لستُ أدري أقلق هذا الذي يبعث بنفس رئيس الوزراء وزملائه، أم هو شيء آخَر أكثر من القلق وأشد منه هزًّا للنفوس، وخلعًا للقلوب، وتشريدًا للعقول والألباب؟ ولستُ أدري أيصدر هذا القلق، أو هذا الفزع، أو هذا الجزع، عن ضعف في أعصاب الوزراء بعد أن ألحت عليهم الحوادث المضنية، وتعاقَبَتْ عليهم الأنباء المخيفة؟ أم هو يصدر عن تقدير صحيح لموقف الوزارة، واضطرابها المنكر بين اليأس والرجاء؟ ولكن الشيء الذي لا شك فيه، هو أن الوزارة في هذه الأيام شديدة القلق إلى حدِّ اليأس، وأن الوزراء في هذه الأيام لا يبتسمون للحياة السياسية، كما أن الحياة السياسية لا تبتسم لهم، ولا ينظرون إلى المستقبل القريب مطمئنين، كما أن المستقبل لا يبتهج بقدومهم عليه، ودخولهم فيه، إنما هو يغلق أبوابه في وجوههم قليلًا قليلًا، ويوشك أن يُحكِم إغلاقها حتى لا ينفذ منها النسيم!

أخطأت الأهرام منذ أيام فنشرت رسالة برقية كانت موجَّهَة للبلاغ، وفسَّرتها بما تعلم من حقائق الأشياء، وبما تأمل من ألوان الخيال، ولم تكد تظهر الأهرام بالرسالة وتفسيرها، حتى اضطرب الوزراء والمستوزرون، أولئك هدهم الخوف، وهؤلاء أحياهم الرجاء، أولئك رأوا بيوتهم تستقبلهم فَرِحة مَرِحة، راضية مبتسمة لهم هذه الابتسامة الصفراء التي تبتسمها دائمًا مكاتبُ الوزراء للوزراء، حين يُقبِلون عليها لأول عهدهم بالحكم، وتدل بها على معانٍ كثيرة أظهرها وأوضحها هذا المعنى الذي لا يفطن له وزير، والذي يجب أن يفطن الوزراء جميعًا له، وهو أن النهوض بالحكم ليس تخليدًا فيه، وأن الابتسام للحكم إنما هو مقدمة سيتبعها العبوس للاستقالة، ولكن الإنسان مغرور وغروره يلهيه عن الحقائق الواقعة، ويغمر قلبه بالآمال الكاذبة، ويفسد عليه أعماله، ويلهيه عن واجبه، ويورِّطه في كثير من الشر، كان يستطيع أن يبرأ منه، لو قدر أنه حين يدخل مكتب الوزير زائر لا مقيم.

جزع الوزراء لنبأ الأهرام، وكان رئيسهم أشدهم جزعًا، فلم يكد يتصل به النبأ، حتى خفَّ وكان ثقيلًا، وحتى نشط وكان فاترًا، وحتى أسرع إلى التليفون فهزَّ الهواء بين القاهرة ولندرة هزًّا كهربائيًّا عنيفًا، يلائم هذه الهزات التي أحدثها نبأ الأهرام في نفسه! وأزعج وزيرنا في لندرة، وكلَّفَه حركة ونشاطًا، وسعيًا واضطرابًا، وبحثًا واستقصاءً، فتحرك وزيرنا واضطرب، وسعى وزيرنا ونشط، وبحث وزيرنا واستقصى، ثم عاد إلى التليفون فهزَّ الهواء مرةً أخرى بين لندرة والقاهرة، هزًّا فيه شيء من السخرية وفيه شيء من اليأس الحزين.

وتحدَّثَ رئيس وزرائنا بعد ذلك إلى الصحف ليهدِّئ الناس، ويؤمن الأنصار، فنشرت الشعب حديثه وَجِلة مذعورة! ونشرت الأهرام حديثه متحدية متصدية! وأحس الناس وجل الشعب، وذاق الناس تحدِّي الأهرام، فألحَّ الخائفون في الخوف، وألحَّ الراجون في الرجاء، والظاهر أن الوزراء لم يملكوا أنفسهم، ولم يستطيعوا أن يقروا قلوبهم في صدورهم، فسألوا رئيسهم حين اجتمعوا إليه يوم الخميس، وتحدَّثَ إليهم رئيسهم في هذا الاجتماع كما تقول الأهرام صباح اليوم، حديثًا لعله هدَّأ من روعهم بعض الشيء، وسرَّى عن نفوسهم بعض التسرية، ثم لم ينقضِ ليل ولم يطلع نهار، حتى جاءت الأنباء البرقية إلى الصحف عامةً، بنصيحة المورننج بوست إلى رئيس الوزراء، وإلحاحها عليه في أن يستريح! فاشتدَّ خوف الخائفين، وعظم رجاء الراجين، ولم يَبْقَ بدٌّ من إذاعة الحديث الذي كان بين الوزراء ورئيسهم في اجتماع الخميس، لعله يخفِّف لوعة الملتاعين من الأنصار، ويلقي شيئًا من الكآبة على آمال المؤملين من عشَّاق الحكم، والمتلهفين على المناصب، ولكنَّا نؤكِّد للذين أذاعوا هذا الحديث في الأهرام، أو أوعزوا بإذاعته، أنه لم يخفِّف لوعةً، ولم يهدِّئ روعةً، وأنه لم يبعث على آمال المؤملين كآبة ولا تقطيبًا، ذلك أن هذا الحديث، كما نشرته الأهرام أشبه شيء بهذه التعلات التي تُقدَّم إلى الجائع ليصبر على الجوع، وإلى الظمآن ليحتمل الظمأ، وإلى الخائف ليأمن بعض الأمن، ولكنها على كل حال تَعِلَّة لا تُشبِع جائعًا، ولا تنقع صاديًا، ولا تؤمن خائفًا مذعورًا.

زعم رئيس الوزراء لزملائه، أن الأنباء التي أنبأه بها وزيرنا في لندن، تدل على أن المندوب السامي عائد إلى مصر، فمقيم فيها غير منقول منها، وأكبر الظن أن هذا النبأ لم يَكَدْ يقع في قلوب الوزراء، حتى برقت أساريرهم، وانبعثت من صدورهم تنهُّدات مريحة، ولكنهم لم يفكِّروا في أن بقاء المندوب السامي إن صحَّ، لا يستلزم بقاء الوزارات، فصداقة المندوبين السامين في السياسة ليست ثابتةً ولا مطمئنةً، ولم يفكِّروا في أن تغيير الأعوان الذين يعمل معهم المندوب السامي في القاهرة، يجب أن يدل على شيء، ومن الراجح جدًّا أن هذا الشيء ليس مما يحب الوزراء، أو ليس مما يطيق الوزراء أن يفكِّروا فيه.

وزعم رئيس الوزراء لزملائه أن اللجنة الإنجليزية المصرية لم تنجح فيما أرادت أن تحمل الحكومة الإنجليزية عليه، من تغيير السياسة البريطانية في مصر، ومن توجيه هذه السياسة إلى تغيير النظام القائم؛ لأنه لم يحقِّق ما كان ينتظر من العدل والإنصاف، ولم يظفر بتأييد الكثرة المصرية له، أو ميلها إليه.

ولكن رئيس الوزراء وزملاءه لم يفكِّروا في أن الأهرام ستنشر لهم هذا الكلام، وستضيف إليه تعليقًا ظريفًا، وتفسيرًا طريفًا، وهو أن اللجنة قد ألَّفَتْ وفدًا منها ليلقى وزير الخارجية البريطانية، ويرفع إليه رأيها في شئون مصر، وأن هذا الوفد لم يَلْقَ وزير الخارجية بعدُ، ومعنى ذلك عند الأذكياء والأغبياء جميعًا، أن من التسرُّع وتعجُّل الأمور، أن يقال إن هذه اللجنة لم تنجح، وإنما يقال ذلك بعد أن يتم اللقاء بين الوفد والوزير، وتظهر نتيجة هذا اللقاء.

ولم يقدِّر رئيس الوزراء وزملاؤه أن الأهرام ستضيف إلى هذا التعليق الظريف تعليقًا آخَر ليس أقل منه ظرفًا، وهو أن المندوب السامي نفسه لم يظفر بلقاء وزير الخارجية بعدُ، ومعنى ذلك أن كل تنبؤ بنجاح خطة سياسية دون خطة، سابِق لأوانه كما يقولون، ومعنى ذلك أن شبح الخوف يجب أن يظلَّ قائمًا أمام الوزارة وأنصارها، وأن وجه الأمل يجب أن يظلَّ مشرقًا أمام المستوزرين!

أما المفاوضات والمحادثات، وأما الاتفاق والمعاهدة، فقد أَبَتِ الأهرام إلا أن تعرض لها تطوُّعًا منها، واحتسابًا لوجه اللَّه عزَّ وجلَّ! فأنبأتنا بأن الحكومة البريطانية كانت قد أذنَتْ في أول الشتاء بأن يبدأ الحديث بين رئيس الوزراء ودار المندوب السامي، حتى إذا انتهى إلى خير، بُدِئت المفاوضات، وبأن هذا الحديث كان قد بدأ بالفعل، ولكن ما أصاب الوزارة من أزمة بعد قصة البداري، لم يمكن من المضي فيه، وكلام الأهرام هذا تجديد للتحدِّي الذي تقدَّمَتْ به إلى رئيس الوزراء، والذي لم يستطع رئيس الوزراء أن يردَّ عليه، وسيقبل رئيس الوزراء هذا التحدي الجديد، وسيغضُّ الطَّرْفَ عنه، وما أكثر ما يغمض رئيس الوزراء عينه على بعض الأقذاء!

ونتيجة هذا كله لا تسر ولا ترضي ولا تلائم ما يحب المصريون أن يشعروا به، من أنهم كرام على أنفسهم؛ نبأ يأتي من إنجلترا فتُخلع له قلوب، وتبتهج له نفوس، ويختلف أولئك وهؤلاء في التعليل والتأويل، ويلحُّ أولئك وهؤلاء فيما يذهبون إليه من تعليل وتأويل، أولئك يخافون على ما في أيديهم، وهؤلاء يطمحون إلى ما ليس في أيديهم، أولئك يرتقبون المعونة من الإنجليز، وهؤلاء يلتمسون الأمل عند الإنجليز، أولئك وهؤلاء يلعبون بالورق، وموضوع لعبهم هو مصر، وأيهم ربح في اللعب نظر إلى مصر على أنها وسيلة لا غاية، وعلى أنها تكأة لا أكثر ولا أقل!

ليس هذا مما يسر، وليس هذا مما يُشعِر المصريين بكرامتهم وعزتهم، وليس هذا مما يقرِّب الأمد بين المصريين وبين الاستقلال الصحيح.

ما أجدر الذين يخافون أن يخافوا من مصر! وما أجدر الذين يرجون أن يرجوا الخير من مصر! وما أجدر أولئك وهؤلاء أن يعتمدوا على مصر وحدها، وأن ينفقوا ما ينفقون من جهد لتمكين مصر العزيزة الكريمة، من أن تظفر بحقها من الإنجليز الغاصبين! وما أجدر هذا القلق الذي يعبث بنفوس اليائسين والطامعين، أن يكون قلقًا على منفعة مصر واستقلالها، لا على الاحتفاظ بالحكم أو الوثوب إليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.