هذه هي الدعوة الثانية من الهند في هذا الموضوع، وهو موضوع الإسلام وأحكامه التي تتكفل للعالم بنظامٍ شاملٍ يحلُّ معضلاته، ويُوثق الروابط بين أُمَمِهِ، ويبسط فيه الطمأنينة والسلام.

وقد كتبت في الرسالة عن الدعوة الأولى لصاحبها المُلَّا محمد علي، الكاتب الهندي المشهور ومترجم القرآن إلى اللغة الإنجليزية.

وهذه الدعوة الثانية هي خطابٌ ألقاه ميرزا بشير الدين محمود أحمد في الاجتماع السنوي للجماعة الأحمدية بقاديان سنة ١٩٤٢، ثم تُرجم إلى اللغة الإنجليزية، وعُنِيت الجماعة بنشره قبل بضعة شهور.

ويبدو من مُطالعةِ هذا الخطاب أن صاحبه يُوجِّه النظامَ العالمي إلى حلِّ مشكلة الفقر، أو مشكلة الثروة وتوزيعها بين أمم العالم وأفراده، وأنه — بغير شك — على اطِّلاعٍ وافٍ مُحيط بالأنظمة الحديثة التي عُولجت بها هذه المشكلة، وهي نظام الفاشية، ونظام النازية، ونظام الشيوعية، وبعض النُّظم الديمقراطية.

ولكنه يعتقد — بحقٍّ — أن المشكلة لا تُحلُّ على أيدي الساسة وزعماء الأحزاب والحكومات، وأنه لا مناص من القوة الروحية في حلِّ أمثال هذه المشكلات؛ لأن الحلَّ الشاملَ لكلِّ مشكلة إنسانية عامة يتناول الإنسان كله، ولا يهمل فيه الباعث الأكبر على الطمأنينة والحماسة للخير والصلاح، وهو باعث العقيدة والإيمان.

وقد عَرَض للأديان الكبرى القائمة في الهند خاصة، والعالم عامة، من حيث علاقتها بهذه المشكلة، وتدبير الحلول التي تُزوِّدُ العَالَمَ بنظامٍ جديدٍ أفضل من نظامه المغضوب عليه، فأتى بالأدلة الكثيرة على انفراد الإسلام بينها بمزية الإصلاح، وتعميمه بين جميع الأجناس والطبقات فيما مضى، وفي هذا الزمن الحديث.

فالديانات الهندية تُعلِّمُ الإنسانَ أن تفاوت الطبقات قضاء من الأزل لا نَجاة منه لمخلوق؛ لأن الأرواح تنتقل من جسدٍ إلى جسدٍ جَزاءً لها على ما جَنَتْ في حياتِها السابقةِ من السَّيِّئَاتِ والذنوب، فهي تخرج إلى الدنيا بنصيبٍ محتومٍ لا يَقبَل التبديل، ولا يَحْسُنُ تبديله إذا استُطيع — ولن يُستطاع — لأنه هو سبيل التكفير والارتفاع من حياةٍ إلى حياة.

وقد جاء في قوانين مانو: «إن الفرد من طبقة السودرا لا يجمع الثراء ولو قدر عليه؛ لأن ثراءَه يؤلم نفوس البرهميين.» فإذا ادَّخر بعض المال لحاجاته التي تزيد على القوت والكساء حقَّ للحكومة أن تُجرده من ماله، وتتركه للفاقة والكفاف، وهكذا تقوم الفواصل بين الطبقات المختلفة، وهي طبقات البرهمان والكشاتريا والفاشيا والسودرا، وهُم أخسُّ الطبقات.

وتقضي القوانين البرهمية بسداد الديون بالعمل إذا كان الدَّائن والمَدِين من طبقةٍ واحدةٍ. فأمَّا إذا كان المَدين من طبقة أعلى من طبقةِ الدَّائن، فلا سداد إلا بالنقد أو العين متى تيسَّر، ولا إلزام بالسداد قبل التيسير.

وتجب التفرقة بين الإخوة في حقوق الميراث إذا اختلفتْ أُمَّهَاتُهم في الطبقة الاجتماعية، فيقسم الميراث كله إلى عشر حصص متساوية، ويُعطى ابن البرهمانية أربعًا، وابن الكشاترية ثلاثًا، وابن الفاشية اثنتين، وابن السودرا حصة واحدة على قدر ما يجوز له من الثراء.

ومن حقِّ البرهمان أن يستولي على مِلك خادمه من السودرا؛ لأنه وما يملك في طاعة مولاه.

فإذا كان الإصلاح العالمي محتاجًا إلى حماسة العقيدة، وكانت هذه عقيدة المؤمنين بالديانات الهندية، فلا رجاء فيها لعلاج مشكلة الفقر وإنصاف الطبقات المظلومة والتقريب بين الناس في حظوظ الحياة.

أمَّا الإسرائيلية، فهي بأحكامها المنصوص عليها في كتاب العهد القديم تخص اليهود، ولا تعم الأمم جميعًا بالمساواة، فحرام على اليهودي أن يُقرض يهوديًّا بالربا، ولا يحرم عليه أن يتقاضى الربا المضاعف من أبناء الأمم الأخرى. ولا يجوز استرقاق اليهودي طول حياته، ولا تزيد مدته في الرق على سبع سنوات، ولكن استرقاق العبيد في الأمم الأخرى جائز في كل حال ولا حرج عليه.

وفي الإصحاح العشرين من سِفرِ التثنية، يقول العهدُ القديم لشعب إسرائيل: «حين تَقْرُب من مدينةٍ لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك؛ فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُستَعْبَد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا؛ فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك؛ فاضرب جميع ذكورها بحدِّ السيف. وأمَّا النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كلُّ غنيمتها، فتغنمها لنفسك … وأمَّا مدن هذه الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا؛ فلا تستق منها نسمة ما …»

هذه هي حدود المعاملة بين المؤمنين بالعهد القديم وسائر بني الإنسان، فإذا سادت هذه المبادئ فالأمم كلها عبيد مُسخَّرة، وأبناء إسرائيل وحدهم هم أصحاب السيادة والثراء.

والمسيحية كما هو معلوم لم تعرض لمسائل القانون ومسائل السياسة أو الاجتماع؛ ولهذا كانت دعوتها إلى السلام من الدعوات التي تصطدم بالواقع، وتتمخض عن حروب لا تنقطع، وحزازات بين الطبقات لا يهدأ لها أوار، كما نرى في تاريخ أوروبا الحديث والقديم.

لكن الإسلام يتناول مسائل الاجتماع ومسائل العلاقات بين المحاربين والمسالمين، فالمسلم يُقاتل إذا ظُلم وأُخرج من دِيَارِه، ويأمره كتابُه إذا ملك الأرض أن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر: () (الحج: ٣٩–٤١).

ولا يجيز الإسلام للنبي أن يكون له أسرى: () (الأنفال: ٦٧).

ثم هو يُستحب للمسلم المن أو الفداء: () (محمد: ٤).

ومن بقي في الأَسْرِ وطلب المُكاتبة فقبول طلبه واجبٌ على مولاه: () (النور: ٣٣).

ولا مطمع في معاملة بين الشعوب المتعادية أعدل من هذه المعاملة وأقرب منها إلى إزالة العداء والبغضاء. فأما المعاملة بين المسالمين فهي كفيلة بإنصاف جميع الطبقات؛ لأن الناس يتفاضلون بالأعمال الصالحة، ولا يتفاضلون بالمظاهر والأنساب.

وينكر الإسلام الجور في توزيع الثروة، فلا يجيز لأحد أن يكنز الذهب والفضة قناطير مقنطرة، ومَن جمع مالًا وجب عليه أن يؤدي زكاته للفقراء والمساكين ومصالح الجماعة بأسرها، وعليه أن يُعين من يطلب منه العون قرضًا حسنًا لا مضاعفة فيه للربا، ولا تجاوُز فيه لمكاسب البيع والشراء، فلا تطفيف للكيل، ولا مغالاة بالربح، ولا ممالسة ولا خداع، وكلٌّ يُجزى بعمله وسعيه دون إيثار لأحد على أحد في خيرات الأرض جميعًا: () (البقرة: ٣٩)؛ فلا يزعمن إنسانٌ أو جمعٌ من الناس أنه أحق بالأرض مِن سواه.

فالنظام العالمي لا يعتمد على عقيدة أصلح لتعميمها وحض النفوس عليها من العقيدة الإسلامية. وقد أجاز الإسلام الوصية، وَنَدَبَ لها المسلمين في بعض الحالات، فإن قصرت موارد الزكاة فموارد الوصية لا تضيق بما يُطلب منها؛ لأنها تشمل جميع الأموال والعروض. وقد حثَّ «الميرزا أحمد القادياني» أتباعه على التوصية بمقدار من ثرواتهم يتراوح بين عُشرها وثُلثها للإنفاق منها على الدعوة والإصلاح.

ولم يُقْصِر المؤلفُ — أو صاحب الخطاب — مقابلاته ومقارناته على العقائد الدينية، التي أجملنا الإشارة إليها فيما أسلفناه، ولكنه خصَّها بالعناية؛ لأن العقيدة — كما قال — هي أمل الإصلاح الوحيد، ونظر معها إلى النظم السياسية أو الاجتماعية، فإذا هي قاصرة عن بغيتها من الوجهة العملية والوجهة الروحية على السواء.

فالفاشية — ومثلها النازية — لا تؤسس نظامًا عالميًّا مكفول الدوام؛ لأنها تقوم على تفضيل الجنس والعصبية القومية، فلا مكان فيها لأمم العالم غير الخضوع والتسليم للجنس الذي يزعمون له حق السيادة والرجحان.

والشيوعية تعطل البواعث الفردية، وتسلب النفس حوافز الاجتهاد، وتجعل الحياة مادة في مادة لا يتخللها قَبَسٌ من عَالَم الروح، وتأخذ للدولة كل ما زاد من ثمرات الأفراد، ولم تفلح مع هذا في إنصاف العاملين؛ لأن السادة في روسيا الشيوعية طبقات فوق طبقات في الترف والمتاع. وقد روى الصحفيون أن وليمة الدولة للمستر ويلكي مُدت فيها ستون صفحة من ألوان الطعام، فهل يجعلون هذه المائدة مثلًا يقتدي به المقتدون؟! أو هي بذخ مقصور على فريق من الضيوف دون فريق؟!

***

والترجمة الإنجليزية التي اشتملت على تفصيل هذه الخلاصة تقع في مائة صفحة من القطع المتوسط وبعض صفحات، ونحسبها صيحةً لا تذهب في الهواء إذا انتشرت بين قُرَّاء الإنجليزية الأوروبيين والأمريكيين؛ بل الهنديين والشرقيين، ولكننا نقرأ فيها أن مؤلفها يُلقب بأمير المؤمنين، وأنه الخليفة الثاني للمسيح الموعود.

ومعنى ذلك أنه من فريق القاديانية الذين يدينون برسالة «مسيحية» أو مهدية للقادياني، ولا يكتفون له بوصف الاجتهاد كما اكتفى المولى محمد علي وأصحابه من الهنود المسلمين. فنعجب لهذه الألقاب التي تحيط الدعوة بين المسلمين أنفسهم بأسباب الحبوط والإنكار، ونسأل: ما هو موضع هذه المسيحية الجديدة أو هذه الخلافة إذا كانت الحُجج التي ساقها المؤلفُ كلها من المراجع الإسلامية الأولى، ولا زيادة عليها من وحي جديد؟!

فخيرٌ للدعوة أن تُقصِيَ عنها هذه الألقاب التي لا تزيدها قوة، وتأخذ منها كثيرًا من قوتها بين المسلمين أنفسهم، فضلًا عن غير المسلمين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.