفوت عن أحد عفوًا هو أشبه بالاعتذار من هذا؛ لأنه كان يعلم خصومته القوية للثورة العسكرية، ولم يكن ذنبه عنده إلا أنه كان الروح المدبرة لنهضة الإصلاح السياسي والحركة الفكرية، وأن الحكم عليه بالنفي لم يكن عادلًا، فولَّاه القضاء، وكان كلاهما كارهًا لذلك، فأما الأستاذ فكان يريد أن يكون معلمًا في دار العلوم، وكان يقول: «إني خلقت لأكون معلمًا، وقد جربت نفسي في التعليم فنجحت، وإني أعلم أنه لا ارتقاء في التدريس، وأني أرتقي في القضاء إلى أعلى درجة فيه، ولكني لا أحبه.» ولكن الخديوي كره أن يربي الأستاذ تلاميذه على أفكاره، وأصرَّ على تعيينه قاضيًا في محكمة بنها أولًا ثم الزقازيق، فكان قاضي العدل والاجتهاد لا القاضي الذي يلتزم حدود القانون الحرفية، وكان يتحرَّى إظهار الحق وإصابة العدل فإن ساعفه القانون فبها وإلا عمد إلى وسيلة أخرى ولا سيما الصلح، وكان يحكم باجتهاده في كثير مما يعرض عليه ولا سيما في الربا؛ «فإنه كان إذا تعذَّر عليه الصلح يحكم برأس المال دون الربا.» وما أكثر ما خالف فيه القانون عمدًا؛ لأنه رآه غير عادل، حتى وشى به بعضهم إلى المستشار القضائي فسأله عن ذلك، فقال الأستاذ: «هل العدل وضع لأجل القانون أو القانون وضع لأجل العدل؟» فقال المستشار: بل القانون وضع لأجل العدل، والعدل هو المقصود بالذات. فأنشأ الأستاذ يشرح له تلك القضايا ويبين أنه لم يحكم فيها إلا بالعدل؛ فاقتنع المستر سكوت وساعده على الاقتناع أن الإنجليز من أبعد خلق الله عن التقيد بالرسوم في القضاء وأكثرهم اجتهادًا فيه، ومما يحكى عنه أن بعض الأجانب أساء الأدب في الجلسة؛ فأمر الأستاذ بحبسه وقامت الدنيا وقعدت لذلك من أجل الامتيازات، فلم يبال الأستاذ، وخوطب في هذا فلم يقبل الرجوع، وكان الأجانب يتصدرون لمنع تنفيذ الأحكام فيدعي أحدهم مثلًا ملكية الأرض التي عليها الحكم، فكان الأستاذ ينفذ عليهم أحكامه بالقوة محتملًا تبعة التنفيذ، واثقًا من أن الأجنبي لا يجرؤ على مقاضاة الحكومة في دعوى هو فيها مبطل عاجز عن إثبات دعواه، ومن ذلك أنه حكم مرة بنزع أرض من وطني وردها إلى صاحبها، فقيل له إن فيها إنجليزيًّا رفع عليها علم دولته، وأنه يعترض على تسليمها، فأعطى المحضر أمرًا بنزع العلم وإخراج هذا المدعي بالقوة، فلما رأى الإنجليزي — وكان مستأجرًا لمنع التنفيذ — أن الأمر جد لم يَرَ مناصًا من الخروج.

كان يعاقب المزوِّرين وشهود الزور، وكان يتسقط الشاهد من هؤلاء حتى يقر فيحكم عليه، ويخرجه من الجلسة إلى الحبس، وأقرت الحكومة عمله هذا، وأدخلته في القانون، وطارد الفحش والفجور حتى كادت تطهر الزقازيق من رجس البغايا على عهده، ولم يكن ينتظر ما يعرض عليه من القضايا ليحكم فيه، بل كان إذا رأى أو علم أن امرأة من هؤلاء خرجت إلى الشارع متهتكة أو جلست أمام بيتها متبرجة تغازل الرجال وتغريهم، أمر بعض الشرطة بسوقها إلى المحكمة بتهمة إغراء الناس بالفسق المحظور بالقانون، وحكم عليها في الحال، فكان هؤلاء النسوة يقلن: «وكيف يعرفنا الناس إذا التزمنا ما يريده هذا القاضي منا من التستر والأدب؟» وبلغ من خوفهن منه أنهن كن في أول الأمر إذا سئلن عن الصناعة التي يزاولنها يصرحن بفجورهن، فلما عرفنه صرن يغمغمن، فإذا أفصحت إحداهن لم تزد على أن تقول: «أنت عارف.»

والخديوي السابق عباس باشا هو الذي كلفه أن يكتب تاريخ الثورة العرابية، ففعل، ومع ذلك لم يكتم رأيه في أبيه الخديوي توفيق باشا، ولم يتحرج أن يذم لابنه بعض ما صدر عنه، وأن يحمِّله تبعات جسيمة معيَّنة عن تفاقم الحال وإفضائه إلى الثورة؛ لأن الحق عنده كان أكبر من الضرورات التي تحوج إلى المجاملة.

وسنتناول رأي الأستاذ في الثورة العرابية في مقال آخر، وإنه لمن سوء الحظ أن السيد رشيد لم ينشر مذكرات الأستاذ الإمام كلها، وأنه لخص بعضها، ومما هو خليق أن يساعد القارئ على تقدير هذه المذكرات، أن المذكرة التي كتبها الأستاذ وهو مسجون لمحاميه، تضمنت من الحقائق والوثائق ما رأى معه أولو الأمر يومئذ من المحتلين والمصريين أن الأستر اجتناب أيِّ توسُّع في الدفاع كائنة ما كانت الدواعي إلى ذلك، وإنزال العقوبة من الإعدام على النفي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.