يكاد بريد اليوميات في هذا الأسبوع أن يدور حول «دور» واحد، وهو دور الأناشيد الوطنية. ويتفق أصحاب الرسائل على استغراب قول الأستاذ عبد الله شداد أن هذه الأناشيد كانت قليلة، أو معدومة قبل أن يتصدى لها بالتأليف والتلحين في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

ويشترك السادة «أحمد هجرسي وعلي عوني وحسن رأفت» في التذكير ببعض المراجع التي يلفتون إليها مسامع الأستاذ شداد لتصحيح سهوته في تاريخ هذه الأناشيد عامة، وفي علاقتها بالسيد درويش من وجهة خاصة.

ففي سيرة السيد درويش التي صدرت منذ شهرين يقول الدكتور محمود الحفني: «إنه لما ناهز الخامسة من عمره ألحقه والده بكُتَّاب حسن حلاوة، وهو غير بعيد من منزله، وهنا يبدو أن موهبة الطفل قد واتاها الحظ لأول مرة حين كُتب لها أن تجد في هذا الكُتاب مَن يُلقي عليها أول ضياء، فقد كان فيه مدرس يُدعى سامي أفندي له شغف بحفظ الأناشيد، وقد تعود أن يلقيها لتلاميذه الصغار. وما من شك في أنه لمس في تلميذه الصغير سيد درويش استعدادًا طيبًا لتلقي هذا النوع من الأغاني والألحان.»

إلى أن يقول: «ثم غادر سيد كُتاب حسن حلاوة إلى مدرسة في حي رأس التين عُرفت باسم شمس المدارس، وفي هذه المدرسة تُسعده المصادفة مرة ثانية بلقاء سامي أفندي معلمًا بها كما كان شأنه في كُتاب حسن حلاوة، ويحالفه التوفيق حين يجد ضابط هذه المدرسة نجيب أفندي فهمي مشغوفًا كذلك بتلقين تلاميذه ألوانًا من الأناشيد والمقطوعات الغنائية التي كانت تُعرف وقتئذٍ باسم السلامات …»

ويقول الزعيم الوطني الكبير محمد فريد في مقدمته لديوان وطنيتي: «إن الأمم المغلوبة على أمرها جعلت من أول مبادئها وضع القصائد الوطنية والأناشيد الحماسية باللغة الفصحى للطبقة المتعلمة، وباللغة العامية لطبقات الزُّراع والصناع وسواهم من العمال غير المتعلمين، فكان ذلك من أكبر العوامل على بث روح الوطنية بين جميع الطبقات. ويسرني أن هذه النهضة المباركة سرت في بلادنا فترك أغلب الشعراء نظم قصائد المديح للأمراء والحكام وصرفوا هممهم واستعملوا مواهبهم في وضع الأشعار الوطنية.»

مما يذكرون به الأستاذ عبد الله شداد هذا النشيد المدرسي:

يا أيها المصري قم

وخذ الحذار ولا تنم

وهذا النشيد الشعبي:

ألا أيها الشرق أين علاك

وأين المجد …

وهذا النشيد:

نحن للمجد نسير

ولنا الله نصير

وما أكثر أمثالها من الأناشيد التي كانت تتردد في مدارس القُطر من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.

والحق أن الأستاذ عبد الله شداد رفع الطبقة جدًّا في هذه السهوة المركبة التي يعز نظيرها على الكثيرين من المختصين؛ لأن السهوة البسيطة تنحرف عن الواقع درجة أو درجتين، أما هذه السهوة المركبة فقد دارت بالواقع كله من النقيض إلى النقيض؛ لأن الفترة التي جردها الأستاذ من الأناشيد كانت هي فترة الأناشيد في عصر التجديد الموسيقي، فلم تُعرف في هذا العصر فترة قد امتلأت بضروب الأناشيد والسلامات على مختلف ألحانها وموضوعاتها كما امتلأت بها الفترة من أيام الثورة العرابية إلى أيام الثورة القومية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى.

ومن قبل هذه الفترة بدأت نزعة الاستقلال بتأليف الأناشيد الوطنية وما في معناها، وأولها السلام الوطني الذي ينسبه بعضهم خطأً إلى الموسيقار الإيطالي «فردي»، ويقولون: إنه عزف به قبل تمثيل رواية عايدة في الاحتفال بافتتاح دار الأوبرا. وهو لم يحضر إلى مصر، ولم تكن رواية عايدة قد تمت عند الاحتفال بافتتاحها، ولكن «السلامات» الوطنية جميعًا كانت من وضع رؤساء الفِرَق الموسيقية من الضباط المصريين.

ويعزى إلى الموسيقى العسكرية فضل كبير في تشجيع الميل إلى توقيع السلامات وتأليف الأغاني التي تناسبها، وقد كانت فِرَق الموسيقى الشعبية تحكي فِرَق الجيش وتنقل عنها وتعزف بالسلامات الثورية التي كانت ممنوعة على عهد الاحتلال في فِرَق الجيش، ومنها سلام الثورة التركية:

يا شاسين حرية، عدالة، مساواة

يا شاسين أنور بيه!

يا شاسين نيازي بيه!

بل عُرفت في تلك الفترة أناشيد النكتة والفكاهة التي كان أولاد البلد يضعونها على ألسنة بعض الجاليات الأجنبية، ومن قبيلها نشيد الجرسونات الذي يفتتحونه بهذا الاستهلال:

سوا، سوا نروخ المصر نستنى هناك نبيع زبيب … وسكي … كمان كنياك.

فما أضخمها سهوة من رجل يشتغل بالأناشيد خاصة منذ أربعين سنة أن يمسحها هذه المسحة في كلمتين!

لكنه جدير أن يُغتبط لفنِّه إن فاته أن يُغتبط لذاكرته الفنية.

فمن دواعي الغبطة أن تكون للمستمعين عناية بالأناشيد تكفي لتصحيح سهوات «المعلمين»!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.