ظهر الجزء الثاني من ديوان الشاعر العبقري عبد الرحمن شكري، وهو كما يرى القارئ في فنون من الشعر وأبواب من المعاني لم يألفها جمهور هذا الناس، ولا هي مما يتمثَّل في خواطرهم ويحوم عليه فكرهم، ولقد عابوه بها وقالوا إنه عدل عن طريقة الأعراب والمألوف من مناهجهم إلى مذاهب الفرنجة، وإنه يطبع على غرارهم، ويحتذي على مثالهم في تصوير المعاني ورسم الخيالات، وإنه لو كان أخذ نفسه بانتهاج سبيل المتقدمين من أهل هذا اللسان العربي بأن زاوج بين معانيهم وألفاظهم، لألبس هذه المعاني أشكالها ووفَّاها زينتها وجمالها، ولكان قد جاء لا هُجنة عليه، ولا عيب فيه. فأما أن شكري لا يجري على منهاج العرب فصحيح لا مساغ للشك فيه، ولكن ذلك لا يزري به ولا ينزل من درجته؛ لأن العرب لم يتصرَّفوا في كل فنون الشعر، ولم يطرقوا كل أبوابه، ولأن الشعر شيء تستوي فيه وَغُبةِ (أضعف وأحمق) الأمم، وتتشابه فيه العرب والعجم، وليس أغرب من قول القائل هذا خيال إفرنجي وهذا عربي، وهذا معنى شرقي وهذا غربي؛ لأن الشعر موجود في طباع كل الأمم، وإنما هو معان لا يزال الإنسان ينشئها في نفسه ويصرفها في فكره ويناجي بها قلبه، ويراجع فيها عقله، والإنسان هو هو في الشرق والغرب، والناس جميعًا من طينة واحدة والنفوس متقاربة، وإنما الفرق في طريقة العبارة عن المعاني، وفي أسلوب التفكير لا في جوهر الفكرة، وفي القالب لا فيما يفرغ فيه، كما أن الفرق بين إنسان وإنسان أن هذا أسود وهذا أبيض، والشعر ليس كالبترول أو الذهب تجده في بقعة دون أخرى وبلد دون بلد، وعلى أنه بعدُ لو كان ثمة شيء مما يتوهَّمون، وكان هناك معنى عربي وآخر إفرنجي لما كان علينا بأس من ذلك، فإن إجادة قوم فيما تناولوه من الأغراض والمعاني لا تنفي إجادة ما خلاهم من الأمم والشعوب، ولكن الحال والحمد لله ليس على ما خيل أصحابنا، والأمر على خلاف ما سبق إلى أوهامهم؛ لأن الشعر خصوصه كالعموم وسبيل الشاعر إذا قال أن يسوق قوله إلى الناس جملة، لا إلى طائفة منهم خاصة، ومن أجل ذلك تجد الشعر يقرأ بكل مكان، ويظهر ما فيه على كل لسان، ويوجد مع كل زمان، ويتغلغل إلى كل وجدان، على تباعد ما بين الأمصار، وتفاوت ما بين الأعصار، يقرؤه الفتيان كما يقرؤه الشيوخ، ويقرؤه ذو اللهو والدعاية كما يقرؤه ذو الجِدِّ والمرارة، ويقرؤه ذو الأربة كما يقرؤه ذو العنجهية، ويقرؤه الناسك الورع كما يقرؤه الفاتك الخليع، وذلك أمر يستحيل في غير الشعر، فمن قال هذا معنى إفرنجي وهذا معنى عربي، وجعل ذلك ذريعة إلى تنقص الواحد والإشادة بالآخر، فقد ظلم الشعر ودل على ضيق روحه وعامية نفسه.

***

لا ريب أنه كان أربح لشكري وأرجع في يده لو راضَ نفسه على الاقتياس بغيره من شعراء هذا البلد من مثل حافظ وأضرابه؛ فإن الشهرة والربح الذي هو تاليها ورديفها في الوجود ليسا في كل حال من نصيب أهل الفضل، والحظوظ ليست موزَّعة بين الناس على نسبة أقدارهم وكفاءتهم، فإن الماء ليطفو على وجهه في انسيابه كل خفيف المحمل، ويرسب في قاعه كل عظيم القدر، وقد يسمو العصفور الضعيف بجناحه إلى حيث لا يستطيع أن يبلغ الإنسان بما له من القوة والحيلة، لكن العبقرية لا تبعث الرغبة في الخلود؛ لأن الشيء الباقي أحب إلى صاحب النفس العظيمة من الفاني، والعظيم أكلف بالثابت منه بالمزعزع، والأبد في رأي العقل أملك لعنان النفس الكبيرة وأسحر للُّبِّ من الساعة أو اليوم أو القرن، ألا ترى أن الصخرة تصطرع عندها جنود التيار أروع أبهة وأبهر جلالة من الصخرة الصناعية في حديقة الملك، والكهف في الجبل تصخب عند بابه الأرواح أملأ للصدر وأجل في العين من كهف «إسماعيل» في «حديقة الأزبكية»؟! ولماذا يجعل أحدنا من مفاخره أنه يئول إلى كرم عريق، ومجد عادي عتيق؟ كذلك في الجبال معنى تدور عليه في القصور فتخطئه!

نقول إنه كان أذيع لذكره وأقل مئونه عليه، لو أنه لم يسهد جفنه في رياضة القوافي الصعبة، ولم يُضْنِ نفسَه في فتح أغلاق المعاني والغوص على الخيالات البديعة والموضوعات المبتكرة، فإن أسير الشعر ليس أدقه وأجوده، فإن ما سار على الأفواه وملأ الأسماع مثل الشعر الذي ملؤه الجرأة والغلو أو السطحي الذي لا ينفذ إلى الصميم من الأخلاق والعادات، ولا يبلغ كنه شيء من الأشياء، أو الذي يستولي على الأوهام فيلهي الذهن عن التدبر والنظر، وأما الشعر الذي يتصل بالقلوب ويمتزج بأجزاء النفوس فيشعرها قوتها، ويكشف لها عن مواطن ضعفها، ذلك الشعر الذي يجمع بين حكمة الأولين وإبداع المتأخرين فما (أندر) قارئيه وأخمل قائليه!

لسنا نحاول الزراية على طائفة من الشعراء أو الطعن عليهم والغض منهم، وإنما نريد أن نقول إن الشعراء فريقان؛ فريق خيِّل إليه أنه ليس في الشعر كثير طائل، وأنه ليس إلا فرقة يتعلل بها الغافل أو فكاهة يسلو بها الجاهل أو بكاء راحل أو وصف ساعة ونعت منزل أو إسراف قول في مدح أو هجاء، وأنه ليس فيه دقائق وأسرار طريق العلم بها الرواية والفكر، ولطائف مستقاها العقل، وخصائص ينفرد بها قوم دُلُّوا عليها وهُدوا إليها، وأنه حسب أحدهم أن لا يَلحن فينصب في موضع الرفع ويرفع في موضع النصب أو يخطئ فيجيء باللفظة على غير ما هي عليه في الوضع اللغوي، فإن استظهر للأمر وبالغ فيه، فأن يكون حسن المطابقة والتجنيس صحيح التقسيم لطيف الكناية والتعريض رشيق التذييل والترصيع. وفريق آخر أحسَّ في نفسه دبيب الخيال، ووجد في صدره جَيَشَان الخواطر، فأحب أن يكون نبي نفسه ورسول قلبه، وأن يكشف للناس عما ارتسم على قلبه وانتقش في ذهنه وظهر لعالم حسه وبرز لمشهد مشاعره، وهو لا يبالي خلع الناس عليه أجمل حلل المدح أم شيعوه بالذم والقدح.

وأنت فقد تعلم أن أطيب ما يذكر به عظيم، وأكبر ما يعزى إليه من الفضل أن يقال إنه لا يجري قلمه إلا بما في نفسه، وإنه يرصد برق الخواطر في ذهنه ولا يستمطر غيث غيره، وإنه لا ينظر إلا بقلبه ولا يستعين إلا بفكره ولا يستنجد إلا رأيه، وإنه لا يأبى أن يبرز معانيه من ضميره وأن تدين لتبيينه وتصويره، وأن تُرَى سافرة بغير نقاب نادية دون حجاب، وإنه لا يستعير معاني غيره لأنه وإن أفاد المعاني فقد خسر الروح والرجولة وهما كل شيء، ولأنه يعلم أن الحَمَام لا تكون منه نسور وإن استعار أجنحة النسور، وإنه لا يقلد إلا نفسه، ولا يحتذي إلا على مثال في ذهنه، ولا ينهج إلا طريقًا بكرًا لم يسبق إليه، وإنه لا يقيم وزنًا لضجَّات الثناء أو لصرخات الأعداء، ولا يحفل عَرَفَ الناس له قدره أو أنكروا مزيَّته وفضله؛ إذ حسبه أن يكون قد جاد بما عنده غير مدَّخِر وسعًا ولا آلِيًا جهدًا، وأن يكون قد صدق نفسه وجعل لسانه صورة لقلبه.

ما من عظيم إلا والصدق من صفاته الظاهرة وآياته الدالة عليه المشيرة إليه، ولست واجدًا فحلًا من فحول الأدب إلا وكان قوله جزءًا من نفسه وقطعة من تجاربه؛ وذلك لأن العظيم لا يعدل بالحق شيئًا «وهو لا يلبس آراءه كما يلبس ثيابه»، ولا يقبع في كسر بيته ثم ينظر إلى العالم من نوافذ الجرائد متوقِّعًا أن يقع حادث كبير كزلزال مسينا أو الحرب الطرابلسية ليقول في ذلك شعرًا؛ فإن هذه الحوادث، وإن تكن في ذاتها أمرًا جللًا، غير أن الشاعر خليق أن لا يعيرها التفاته إلا ليجعلها ذريعة إلى تصوير حقيقة هي في تقديره أكبر وأصدق، وأغلى وأثمن، فربما صوَّر لك العظيم سقوط دولة وقيام أخرى ليكشف لك عن قلبين معذَّبين كما يستعين الممثل بالستائر، ولكن صغار الناس لا يفهمون كيف يعدل الشاعر عن أجهر الحوادث وأضخمها إلى أصغرها وأضألها، ولا يتفطنون للسر في ذلك وقد يتَّهمونه بضعف الإدراك وفساد الذوق وموت الأريحية، وأين تقع عندهم قصة هاملت وهي من صوغ الخيال وتزويقه من الحرب الطرابلسية؟ أتكون زينة الخيال خيرًا من عاطل الحقيقة؟ ذلك لأنهم أُولعوا بالإغراب والتبذر، فلم يفهموا فرق ما بين الحقائق، ولم يميزوا بين الخيال الصحيح والخيال السقيم، والشاعر عندهم إما أن يكون مقلدًا كذابًا أو كآلة التصوير الشمسي، وإنما شغفوا بالأغراض الرائعة ليخفوا تحتها خيالهم. وأنت فمهما كانت منزلتك من البلاغة ومكانتك من الفصاحة فإنه لا يقع في إمكانك أن تبصرهم الصواب أو تميلهم عن رأيهم؛ لأن أعينهم سادرة، ولأنك تعالج مرضًا مزمنًا وداءً متمكِّنًا، ولأنك في منزلة من يحاول أن يصوغ عقولهم صيغة جديدة وينشئهم نشأة أخرى، وأنَّى لهم أن يدركوا أن البحر إذا هاج لم تعرف أي أرضه أبعد غورًا حتى إذا سكنت سورته ظهر لك المكان الضَّحْل من غيره.

إنما الأديب من انتفع به الأدب وزادت به مادته، وما يتأتَّى ذلك إلا للفحل المبتكر أو الذي يحدث من القديم جديدًا؛ فأما هذه الأصداء فما أقل غناءها وأغنانا عنها، ولعمري كيف ينتفع الأدب بمن يتنسَّمون الآراء ويتسقَّطونها ليعرفوا ما ينبغي أن يكون رأيهم، وليعملوا في ذلك شعرًا رجاء أن يكون لكلامهم قسط من الاستحسان ونصيب من الإعجاب؛ فهم يفرُّون من نفوسهم ليصيروا إلى رأي الجمهور؛ رغبةً في كسب الحمد ونَيْل الثناء — هؤلاء هم تجار الأدب — أليس من خلق التاجر أن يتوخَّى مرضاة زبائنه ويتحرَّى مسرتهم وإن كلَّفه ذلك تدليس سلعته عليهم والمكر بهم؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.