كانت وفاة الشيخ رشيد رضا صاحب المنار خسارةً كبيرة على طلاب العلوم الدينية وعلى العالم الإسلامي عامة؛ لأن «المنار» كان جامعة واسعة من جامعات الفقه الإسلامي، تنتظم القراء من شعوب كثيرة في الشرق والغرب بين طلابها ومريديها، ولا نعرف جامعة أخرى في الثلاثين سنة الأخيرة علَّمت قراء المسلمين خيرًا مما علَّمهم المنار، وأفادت السائلين والمستفتين أعظم من فائدة المنار. ومن راجع باب الأسئلة والفتاوى في تلك المجلة علم مبلغ الحاجة إليها والفائدة منها في مدى جيل طويل، كانت الحيرة فيه على أشدِّها بين عهد الجمود وعهد النهضة وأنصار القديم وأنصار الحديث.

فقد كان الغالب على الجامدين قبل خمسين سنة أنهم يتقيَّدون ويضاعفون قيودهم ولا يستريحون إلى تحطيم قيد من تلك القيود، وكأنما الحجْر والمنع والرهبة هي الأصل في كل شيء، وما جاز أو تطلَّق هو الشذوذ والاستثناء الذي يحتاج إلى حيلة في الشرع وترخيص من علمائه القابضين على زمامه، فكان من القراء من يسأل عن جواز المخترعات الحديثة والمطاعم والمشارب التي لا ضرر فيها، ولا معنى للسؤال عنها إلا أنها تخالف ما كان يأكله الناس في بلدٍ من البلدان أو زمنٍ من الأزمان. وكانت الدنيا عند هؤلاء السائلين أشبه بالفخ المنصوب، لا يدري المقبل عليه كيف يلمسه ولا كيف يتخطاه!

وفي هذا الجيل نشأ صاحب المنار، فكان له من العقل والإدراك ما يُريه أن الدين لا يكون ولا يتأتَّى أن يكون على هذا النحو الذي يتوهَّمه الجامدون، وأسعده الحظ بالسماع عن جمال الدين الأفغاني في صباه، ومصاحبة الأستاذ محمد عبده بعد ذلك، فانتفع ونفع، وقام بعهد التلمذة على هذين الرجلين العظيمين جهد المستطاع، ولعله كان أصبر تلاميذهما على المتابعة والمثابرة والاستقلال بعد ذلك في نهج الهداية والإصلاح.

ونعتقد أن الشيخ رشيدًا — رحمه الله — كان أقدر رجل في زمانه على كشف الشبهات وحل المشكلات التي تُساوِر عقول الأوساط من المتعلمين قراء الفقه والدين، فكانت ردوده على أسئلة هذه الطبقة قامعة للشك جالية للغموض، وكانت براعته في تفسير الآيات والأحاديث ومراجعه الوافرة في علم الفقه والتفسير وافية بالمقصود عند سائليه أتمَّ الوفاء، فإذا بدا عليه الضعف أحيانًا فإنما يبدو عليه حينما يعترضه سؤال سائل أعلم من هذه الطبقة توحي إليه به شبهات أعظم من تلك الشبهات، هنالك ينتهي أمد الشيخ رشيد فيسكت أو يخوض في حديث قلما يقنع وقلما ينفع لأنه لا ينم على فهم للمشكلة التي يتعرض لها بالحل والتأويل.

وضعفه هذا لا يرجع إلى قلة العلم كما يرجع إلى قلة الإلمام بالنفسيات ومسالك العواطف والشعور؛ فلما كان في الهند عرضوا عليه هناك شجرة يقدسها البراهمة ويقرِّبون إليها القرابين، فذهب يناقشهم في عقيدتهم كأنهم يعتقدون أن الشجرة إله خلقهم وخلق الحيوان والنبات وقدر الحظوظ والأرزاق، وظن أنه كشف لهم سخف ما اعتقدوه، ولم يبقَ إلا العجب منهم كيف لم يُقلِعوا عن هذا السخف الزري المرذول.

أما الحقيقة فهي أن الهنديين لا يشعرون بالقداسة هذا الشعور، ولا يتصلون بأربابهم صلة المخلوق بالخالق. ولكنهم يشعرون بالأشياء عامة كأنها مظاهر للربوبية تشملها القداسة وتتراءى فيها حياة الوجود أو وحدة الوجود؛ فالشجرة والنبات والجماد والحيوان لا تتمثل لهم مقدسة محبوبة لأنها تخلقهم وتُجري عليهم أرزاقهم وتبرم وتنقض في مقاديرهم، ولكنها تتمثل لهم كذلك لأنها مثال من سر العظمة الإلهية، كأنها خطاب الملك المحبوب تتلقاه الرعية بالتبجيل والطاعة، ويلثمونه بالأفواه، ويرفعونه على الرءوس لأنه خطاب الملك، لا لأن الخطاب يملك ويحكم ويعرف من يعصي ومن يُطيع.

فمن أراد أن يهدي هؤلاء الهنديين كأنما يسلك الطريق الذي يأتيهم منه الخطأ، فإذا هو يسلك الطريق الذي يأتيهم منه الصواب، وعليه أن يعرف قبل ذلك كيف يشعرون بالدنيا، وكيف يشعرون بالقداسة حتى يُفلِح في مناقشة ذاك الشعور وفي إقناعهم بما يهديهم إليه.

وقد يفوته إدراك النفسيات فيما هو دون ذلك من مواقف الهداية والإصلاح؛ فقد حدث مرة أنه زار منزل الشيخ عبد الرحيم الدمرداش بضاحية العباسية وهو في صحبة الأستاذ الإمام، فجلس بعد الصلاة يَعِظ المصلين في المسجد القريب، واختار للموعظة حديث الأولياء وأصحاب الأضرحة والمساجد التي يقيمها لهم الأبناء أو المريدون، فما هو إلا أن هدأ الأستاذ الإمام وأصحابه في مجلسهم بمنزل الشيخ الدمرداش حتى تعالى الضجيج من جانب المسجد، وازدحم الناس وهم يصخبون ويلعنون، وأرسل صاحب المنزل يسأل عن جلية الخبر، فإذا بهم غاضبون على الشيخ رشيد يهمُّون أن يبطشوا به لأنه ازدرى أمامهم الضريح وصاحب الضريح والقائم بعده على ولاية الضريح، وكلهم أتباع طريقته وخدام خليفته، وآخر من يقبل الأغلاط في القول لصاحب ذلك الضريح خاصة ومن يشبهه من الأولياء. وغير تلك الموعظة — ولا شك — كان أولى بالمقام وأولى بالسامعين، فإن لم يكن بد منها فغير ذلك الكلام، وغير تلك المجابهة التي لا تَهدي ولا تُرضي ولا تُريح.

ولهذا وما إليه كان الشيخ رشيد مصلحًا بالكتابة والتعليم على البعد، ولم يكن مصلحًا بوحي الحضور أو بروح الشخصية كما كان جمال الدين ومحمد عبده ودعاة هذا القبيل.

ولولا أن التأبين تقدير للرجل وما عليه لسكتنا عن هذا الاستطراد الذي لا بد منه لذلك التقدير، فالشيخ رشيد قد أفاد فائدة عظيمة لا نكران لها، وهو من أجلها جدير بالذكر والثناء، ولكن لو كان الغرض من التأبين أن يقال عن كل إنسان إنه أفاد كل فائدة لبطل معناه ولحق بالقول الجزاف الضائع في الهواء، وقد شبع الشرقيون من القول الجزاف حتى اكتظُّوا به كظة لا يحمد معها مزيد، ولن يفيد الرجال إلا حيث تعرف موازين الرجال؛ فلنعرف للرجل حقه ننصفه وننصف التاريخ. فما يبخس العاملين حقوقهم في الواقع إلا أولئك الذين يرون ما عملوه قليلًا لا يكفي للثناء والتقدير، فيزيدون عليه ما لم يعملوه وما لم يستحقوه، وهذا هو البخس بعينه ونقص التقدير في أنقص معانيه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.