عفوًا على تعبيراتي الحادة، ولا أخاف عليك منها؛ لأنك أنت الآخر قد تقع في هذا المحذور عندما تبلغ بك الشدة والنقد والصراحة إلى حَدٍّ تُتاخِمُ به حظيرة القُساة فتخرج من ساحة وداعتك المعهودة، وتعرِّض بالمنفلوطي فتردِّد ذكره؛ إذ تتحدث بشأن الأدعياء في الأدب. إنك مهما تشددت في النقد على نحو أدباء القرن السابع عشر، فلا نجد لك ما يبرر ذكر المنفلوطي مع الأدعياء. وإني مهما تساهلتُ في الفن على نحو أدباء القرن الثامن عشر كما ترى، فلا أستكثر وصف الكاتب الأديب عندما أذكر المنفلوطي.

إنك تجد جريمة تريد أهل القانون أن يلتفتوا إليها؛ إذ تحول قصة سيرانو من قالبها التمثيلي إلى صورة قصة. وإنك تجد غريبًا ومضيعة للوقت أن تصب الرواية في الشكل القصصي بعد أن ترجمت في شكلها التمثيلي الأصيل، وإنك في الوقت نفسه تقول إن قراءة الموضوع أسهل على الناس في تركيبه القصصي منه في تركيبه التمثيلي، فهَلَّا ترى أن المنفلوطي — وقد حافظ على الأصل — أدَّى خدمة للجمهور؛ إذ سهل عليهم قراءة ذلك الموضوع الجميل، أم ترى أن تسهيل الأدب والفن والعلم على العامة إنما ليس له من ساحة غفرانك نصيب؟

لا أخالك تقول بذلك، وأنت تعلم أن أكبر العلماء وأحرصهم على لغة الفن والعلم يغشَوْن جامعات الشعب، فيلقون فيها نتائج أبحاثهم العويصة سهلة حلوة المذاق، ويعقدون نتائج كَدِّهِم في كتب مبسطة ليُسَهِّلُوا تناوُل العلم والفن على من لا يألف من الناس لغة العلوم والفنون، حتى لو فرَّطوا في مصطلح العلم ودقائقه.

فإذا كنت ترى بدعة تحويل الرواية التي نحن بصددها إلى قصة بدعة صالحة لا يستهجنها الذوق السليم، ويستحق المبدع لها عليها الحمد والثناء.

زِدْ على ذلك أن لكل لغة أسلوبًا، فالمحاورة والتمثيل يتمشى مع بهاء اليونانية والفرنسية؛ فإن العربية يتمشى معها أسلوب القصص، وعلى ذلك لم يكُن المنفلوطي ليمسخ الفن أو يشوهه كما تقول، بل حرص عليه؛ إذ يحول الفن الغربي إلى فن عربي صميم.

أما إذا كنت تسمي مسخًا وتشويهًا تفويتَ النِّكَات الجسكونية لاستحالة ترجمتها فإني أخالفك، إننا نعلم أن «مردروس» لمَّا نقل عن العربية أقاصيص ألف ليلة وليلة أباح لنفسه أن ينقص ويزيد بمقدار ما سوَّغ له ذوقُه الفني، ولم نجد من النقاد من وصف «مردروس» بالماسخ المشوِّه.

ولتلك المناسبة أُحَدِّثُكَ بما حدثني به صاحبٌ أحسَن الظن بروايته، قال إنه منذ نحو عشر سنين قرأ في مجلة المصور الفرنسية رواية أصلها فرنسي ترجمت إلى اليابانية، ثم أعيدت إلى الفرنسية منقولة من النص الياباني، وبعد المقارنة بين الأصل وبين المنقول كان ثمة فروق كثيرة اقتضتها اللغة اليابانية ورُوح الفن عند أهلها، ولم يكن الناقد عندئذٍ يسمي الفن الياباني مسخًا وتشويهًا.

وأما بعدُ — أيها الأخ — فبما أنك تحب أن تسمي القط قطًّا وإن انتفخ فلا تسميه أسدًا، فدعني أنا الآخر أسميك باسمك … أسميك بالوديع … وأسميك بالطيب … وأدعوك بكثير من الأسماء الحسنى، على أني عندما أذكر نقدك على المنفلوطي أدعوك المتحامل القاسي. لا تستكثر ذلك من لساني عليك فهو على عهدك به مزْحًا، ولم تلِن من حدة نبراته معاشرة الجنس اللطيف الذي يرقق العاطفة ويهذب اللسان.

فإذا فرغت من جهادك السياسي الذي يشغلك كثيرًا فضع يدك في يد الزعيم سعد الذي أعلن لنا أنه من أنصار قاسم — يقصد قاسم أمين — فإذا وفقتما واستطعت معاشرة الجنس اللطيف؛ فعندئذٍ يَرِقُّ لسانك على الكبر، ولا أسميك عندئذٍ لا بالقاسي ولا بالمتحامل.

عفوًا — أيها الأخ — إذا كنت قد أضعتُ من وقتك النفيس في هذا الجدل الذي لا يستحق أن يصيب من وقتنا ووقت القُرَّاء أكثر مما أصاب، فأختتم قولي داعيًا لك شاكرًا للمنفلوطي.

ومني عليك السلام ورحمة الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.