سمعت أن الأستاذ علي محمود طه المهندس ساءه ما كتبته عن ديوانه «الملاح التائه»، وقيل لي إنه غضب وثار وأرغى وأزبد، وجعل يسبُّ ويتوعَّد، وأخبرني من لا أشك في صدقه أن مهندسنا الشاعر يتهمني بالتحامل، ويتوهَّم أن هناك كيدًا مدبَّرًا، وأني عسى أن أكون مدسوسًا عليه، فأضحكني هذا الغرور، وآسفني أن أرى هذه الروح.

لقد دفع إليَّ الأستاذ علي محمود طه المهندس، ديوانه هذا، فشكرته، وخلوت به ليلة؛ فلم أرتح إلى أكثر ما فيه، فسكت وتركت الأيام تمضي، وآثرت أن أعفيه من سوء رأيي، وأن أكف عن أذاي، وقلت إذا كنت لا يسعني الثناء فإن في الصمت مخرجًا، وكتب عنه غيري في «البلاغ» مادحًا مقرظًا، فوالله لقد سرني هذا، وقلت لعل صاحبنا يقنع بما ظفر به، وكفى الله المؤمنين القتال، وليكن شاعرًا أو غير شاعر، وليكن مرجوًّا أو ميئوسًا منه، فإن هذا شأنه، لا يعنيني منه شيء، ولست موكلًا بالشعر أحمي حقيقته وأذود عن حوضه، ولقد نفضت يدي منه إلى غير رجعة، والحمد لله على الهدى بعد الضلال، والمعرفة بعد الجهل، ولو استطعت لتركت النثر أيضًا، ولكنه مرتزقي وقوت عيالي، وإني لأكتب ولكن للخبز لا للأدب، ولا يحمل القراء قولي هذا على محمل المزاح فإني اليوم جاد، وأنا بالأدب أعلى عينًا، وهو عندي أسمى وأرفع من أن أحشر فيه هذا الهراء الذي أُجري به القلم في سبيل الرزق، وقد تمثلت صورة لما ينبغي، وأعياني أن أقاربها فقنطت وودت لو وسعني أن أقصر، ولكن الحياة تلهب ظهري بالسياط فلا بد من العدو، سواء أبلغت غاية وأوفيت على أمد أم وقعت دونه.

ولم يقنع مهندسنا الشاعر بما قرظه به الإخوان في «البلاغ» وعزم عليَّ إلا ما كتبت، وزارني وأخبرني أنه يريد رأيي كائنًا ما كان، فقلت لنفسي لعل في ذلك مصلحة، وسرني منه أن يطلب الرأي ولا يستجدي الثناء، وقلت إن من كان هكذا فهو خليق أن يحتمل النقد ويتشدد له ويصبر على ما عسى أن يناله منه، وما كان لي أن أتردد وأحجم بعد أن دعا وكرَّر، وليس للنقد قيمة إذا جرى مجرى النفاق، والمرء لا يلام على رأي يدلي به؛ فإن الارتياء حق لكل إنسان. وإنما يكون اللوم على سوء النية وخبث الطوية. والمرء ينشر على الناس، وللناس أن يرضوا أو يسخطوا. ولا حيلة للكاتب أو الشاعر، ومن كان يجزع من النقد فأولى به ألا ينشر شيئًا، وعسير أن تلجم الأفواه فلا تقول إلا خيرًا، وأن تعقل الألسنة فلا تجري إلا بحمد، ومن كان يتوهَّم القدرة على ذلك فإنه امرؤ لا أمل فيه. وخير له — إذن — وللجماعة أن يقمع ويرد إلى حدود يلزمها ولا يعدوها. فما من الممكن أن يكون في عالم الأدب هذا التحكم إذا أمكن أن يكون في عالم السياسة أو غيرها من عوالم الزيف والفساد.

والنقد تربية، وإصلاح وتقويم، ولكن بعض الناس يتعجَّل الغاية، ويشق عليه أن يعوقه النقد عنها، ويصد خطاه بعض الصد، لظنه أن الثناء هو الذي يدنيه، ولو عقل لعلم أن الثناء الجزاف يفسد عليه السعي، وأن النقد هو الذي يقويه ويشدُّ أزره؛ لأنه يفتح عينه على ما يخفى عليه، ويتناول أصبعه ويضعه على مواطن الضعف والنقص، وسواءٌ أعقل المرء أم لم يعقل، فلا مفرَّ من هذا النقد البغيض، ومن ظن ممن يكتب أو يقول الشعر أنه ناجٍ منه، فقد ظن عجزًا كما يقول الشاعر القديم.

وقد غضب صاحبنا ومهندسنا الشاعر وسخط، ولا أدري ما حيلتي أو ذنبي؟ وما لي أنا إذا كان شعره لا يبلغ به حيث يريد؟ أأنا المقصر أم هو؟ وقد كنت أنا أقول الشعر، أو أعالج قوله، فما جئت بشيء، ومزيتي أني فطنت إلى هذا فكففت في غير أسف أو سخط، وكيف يأسف عاقل على ترك ما لا يُحسن؟ وقد سمعت أن مهندسنا يذكر شعري أو ما كنت أزعمه شعرًا لي، بالسوء، ولا أعلم ماذا يفيده هذا، فلأكن أنا أسخف خلق الله وأعجزهم عن مقال، فكيف ينهض هذا عذرًا لغيري، ويصلح أن يكون مسوِّغًا لضعف سواي؟ أتراني صرت مقياسًا عامًّا؟! فمن كان مثلي فهذا شفيع (له، كان) خيرًا من هذا وأجدى على مهندسنا أن ينفض الغرور عنه وأن يعالج شعره بالتقويم والتهذيب ليصح، فلن ينفع أحدًا أن يسخط مغترًّا، وإنما ينفعه أن يجعل وكده بعد الآن أن يجيل هو في شعره عين ناقد فاحص، وأن يتعهده بالغربلة والنخل والتفلية، وأن لا يعبأ شيئًا بثناء الإخوان والأوداء، فإن في مقدوره أن يستغني عنه إذا جاء بالمحكم السديد والمضبوط القويم الذي لا عوج فيه، وما من إنسان إلا وله إخوان يثنون عليه، ولكن العبرة بسواهم لا بهم، وبحكم الزمن لا بحكمهم، والزمن لا يميل به الهوى ولا يؤثر فيه تقريظ الإخوان ولو ملئوا الأرض والسماء طبلًا وزمرًا.

وماذا قلت عن مهندسنا الشاعر مما يغضب؟ ما قلت إلا أنه لا يحسن الأداء، وسقت أمثلة ناطقة بذلك، فعزَّ عليه أن يقال إنه سيئ الأداء، وروى لي صديق أن مهندسنا مواظب على قراءة الشعر العربي منذ خمس عشرة سنة، فقلت إذا كان هذا أداؤه بعد المثابرة الطويلة على الدرس فما أرى إلا أنه سيئ الاستعداد، ولا ملكةَ له، وقد كان لي فيه أمل فنسخته بهذا الخبر. وفتحت «الملاح التائه» فوقعت على هذه القصيدة وتلوتها عليه واسمها «الملاح التائه»، وأنا أثبتها هنا للقراء ليروا إلى أي حد يثقل النظم وتستنكره القوافي:

إلخ إلخ …

وليعذرني القارئ إذا أعياني بيان ما يعنيه الشاعر بهذه المعميات، فما فهمتها، وكيف تريد أن أفهم أن هذه الأرض أسكرها ما بها، وأنها لسكرها نامت وراحت تحلم بالخلد وتغالط نفسها فيه؟ فكيف سكرت أرضنا المسكينة؟ وما آية سكرها؟ ولماذا تنام وتحلم بالخلد أو غيره؟ على أن الشاعر لا يكفيه هذا، فهو يأبى للأرض إلا أن يطويها الليل طيًّا كادت ترتاع من عمق صمته؛ فهي سكرى أولًا، ونائمة ثانيًا، وحالمة ثالثًا بالخلد أو بجهنم، فما عدت أدري، ثم هي مزءودة فزعة من صمت الليل الذي طواها، فإذا كانت هذه الصورة تبدو مفهومة، وواضحة معقولة، فأنا امرؤ ليس له عقل.

وهذا الصمت الذي يذعر الأرض ويروعها، في طيه «أسفر المجهول» وذاع المستور، فافهم هذا إن استطعت، وما أرى الشاعر نفسه مستطيعه، وأدهى من ذلك وأبعد عن الفهم قوله في عقبه:

وقد نبهنا إلى ما في القوافي من نبوٍّ وقلق وتعسُّف، وحسبنا هذا، وبقي أن ننبه إلى أن هذه القصيدة هي التي رضي عنها الشاعر وأطلق عنوانها «الملاح التائه» على الديوان كله.

وقد قلت إنه لا يحسن الأداء؛ لأنه يضم الألفاظ بعضها إلى بعض ويفرح برنتها، ولا ينظر أي معنى يكون لها، وأوردت شواهد، وهأنذا أورد غيرها؛ قال وهو يريد القطب:

فما معنى الأديم الطافي في لجة الثلج؟ وقال:

والبيت الأول مبتذل اللفظ وفيه حشو، ولا أعرف كيف تقطر الزهرة ماء، ولا أفهم الشطر الأخير، وقال:

وقوله: «أثرت النفس شكا.» تعبير لا يجري به قلم رجل له ذوق في اللغة، وقال — يعني قلبه:

وليس أثقل من «فيك» في موضعها هذا ولا أشد منها قلقًا، وأما تفاني الغيم في البحر فليقل لي من يعرف كيف يكون؟ وهو لا يعرف معنى العباب، ولهذا جعله وصفًا للبحر، والبيت الثاني كما ترى، لو نظمه تلميذ في السنة الأولى الثانوية لطردته عقابًا له عليه.

وقال في قصيدة «غرفة الشاعر»:

فماذا يعني بالنضوب هنا؟ وهل يكون الفم بئرًا؟ والأنفأس تطغى على الأنين كيف بالله؟ وقال منها:

فما مكان (من) هنا؟ وما عملها؟ ولماذا تجيء إلا للوزن؟ وانظر الركة في تأليف هذا البيت:

وقد أخطأ في استعمال (طلق) هنا.

وهذا بيت آخر:

فمن كان يعرف فجر الحنان وكيف ينام عليه فإني أنا لا أعرف، أما العيون فحسب كل امرئ منها اثنتان: وهكذا … إلخ.

وبعد فينبغي أن يكون الكلام مفهومًا قبل أن يكون شعرًا، أو حتى نظمًا، ولا مفرَّ لمن يريد أن يكتب أو ينظم أن يسأل نفسه عما يريد أن يقول، وبعد أن يجلو المعنى لنفسه ويستوثق من وضوحه ينظمه، وعليه حينئذ أن يسأل كل لفظة وكل عبارة من كلامه أهي تؤدي المعنى المروم أو تعيى به وتعجز عنه. وهذه أولى مراتب الكتابة التي يراد بها الإفهام، وتجيء بعد ذلك مرتبة الأدب وهي عليا المراتب، ولا بد فيها — فضلًا عن صحة الأداء — من القوة أو الجمال، وهذا من البداية.

ويحسن بمهندسنا أن يروض نفسه على التدقيق في الإبانة، ولقصيدة واحدة محكمة خير وأبقى من ألف ديوان، وإذا كان هناك من يريد أن يتخذ من مهندسنا أداة لغاية له، فيثني عليه ويغره ويوهمه أنه الشاعر الفذُّ الذي يعي الزمان مكان نده، فإنا نحن لا غاية لنا، ونقدنا لخيره وصلاحه، ولا شك أن النقد ثقيل، ولكن الإخلاص يشفع له، وما نبغي إلا التقويم، وقد دللناه على الطريق، فإذا أخذه فهو الرابح ونحن أيضًا رابحون، وإذا أبى واستكبر فما هو بأول مغرور، ولن يكون آخر هذه الجماعة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.