ضَحِكَ صاحبي حين أَمْلَيْتُ عليه هذا العنوانَ، ومن حقه أن يضحك، ومن حق غيره من القراء أن يضحكوا؛ فالعنوان مضحك غريب.

ولكني لم أعاهد أحدًا، وما كان لي أن أعاهد أحدًا على أن أتخير لهم عنوانات قوامها الجد الذي يبعث العبوس، ولا يثير الابتسام، ولا يدفع إلى الضحك، وماذا أستطيع أن أصنع إذا كان الموضوع الذي أريد أن أتحدث إلى القُرَّاء فيه هو الذي يُملي هذا العنوان الغريب المضحك، ويفرضه فرضًا؟! وهل أستطيع، وهل تستطيع، وهل يستطيع أحد غيرك وغيري أن يسمي ألوان الفساد هذه التي دبت في الحكم المصري؛ فهلهلته هلهلة، وأفسدته إفسادًا، وجعلت سمعته لَهْوَ المتحدثين وسمر السامرين باسم آخر غير السوس، الذي لا يكاد يتسلط على شيء إلا أفسده، وذهب بخير ما فيه، وجعله صورة إن استطاعت أن تخدع العين؛ فهي لا تستطيع أن تثبت للامتحان والاختبار؟! وهل كان ظلم الإدارة للناس وإسرافها في هذا الظلم وإصرارها عليه إلا سوسًا يفسد ما ينبغي أن يكون بين الناس وبين الإدارة من تعاون وتضامن، ومن ثقة واطمئنان؛ حتى يستحيل هذا كله إلى شك وخوف ويأس وعداء، وحتى يُخيَّل إلى الذين ينظرون إلى مصر من بعيد أن فيها إدارة ترفق بالناس وتشرف على أمورهم بالعدل والإنصاف، فإذا دنوا من هذه الإدارة وبلوا أمورها ورأوا قصة البدارى وما يشبهها من القصص المخزية المزرية؛ علموا أن هذه الإدارة صورة قد أفسدها السوس ولم يُبْقِ منها إلا شكلًا ومظهرًا.

وهل كان هذا الفساد الذي سَرَى مع الأسف الشديد والحزن العميق في تدبير أموال الدولة جباية وحماية وإنفاقًا إلا سوسًا أكل النظام المالي أكلًا، ولم يُبْقِ منه إلا مظهرًا وشكلًا.

لقد تحدثوا أن الأموال كانت تُجْبَى بالقهر، والعنف، وضرب السياط، وأخذ الناس إلى مراكز الشرطة مشدودين في الحبال والأغلال، ولقد تحدثوا أن الضرائب الجائرة التي لا يبيحها قانون ولا يحلها نظام كانت تُفْرَضُ على الناس كيدًا لهم، ومكرًا بهم، وعقابًا لهم على ما لم يقترفوا من السيئات، ولقد تحدثوا أن هذه الأموال التي كانت تُجْبَى بالقهر والظلم، وتُؤْخَذُ بالعنف والعسف، لم تكن تستقر في خزائن الدولة إلا ريثما يذهب بها الإسراف، في كل ناحية ويُبَدِّدُها العبث في كل وجه، وإذا هي تفارق هذه الخزانة لتذهب إلى حيث لم يكن ينبغي أن تذهب، منها ما يُنْفَقُ في ألوان الترف والبذخ، ومنها ما يُنْفَقُ في إرضاء فريق من الناس، وإيثارهم بالبر والخير واختصاصهم بالغنى والثراء. ولقد رَوَيْنَا من ذلك الشيء الكثير، فكم تحدثنا عن المؤتمرات! وكم تحدثنا عن تطهير الأقنية! وكم تحدثنا عن مصلحة الأملاك! وكم سمعت الوزارة القائمة والوزارة الساقطة هذه الأحاديث؛ فلم تستطع أن تنهض بإنكارها، أو الرد عليها إلى الآن!

وهل كان أمر الكورنيش إلا سوسة من هذا السوس؟! نستغفر الله، بل كان سوسًا كثيرًا مختلف الأشكال والألوان؛ منه ما يمس البلدية في الإسكندرية، ومنه ما يمس الوزارة في القاهرة. منه ما يمس الإدارة، ومنه ما يمس المال. بل هل استطاع التحقيق الذي همَّت الوزارة به لأمر الكورنيش وأَلَّفَتْ لجنة لإجرائه أن يضع يده على هذا السوس كله؛ ليستخرجه من مكامنه، وليظهره للناس إظهارًا؟! ألم يفلت من هذا التحقيق سوس يظهر أنه مقدس، ويظهر أنه معصوم، ويظهر أن هناك قوى خفية تحميه لا من لجنة التحقيق، بل من البرلمان أيضًا؟! أفتراني مخطئًا حين أسمي ألوان الفساد هذه سوسًا، وحين أتخذ اسم هذا السوس عنوانًا لهذا المقال؟!

وحَدِّثْنِي عن هذه السيئات التي أخذت السياسة تذيعها، وتلح في إذاعتها منذ أيام، والتي اضطر رئيس الوزراء نفسه إلى أن يخوض فيها ويأخذ من إذاعتها بقسط عظيم، كيف تستطيع أن تسميها؟! أليست سوسًا يعمل في الحكم فتهلكه إهلاكًا، وينهكه إنهاكًا، ويذهب بخلاصته وصفوته وخير ما فيه، ثم لا يدع منه إلا مظهرًا تراه العيون، وشكلًا تأخذه الأبصار، فإذا مسه الامتحان والاختبار، لم يستطع مقاومة ولا ثباتًا؟!

ماذا؟! رئيس الوزراء الرجل الطيب يعلن وهو مستقل برياسة الوزارة، ناهض بأعباء الحكم، ملزم ألا يقول إلا عن تدبر وتفكر وتقدير، أنه تلقى حين كان ينوب عن صدقي باشا في رياسة الوزراء كتابًا من صدقي باشا هذا، يذكر له فيه أن من الخير أن ينصح لوزير الأشغال بأن يحتاط في علاقاته ببعض المقاولين في لندرة؛ لأن هذه العلاقات تسيء سمعة الوزارة، ثم يعلن أنه لفت وزير الأشغال إلى هذا، وأن وزير الأشغال عاد إلى لندرة، ولقي صدقي باشا في طريقه، ثم اتصل في لندرة ببعض المهندسين والمقاولين، وتحدث إليهم في هذه الشئون، ثم رجع إلى مصر، فأنبأ رئيس الوزراء ولم يكن حينئذ رئيس وزراء بأن هذه الصلة التي ذكرها صدقي باشا لا تسيء سمعة الوزارة، وإنما الذي يسيء سمعة الوزارة صلة أخرى بين صدقي باشا نفسه وبين مقاول آخر أجنبي، كان يتردد على المقاولين في لندرة، فيظهر لهم صورة الدكتاتور وعليها إهداء بخطه، ويتحدث إليهم في أن الفوز بعطاء جبل الأولياء لا سبيل إليه إلا إذا رضي الدكتاتور. ماذا؟! رئيس الوزراء يتحدث بهذا كله إلى الصحف، فيسجل تسجيلًا أنه كان يشترك في الحكم مع رجلين كانا يتقاذفان، ويسيء كل منهما بصاحبه الظن، ويذيع كل منهما عن صاحبه السوء، ويشك كل منهما في حظ صاحبه من النزاهة والنقاء، كان يعلم هذا وكان يسكت عليه، وكان يشترك في الحكم مع هذين الرجلين، لا تمنعه من ذلك نفسه النزيهة، ولا قلبه الطيب، ولا ضميره النقي، حتى إذا أُخْرِجَ من تلك الوزارة إخراجًا، وأُبْعِدَ عنها إبعادًا؛ تحدث بذلك إلى الناس. وفيمَ كان ينفع ذلك الحديث؟! نعم؛ ورئيس الوزراء يسجل على نفسه تسجيلًا أنه لما أَلَّفَ وزارته أو أُلِّفَتْ له وزارته، قبل أن يشترك في الحكم مع وزير المواصلات الذي كان وزيرًا للأشغال، وقد قال عنه ما قال، وتحدث عنه بما تحدث به. أليس هذا كله سوسًا يعمل في الحكم فيفسده أقبح الإفساد، ويهدمه أشنع الهدم، عهد تقع فيه كل تلك السيئات التي أشرنا إلى بعضها آنفًا، ويسوء ظن بعض رجاله وأساطينه ببعض إلى هذا الحد الذي بَيَّنَهُ رئيس الوزراء، ويكثر عنه الحديث المنكر، وتُذَاعُ عنه الإشاعات المخجلة، ويتناول التحقيق أموره على يد النيابة حينًا، وعلى يد اللجان حينًا آخر، كيف تستطيع أن تصفه؟! وكيف تستطيع أن تسميه؟! وكيف تستطيع أن تنكر أنه عَهْدٌ قد عمل فيه السوس حتى أهلكه وأنهكه وجعله غير صالح للبقاء؟!

لقد كنت أقرأ منذ أيام ما كان في مجلس النواب الفرنسي أثناء الاضطرابات التي حدثت في باريس في أوائل الشهر الماضي، وإذا رجل من المعارضين لا يتحرج من أن يقول لرئيس الوزارة الفرنسية وزملائه الوزراء: إن نهوضهم بالحكم خزي لفرنسا، وماذا فعل رئيس الوزارة الفرنسية ذاك وزملاؤه الوزراء أولئك؟ لم يثبت إلى الآن أنهم خالفوا أصلًا من أصول الدستور، أو تجاوزوا حدًّا من حدود القانون، أو اعتدوا على مبدأ من مبادئ الأخلاق، وإنما اتُّهِمُوا بالشدة في معاملة الشعب والضعف في التماس المحتالين، فقِيلَ لهم من أعلى المنبر في مجلس النواب الفرنسي — أي من أعلى منبر من منابر السياسة في الأرض — إن نهوضهم بأعباء الحكم في فرنسا خزي لفرنسا، ثم نُشِرَ هذا الكلام في الجريدة الرسمية الفرنسية، ثم أُذِيعَ هذا الكلام في جميع الصحف الفرنسية اليومية وغير اليومية، ثم استقال هؤلاء الوزراء بعد هذا الكلام بساعات، ثم هُم الآن يُسْأَلُون أمام لجان التحقيق، فأما في مصر فرئيس وزرائنا يُسَجِّلُ أنه كان عضوًا في وزارة يتقاذف بعض أعضائها بالسوء، وكان يعلم هذا ويصبر عليه، ثم تُسْنَدُ إليه رياسة الوزراء؛ فلا يتحرج من أن يشرك معه في الحكم بعض أولئك المتقاذفين، ثم هو لا يتحرج من أن يذيع ذلك إذاعة، ويعلن ذلك إعلانًا، لا يفكر في أن يستقيل، ولا يفكر في أن يطلب إلى زميله ذاك أن يستقيل، ولا يفكر أحد من أعضاء البرلمان في أن يسأله أو يسأل زميله، أو يسأل صدقي باشا عن حقيقة هذا الأمر، الذي يستحي منه أيسر الناس حظًّا من ثقافة وتقدير لشرف الحياة العامة.

صِفْ كل هذا بما شئت، وسَمِّ كل هذا كما شئت، أما أنا فلا أستطيع إلا أن أرى هذا سوسًا قد أفسد الحكم، وعَرَّضَ الحياة المصرية كلها والسمعة المصرية كلها بأعظم الشر وأقبح الخطر. وإني لمُخْلِصٌ أشد الإخلاص، صادق أشد الصدق حين أؤكد لرئيس الوزراء ولزميليه الدكتاتور ووزير المواصلات أني أقرأ هذا الكلام الذي تذيعه الصحف في هذه الأيام؛ فلا أستطيع أن أقاوم الحياء، ولا أستطيع أن أتقي الخزي الذي يثور في نفسي، ولا أستطيع إلا أن أشعر بشيء من الخجل المؤلم والإشفاق الشديد أن يتحدث إليَّ بعض الأجانب في هذا السوء الذي تُوصَم به مصر، والذي ينتشر في جوها كما تنتشر الأوبئة، والذي يجعل مصر لهو اللاهين، وعبث العابثين.

أليس لمصر كرامة عند هؤلاء الوزراء تحملهم على أن يدَّعُوا الحكم ويرفعوا أمر هذا كله إلى حيث يمحصه التحقيق؛ ليُؤْخَذَ المذنب بذنبه وليُعْلِنَ العدل براءة البريء؟! أليس لمصر كرامة عند هؤلاء الوزراء تلفتهم إلى أن انتشار هذا الفساد لا يقف شَرُّه عند ما لا بد منه من محو الثقة برجال الحكم، ودفع الشعب إلى أن يشك في كل شيء ويرتاب بكل شيء، بل يتجاوز هذا إلى ما ليس أقل منه شرًّا ونكرًا، فيمهد طرق التدخل للذين يريدون أن يتدخلوا، ويخلق فرصة السيطرة للذين يريدون أن يسيطروا، ويبيح للأجانب أن يقولوا اليوم ما كانوا يقولونه منذ أكثر من نصف قرن من أن المصريين بعيدون كل البعد عن أن يحتملوا أعباء الحكم بما ينبغي لذلك من نزاهة النفوس ونقاء الضمائر والأيدي والألسنة والقلوب.

ليصدقني رئيس الوزراء أن من الحق عليه بعد أن قال ما قال، وأذاع ما أذاع، من الحق عليه لنفسه ولأمته أن يدع منصبه، وأن يُخَلِّي بين هذه السيئات التي اشترك في إذاعتها منذ أمس وبين التحقيق؛ ليعلم الناس من المصريين وغير المصريين أين المسيء وأين البريء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.