وسؤال آخر لا بد من إلقائه، ومن إطالة الوقوف عنده والتفكير فيه، وهو: ما بال أدبائنا لا يُعْنَوْنَ بفن التمثيل، ولا يُقبِلون عليه؟ وما بال الذين يُقبلون منهم على هذا الفن لا يُوفَّقون فيه إلى الإجادة، ولا يظفرون فيه بالإتقان؟

فأمَّا أنَّ أدباءنا لا يُعنَون بالتمثيل ولا يُقبلون عليه فشيء واضح محقَّق ليس إلى الشَّكِّ فيه من سبيل. فأنت قادر إنْ شئت على أن تُحصي الأدباء المصريين الذين هَمُّوا بالإنتاج في فن التمثيل فلن تبلغ بهم خمسة، ولعلك لا تتجاوز بهم ثلاثة. وأمَّا أنَّهم حين أقبلوا على فن التمثيل لم يُوفَّقوا إلى الإجادة كلها، ولا إلى الإتقان كله، بحيث نستطيع أن نقول إنَّ فنَّ التمثيل لم يوجد بعدُ كما ينبغي في الأدب العربي؛ فذلك شيء لا يحتاج إثباته إلى مشقة ولا عناء. فحدِّثني عن القصة التمثيلية العربية الرائعة التي عرضت على النَّاس ففُتِنُوا بها وتهالكوا عليها وألَحُّوا في استمرار عرضها، وأَلَحُّوا كذلك في الاختلاف إليها، وآمنت عامتهم بأنَّها تجد فيها متاعًا ولذة، وآمنت خاصتهم بأنَّها تجد فيها كل ما ينبغي من الخصائص والشروط التي تجعل القصة التمثيلية قصةً تمثيلية حقًّا خليقة بالحياة وطول البقاء.

وهنا لا تستطيع أن تنسى شوقي — رحمه الله — فقد أقبل على التمثيل في آخر أيامه، وفتح للشعراء بابًا لم يكونوا قد ولَجوه من قبلُ، وقدَّم إلى الملاعب طائفة من القصص التمثيلية الشعرية في موضوعات مختلفة، منها العربي، ومنها المصري الروماني، ومنها المصري الفارسي، ومنها غير ذلك من هذه القصص التي شهدها الناس وقرءوها وأُعجبوا بها حينًا ثم أعرضوا عنها إعراضًا، ومن الجحود والظلم أن يُنكَر فضل شوقي في هذا الباب؛ فليس قليلًا أن يُقدِم شاعر على ما لم يُقدِم عليه الشعراء من قبلُ، وأن يُوفَّق من الإجادة في ذلك إلى حَظٍّ لا بأس به، ولكن من الإسراف والظلم أيضًا أن يُقال إنَّ هذه القصص التمثيلية الشعرية التي أنشأها شوقي — رحمه الله — قد أرضت حاجة فن التمثيل، وقاربت مُثُلَه العليا، إنَّما كانت محاولة قيمة خصبة لا بأس بها، لولا أنَّ الشَّاعر أقبل عليها بعد أنْ أدركه الضعف، ونال منه الإعياء، وهذه أيضًا حَسنة من حسنات شوقي تثبت أنَّه لم يفتر ولم يكِلَّ عن الإنتاج، بل عن الإنتاج الشاقِّ العنيف إلى آخر لحظة من لحظات حياته، وإذا كانت هناك لائمة ينبغي أن تُساق إلى أحد فهي لا تساق إلى شوقي — رحمه الله — وإنما تُساق إلى غيره من الأدباء الذين كان لهم من القوة والنشاط وسعة الثقافة وعُمقها وتنوُّعها ما لم يكن لشوقي، والذين لم يُقبلوا مع ذلك على فَنِّ التمثيل قبل أن يُقبل عليه شوقي، ولم يُحاولوا العناية به بعد أن فتح لهم شوقي هذا الباب. ومهما يكن من شيء فقد كانت قصص شوقي غناءً شعريًّا جميلًا في أكثر الأحيان، ولكنَّها لم تكن تمثيلًا بالمعنى الفني الدقيق لهذه الكلمة.

وكذلك لا تستطيع أن تبلغ هذه المنزلة من التفكير دون أن تذكر هاتين القصتين الرائعتين اللتين وضعهما توفيق الحكيم وأخرجهما للنَّاس في هذه الأشهر الأخيرة، وهما: «أهل الكهف» و«شهرزاد»، وقد بينت رأيي في الأولى، ولعلي أُبيِّن رأيي في الثانية قريبًا. وهما على كل حال من أجمل ما أخرج للنَّاس في هذا العصر الأدبي الحديث، ولكنهما قصتان تُقرآن فتُحدِثان في نفس القارئ فنونًا من اللذة والرضى، على أن يكون القارئ مثقَّفًا واسع الثقافة مستنيرًا عظيم الحظ من المحصول الأدبي والفني. فإذا قُدِّمَتا إلى الملعب وعُرِضَتا على النظارة فلست أدري كيف يكون حالهما، ولا إلى أي مصير تنتهيان. ومصدر هذا ارتفاعهما عن جمهور النظارة من جهة، وتجاوُزُهما — أو تجاوُز إحداهما على الأقل؛ أهل الكهف — لبعض الحدود الفنية الدقيقة في التمثيل.

وإذن فلم توجد القصة التمثيلية التي إذا قُدِّمت إلى الملعب، وعُرِضَتْ على النظارة أرضت حاجة الأدب والملعب، وحققت وجود التمثيل في الأدب العربي الحديث؛ وإذن فقد يكون من الخير أن نتبيَّن السبب الذي حال بين الأدب العربي الحديث وبين الظفر بفن التمثيل.

ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في اللغة العربية عن احتمال هذا الفن وتأدية رسالته إلى الناس كما يقولون، فهذا كلام لا يُغني. وما دامت اللغة العربية قد وسِعت ما تُرجم إليها من التمثيل الأجنبي، وما دام الشعر العربي قد وسِع ما حاول شوقي أن يحمله من التمثيل، وما دام النثر العربي قد وسِع ما أراد توفيق الحكيم أن يحمله من التمثيل؛ فمِنَ السُّخف أن تُتَّهم اللغة العربية بالعجز أو القصور أو الضيق عن احتمال هذا الفن.

ومن المحقق أنَّ أممًا أخرى لم يكُن لها عهد بالتمثيل، ولكنَّها رأت اليونان يُمثِّلون فحاولت تقليدهم فوُفِّقَت، وجعلت التمثيل فنًّا من فنونها، وبرعت فيه إلى حدٍّ بعيد. فليكن أمرنا كأمر هذه الأمم نحاول التمثيل مُقلِّدين، ثم لا نلبث أن نثبت شخصيتنا المبتكرة فيه.

ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في الطبيعة المصرية نفسها عن احتمال أثقال التمثيل؛ فالمصريون معروفون بأنَّهم أبرع النَّاس فيما تحتاج إليه إجادة التمثيل من التقليد والمحاكاة، ومن الحركات التي تختلف خِفَّةً وعنقًا، ومن إظهار العواطف الخفية، وإخفاء العواطف الظاهرة. والمصري في الشارع ممثِّل دائمًا حين يختصم وحين يلهو، وحين يحاور وحين يشتري أو يبيع، ولعل أوَّل أثر تتركه شوارع القاهرة والإسكندرية في نفس الأوروبيين هو أنَّ المصري ممثِّل بالطبع، وما لنا نذهب بعيدًا وقد أردنا تقليد الأوروبيين في حياتنا العامة كلها فلم نجِد في ذلك مشقَّة ولا جهد حتى خدعنا الأوروبيين عن أنفسهم وعن أنفسنا، وأقنعنا كثيرًا منهم، وخيَّلنا إليهم كلهم أننا قد أصبحنا مثلهم في كل شيء.

نحن إذن ممثِّلون بالطبع، وممثلون بارعون، ولغتنا قادرة على احتمال أعباء التمثيل، والنهوض بأثقاله، والنفاذ إلى أسراره ودقائقه. فما الذي يحول بين أدبائنا وبين العناية بالتمثيل؟ وما الذي يمنعهم من الإجادة فيه إن حاولوه؟ شيئان لا ثالث لهما فيما أظن، شيئان ستجدهما دائمًا كلما التمست الأسباب لمظهر من مظاهر الضعف في حياتنا الأدبية والفنية، وهما: ضآلة حظِّنا من الثقافة، وضآلة حظنا من الحرية. فنحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن يجب أن نعرف ما ينبغي أن نقلِّد، يجب أن ندرس فنَّ التمثيل كما عرفتْه الأمم الأخرى في عصورها القديمة والحديثة. يجب أن نتقن هذا الفن، ونحسن العلم بأسراره وأطواره وفنونه المختلفة. يجب أن تدرَّس لنا آيات التمثيل دراسة واسعة عميقة دقيقة تُظهرنا على ما فيه من الجمال، وتُحبِّب إلينا هذا الجمال، وتدفعنا إلى تقليده ومحاكاته، ونقل روائعه إلى لغتنا العربية، فأين يُدرَّس التمثيل في مصر؟ وأين تُدَرَّس الآداب التمثيلية في مصر؟ وأين الأديب الذي يستطيع أن يقول إنه قد ظفر بثقافة أدبية تمثيلية واسعة حقًّا؟ ثم أين النظارة التي تُلِمُّ بما ينبغي أن يُلِمَّ به المثقَّف العادي من أمور التمثيل؟ ونحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن على أن يباح لنا التقليد فيما لا حظر منه على القانون أو النظام الاجتماعي، فهل يستمتع أدباؤنا بهذه الحرية الأدبية الفنية التي تبيح لهم أن يعرضوا لما يشاءون من الموضوعات، ينشِئون فيه القصص التمثيلية ويقدمونها إلى الملعب وقد تناولوا فيها ما أرادوا من فنون الحياة العامة والخاصة بالنقد والتحليل؟ كلا. ليس لأدبائنا هذا الحظ من الحرية، وإنما هم مقيَّدون بقيود وأغلال ثقال، منها المراقبة الرسمية التي لا تُبيحُ من ذلك إلا ما يرضيها هي، ومنها المراقبة الشعبية التي لا تُبيح من ذلك إلا ما يُرضي ذوقها الخاص، ومنها ألوان أخرى من المراقبة من الخير ألَّا نعرض لها الآن. وما أحسب الناس إلا يعرفونها حَقَّ المعرفة، وإذا حُرِمْنَا الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فليس الغريب أننا لا نُعنى بالتمثيل، وأننا لا ننتج فيه، وإنَّما الغريب أن نُعنَى به مثل ما عُنِينَا به إلى الآن، وأن ننتج فيه مثل ما أنتجنا إلى الآن.

ستقول: ومن الملوم على حرمان المصريين ما ينبغي لهم في الفن والأدب من الثقافة والحرية؟

والجواب يسير؛ فليس هناك اثنان ملومان، وإنَّما هناك مقصِّر واحد ومَلُوم واحد وهو الدولة؛ لأنَّ الدولة في مصر قد استأثرت إنْ خطأً أو صوابًا بالثقافة والحرية توزعهما على النَّاس متى شاءت وكيف شاءت، وبالمقدار الذي يرضيها، فإذا شكا المصريون من أنَّ حظَّهم من الثقافة ضئيل فهم إنَّما يشكُون بخل الدولة عليهم بحقهم من الثقافة، وإذا شكا المصريون من أنَّ حظهم من الحرية ضئيل فهم إنَّما يشكُون بُخل الدولة عليهم بالحرية، وقد أراد الله ألَّا يأخذ المصريون حاجتهم من الدولة قسرًا، وإنَّما يتقاضونها ما يريدون بالطلب والإلحاح والغُلُوِّ في الإلحاح، فتُعطي حينًا وتمنع أحيانًا. ومهما يكن من شيء فإنَّ نشأة التمثيل — وأريد التمثيل الصحيح الذي يستحق هذا الاسم — نشأة التمثيل في الأدب العربي الحديث ضرورة من ضرورات الحياة المصرية الحديثة؛ لأنَّ المصريين — مع الأسف أو مع السرور — قد أصبحوا شعبًا لا يقنع بالحياة المادية والترف المادي، وإنَّما يُريدون حياة عقلية وترفًا عقليًّا. والتمثيل من مقومات الحياة العقلية والترف العقلي، فليس للمصريين منه بُدٌّ، وليس للمصريين سبيل إليه إلا أن يظفروا بحقهم من الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فلينظر المصريون كيف يظفرون منهما بما يريدون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.