إن الحالات التي نرضاها لِمَن نُحب — أو لما نُحب — تتراوح بين ثلاث حالاتٍ على اختلافٍ في الدرجات.

أعلاها الحالة المثالية، وهي غاية ما يتأتَّى للإنسان — أو لعمل الإنسان — أن يبلغه من درجات الكمال.

وتأتي بعدها الحالة الواجبة، وهي الحالة التي يكون فيها الإنسان كما ينبغي أن يكون، فإذا زاد على ذلك فهو تحسين فوق الحاجة، وإذا نقص عن ذلك فهو تقصير يُلاحظ ويُعاب.

ثم تأتي بعد الحالةِ الواجبةِ حالةٌ قريبةٌ منها، وهي ما يصحُّ أن نُسمِّيه بالحالةِ اللائقةِ.

وهي كما ذكرنا تُقارب الحالة الواجبة، فقد يفوت الإنسان ما يجب أحيانًا، ولكنه يستعيض عنه بما يليق على حسب الطاقة الحاضرة، ولا يُلام.

***

والحالةُ اللائقةُ بالسينما المصرية، هي أن تكون في طبقة لا تقل عن طبقة السينما في أُمَّةٍ من الأُممِ الشرقية أو الغربية التي تساوينا في الصناعة والثقافة والظروف الاجتماعية.

فلا تقل مَثلًا عن السينما التركية، أو السينما الهندية، أو السينما في بلادٍ أوروبية كاليونان وما يضارعها في صناعتها وثقافتها وظروفها الاجتماعية.

هذه الحالة اللائقة لا نتمناها للسينما المصرية؛ لأننا نعتقد أنها قد بلغتها، وأنها تساوي ببعض أفلامها أحسنَ ما أخرجته تلك البلاد في طبقة الإتقان الفني والمزايا الأدبية.

لكننا نتمنَّى لها المنزلة الواجبة، ومن باب أولى نتمنى لها المنزلة المثالية، وهي منزلة لا تأنف أُمَّةٌ من الأمم أن تُعلِّق بها آمالها؛ لأنها تبقى أبدًا فوق الغاية التي بلغها العاملون المجتهدون.

والمنزلة — أو الحالة الواجبة للسينما المصرية — هي أن تمضي صفًّا واحدًا مع أَيَّةِ أُمَّةٍ على حدة.

أو هي منزلة المنافس المحترم الذي يحسب له كل عامل في السينما حسابًا إذا نزل معه في ميدان السباق.

وليست هذه المنزلة متوقفة على ضخامة الآلات، فإن ضخامة الآلات تنفع في الزخارف والحواشي، وفي سِعة مجال الرواية، أو سِعة نِطاقها من الرواج التِّجاري والشيوع في الأسواق، ولكنها — أي ضخامة الآلات — لا تزيد شيئًا من المزايا الفنِّيَّةِ، أو المزايا الأدبية التي يرجع الفضل فيها للمؤلف والمخرج والممثِّل، قبل رجوعه إلى أعمال الأدوات والآلات.

ومِن الحقِّ أن نعترف بأننا لم نبلغ بعدُ هذه المنزلةَ الواجبة، وأن الأُمم التي سبقتنا فيها لا تسبقنا كثيرًا في الآلات الضخمة، أو في الثروة المالية التي تعتمد عليها صِناعة السينما في بلادها.

فهذه فرنسا في أثناء الحرب العالمية.

لا نضرب المثل بها قبل الحرب العالمية؛ فقد كانت في حالة من الثروة والاستعداد الصناعي لا تُقاس بها حالتنا يومئذ ولا حالتنا الآن.

ولكننا نضرب المثل بها على عهد حكومة فيشي، وفي الوقت الذي كانت فيه مُقيَّدة أشدَّ التقييد في أحوالها الاقتصادية والفكرية والصناعية.

ونضرب المثل بها خاصة؛ لأنها لجأتْ إلى الإنتاج السينمائي لأسباب اقتصادية، ترويجًا للأعمال المربحة في ظروف الكساد؛ فكانت مُقيدة بطلب الربح والاعتبارات التجارية، فوق تَقيُّدِهَا بغير ذلك من قُيود الحرب والسياسة.

بل حدث فيها عند ظهور الهزيمة ما يصح أن يُعتَبَر ضربةً قوية لصناعة السينما في بلادها؛ لأن أقطاب الصناعة هربوا منها وتحوَّلوا إلى الشركات الأمريكية، أو إلى أعمال غير أعمال هذه الصناعة.

ومع هذا كان لها إنتاج محترم لا تخجل من عرضه، إلى جانب الأفلام الأمريكية والإنجليزية والألمانية.

وليس في وسعنا أن نقول إننا نقارنه في جملته بأكثر من عشرة في المائة من أحسن أفلامنا وأكثرها استيفاءً لشروط الفنِّ والصناعة.

وقد نذكر الفن السويدي هنا كما نذكر الفن الفرنسي؛ لأن السويد لا تفوقنا في الكثرة ولا في الثروة، ولا نظن أنها تفوقنا في ضخامة الآلات.

على أننا نظلم المخرجين والفنانين وأصحاب الأعمال السينمائية عندنا، إذا حصرنا اللوم فيهم، وزعمنا أنهم المسئولون وحدهم في الفارق بيننا وبين غيرنا في هذه المنزلة الواجبة.

هنالك الجمهور.

ولن يتم الإتقان في فنٍّ كَفَنِّ السينما بمعزلٍ عن الجمهور، أو بغير معاونة منه واعتماد عليه.

أمَّا المنزلة المثالية فنحن نتطلَّع إليها، ولا نطمع في بلوغها قريبًا قبل الوصول على الأقل إلى الحالة التي سمَّيناها بالحالةِ الواجبة.

وحسبُنا أن نلخِّصها على قدر الإمكان لنحلم بها وننتقل من الحلم بها إلى التفكير فيها، ثم إلى العمل على تحقيقها، ثم إلى تحقيقها بعد الجهد الجهيد والسعي الحثيث، ونرجو ألا يطول.

وفي هذه الحالة المثالية يجب أن تكون لنا رسالة مصرية، ورسالة شرقية، ورسالة عالمية.

رسالتنا تمثيل تاريخنا في أدواره المختلفة وحوادثه الخالدة، كما تفرض علينا تمثيل بلادنا في مناظرها التي تنفرد بها بين بلاد العالم، ومحاسنها التي تشترك فيها الطبيعة المصرية بجميع جوانبها: طبيعة البيئة المصرية، وطبيعة النفس المصرية.

أمَّا الرسالة الشرقية، فهي توسعة للرسالة الوطنية من وجهة النظر إلى الأمم التي تربطنا بها شتَّى الروابط التاريخية والثقافية، وهي من ثَمَّ تفرض علينا أن نمثل للعالم تاريخ الشرق وتاريخ رسالته — بل رسالاته — العلمية والدينية، التي لا تنفصل عن تاريخ الأفكار والضمائر في جميع الأُمم، مِن أقدم عصورها إلى هذا العصر الحديث.

والرسالة العالمية هي التي تتولى فيها السينما المصرية شئونًا تهم العالم كله في حاضره ومصيره، ولا يكون اهتمامه بها مقصورًا على زاوية النظر التي ننظر منها نحن حين نهتم بحاضرنا أو ماضينا.

ولا ينبغي في هذه الرسالة العالمية أن نترك لأيَّة أُمَّةٍ من الأمم مجالًا تحتكره وتستأثر به على اعتبار أنه هو مجالها وأنها هي الأحق به من غيرها.

ونفصل هذا الإجمال فنقول إنَّ رواية هاملت مثلًا ثمرة إنجليزية في تأليفها وتمثيلها، وإن «إخوة كارمزوف» ثمرة روسية في التأليف ودولية أُمَمِيَّة في التمثيل.

ولكن هذا لا يمنعنا — يوم نتصدى للرسالة العالمية — أن نسابق أهل كلِّ فنٍّ في ميدانه، وأن نبتدع أساليبنا نحن لعرض تلك الروائع على كل جمهورٍ، ونفعل ذلك ونحن على يقين من أننا سنظفر بالإقبال والتقدير لغير سبب واحد؛ سنظفر بهما من باب الاستغراب أو الاستطراف، فوق ما نلقاه من الإقبال والإعجاب، بفضل الإتقان والابتكار.

ولكننا الآن نحلم.

إننا الآن نتمنى بحقٍّ، والتمني عند أصحاب اللُّغة هو طلب البعيد الذي تسبقه بلَيْتَ …

ليت الكواكب تدنو لي!

ولكن الكواكب ستدنو بمشيئة الله في حين من الأحيان.

فلنتركها في مكانها حتى تدنو في أوانها، ولنقنع من خطواتنا التالية بالسعي إلى المنزلة الواجبة قبل المنزلة المثالية.

كُنَّا في صفٍّ واحدٍ.

وفي الطليعة الجمهور؛ فلا تقدُّمَ إذا لم يلحق الجمهور، ولو بطابور أو بعض طابور …!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (4)

  • default avatar
    علي العنقري ·١٥ نوفمبر ٢٠١٦، ٣:١٤ ص

    لو أدرك الأستاذ مدى الانحطاط الذي بلغته السينما العربية فليس من سينما إلا مصرية كما كانت ولكن إلى أين هوت من حيث تركها الأستاذ العقاد

  • default avatar
    ليالي ·٧ سبتمبر ٢٠١٦، ١٧:١٦ م

    " يجب أن تكون لنا رسالة مصرية، ورسالة شرقية، ورسالة عالمية."متى؟؟؟؟؟؟؟؟

  • default avatar
    بتاع كيميا ·٢٦ مايو ٢٠١٦، ١٦:٥١ م

    اهدي المقاله لعائله السبكي وشركاه لعهم يفممون

  • default avatar
    Hashem Mohamed ·٢٤ أبريل ٢٠١٦، ١٤:٤٦ م

    كلمات منتقاة من الادب العربى في ما يتمناة عباس محمود العقاد للسينما المصرية حينما كانت للكلمة معنى حقيقى واحترام في الالفاظ