ما زلت أتذكَّر الصدمة التي اعترتني عندما سمعت لأول مرةٍ عن غرس البقع المجهرية البرازية. فهذا أمر ليس من السهل نسيانه.

في أحد مؤتمرات علم الأحياء الدقيقة، ألقت عالمةٌ محاضرةً عن الميكروبات البشرية — تلك الميكروبات التي تعيش داخلنا دون أن تسبِّب لنا الأذى. ووصفت حالة غريبة كانت شاهدة عليها؛ حيث استخدم طبيبٌ يُدعى ألكسندر كورتس الميكروبات البشرية في إنقاذ حياة مريضة. كانت المريضة قد تعاطت مضادات حيوية لعلاج عدوى أصابت الرئة. ونجحت العقاقير في القضاء على العدوى، لكنها أحدثت خللًا كبيرًا لأمعاء المريضة، وسمحت لنوعٍ من البكتيريا الخطيرة المهدِّدة للحياة تُسمَّى «المطثية العسيرة» بالسيطرة على أمعائها. وسبَّب هذا النوع من البكتيريا إسهالًا رهيبًا للمريضة. ولم يتمكَّن الطبيب كورتس من إيقافه لأنه كان مقاومًا لكل المضادات الحيوية التي جرَّبها.

ولذلك قرَّر كورتس استخدام طريقة غريبة؛ ألا وهي زرْع البراز. فأخذ عيِّنة براز من زوج المريضة، وخلطها بالماء، ووضعها داخل الأمعاء الغليظة كقمع طبي (لبوس). وفي غضون أيامٍ تعافت المريضة.

منذ أن سمعت لأول مرة عن هذه الأنواع من الزراعة في عام ٢٠١٠ وهي تحقق نجاحًا كبيرًا؛ ففي العام الماضي، أعلن فريق من الأطباء الدنماركيين والفنلنديين عن تجارب سريرية أثبتت فيها العيِّنات المزروعة فعالية في التخلُّص من «المطثية العسيرة» بنسبة ٩٤ في المائة. وظهر أن بعض أنواع البكتيريا في البراز المزروع المأخوذ من أمعاء سليمة سوف تنمو سريعًا وتغلب الجرثومة المسبِّبة للمرض وتُعيد أمعاء الشخص المريض إلى حالتها السابقة. ويعكف العلماء على استكشاف إمكانية استخدام زراعة البراز لعلاج الاضطرابات المعوية الأخرى، بالإضافة إلى غيرها من الأمراض غير المعوية مثل مرض البول السكري والسمنة.

إلا أن ثَمَّةَ عقباتٍ كثيرةً تحُول دون استخدام غرس البراز على نطاقٍ واسع؛ فمن ناحيةٍ تتوخَّى الإدارة الأمريكية للغذاء والدواء حيطةً بالغةً في مثل هذا النوع من الأدوية المعتمِدة على الكائنات الحية. ومن ناحيةٍ أخرى، فإن عملية غرس البراز تتم بطريقة بسيطة من الناحية التصوُّرية؛ فكل ما يفعله الأطباء هو أنهم يعطون المريضَ عينةً عشوائيةً من مئات الأنواع المختلفة من البكتيريا المأخوذة من أمعاء شخصٍ سليم، مفترضين أن بعض هذه الأنواع على الأقل سوف تعيد للمريض عافيته. وعندما يتحسَّن المريض فإنهم لا يمكنهم تحديد سبب هذا التحسُّن بدقة.

ثَمَّةَ مسألة أخرى وهي الاشمئزاز من هذه العملية؛ ففي عام ٢٠١٢، خلال استطلاع رأيٍ أجراه مجموعة من العلماء لمعرفة توجُّهات الناس حول غرس البراز لخَّص العلماء المشكلة بتأدُّبٍ على النحو التالي: «يدرك المرضى الطبيعة المقززة الملازمة للعلاج بغرس البراز.»

ومع ذلك ثَمَّةَ تطوُّر من الممكن أن يكون واعدًا في استخدام الميكروبات البشرية؛ ففي أحد مؤتمرات الجمعية الأمريكية لطب الجهاز الهضمي الذي عُقد في شيكاجو في شهر أغسطس ٢٠١٤، وصف الباحثون كيف عالجوا «المطثية العسيرة» ليس عن طريق غرس البراز، ولكن باستخدام حبة دواء مليئة بالأبواغ البكتيرية.

هذه الحبة نتاج عمل شركة أدوية صغيرة في بوسطن اسمها سيرس هيلث. وأتت هذه الشركة بمجموعة أنواعٍ من الميكروبات غير الضارة التي تعيش بطبيعتها في الأمعاء. وتُكوِّن هذه الأنواع جميعُها أبواغًا صُلبة تسمح لها بالعيش داخل حبة الدواء. وبمجرد وصولها إلى الأمعاء الدافئة، فإنها تخرج أبواغها وتتكاثر. وفي دراسات سابقة، أظهر باحثو شركة سيرس هيلث أن بإمكانهم علاج عدوى «المطثية العسيرة» بفعالية في الفئران وحيوانات الهامستر (نشرت مجلة تكنولوجي ريفيو جهود الشركة في هذا الصدد في إحدى مقالاتها في ديسمبر ٢٠١٣).

ومؤخرًا، اشترك أطباء من مايو كلينيك، ومستشفى ميريام في بروفيدنس، ومستشفى ماساتشوستس العام، في إجراء تجربة سريرية على بعض الأشخاص لمعرفة إذا ما كانت حبوب الدواء التي صنعتها شركة سيرس هيلث آمنة وفعالة. وأعطَوْا هذه الحبوب لخمسة عشر شخصًا. وكانت النتائج مذهلة؛ إذ كان إجمالي معدل الشفاء هو مائة في المائة.

تواصلت مع كورتس لأعرف رأيه في الدراسة فقال لي: «تبدو واعدةً للغاية.»

ورغم ذلك، فقد أشار كورتس إلى بعض الأمور اللازم وضعها في الحسبان عند تقييم الدراسة؛ فأوضح أن القائمين على الدراسة استبعدوا المرضى أصحاب الحالات الحرجة من الدراسة خوفًا من خطر تعرُّضهم لأعراضٍ جانبية؛ ولذلك فإن معدل الشفاء البالغ مائة في المائة قد يكون أعلى مما سيكون عليه على أرض الواقع.

وأشار كورتس أيضًا إلى المشكلات المحتمل حدوثها عند تعاطي حبة دواء مليئة بالأبواغ مقارنةً بالتداوي بعيِّنة براز مأخوذة من أحد المتبرعين؛ فإن إنتاج هذا الدواء على نطاق صناعي واسع يتطلب الحرص على عدم تعرُّض مخزون المصانع إلى التلوث مثلًا بسلالات بكتيرية قد تُسبِّب الضرر للمرضى.

ويوضح كورتس أنه في الحبوب المخزَّنة في المصانع سوف تستمر الميكروبات في التطوُّر والتكيُّف مع محيطها. وإذا تكيفت تكيفًا جيدًا للغاية مع الحياة في المصنع، فقد لا تجيد التكيف بنفس المستوى داخل أجسام البشر.

في واقع الأمر، لم يوضح التقرير المبدئي حول حبوبِ الدواءِ هذه الكيفيةَ التي تغزو بها أنواع الميكروبات هذه بكتيريا «المطثية العسيرة». وأنا متأكِّد من أن الخمسة عشر شخصًا الذين تعافَوْا من هذه البكتيريا البغيضة لن يطالبوا بتفسير ميكانيكي مفصَّل لما حدث عندما ابتلعوا حبوب الدواء.

أما إذا كان العلماء سيتجهون إلى التصميم العقلاني لعلاجاتٍ تعتمد على الميكروبات البشرية في علاج الكثير من الحالات المرضية المختلفة، فسيكون لزامًا عليهم فتح الصندوق الأسود لكشف سر هذه الميكروبات.

Taking the Yuck Out of Microbiome Medicine by Carl Zimmer. The Loom. August 13, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    عبدالله الزهراني ·١٩ يناير ٢٠١٥، ٣:٤٨ ص

    ارجوا هل اعتمدت منظمة الصحه العالميه هذه الطريقه ام لا