تمت اليوم حفلات مهرجان الشعر الخامس بالإسكندرية.

وقد كان هذا المهرجان — كما كانت المهرجانات السابقة — معلمًا بارزًا من معالم الطريق، على مراحل تاريخ الأدب عامة والشعر خاصة في ثقافتنا العربية.

ولا نصف المهرجان بغير وصفه الملموس حين نقول: إنه كان حجة قائمة للشعر العربي في هذا العصر بين سائر عصوره الزاهية، وإنها الحجة التي تحفظ للشعر العصري مكانته المرعية عند المقارنة بينه وبين الشعر في عصور اللغة العربية من ماضيها إلى حاضرها، وتدفع عنه كل ما يحتج به المحتجون عليه من ناقديه والمتنقصين لأدب هذا العصر وآداب العصور الأخرى على عمومها.

فقد ألقيت في المهرجان بضع عشرة قصيدة على الأقل ترتفع في فن الصياغة إلى الذروة العليا من طبقات النظم التي ارتفع إليها القصيد العربي في تاريخه العريق، منذ أقدم عهود الجاهلية.

وتنهض هذه الحجة على ناقدي الشعر العصري أو ناقدي الشعراء المعاصرين عند النظر إلى الموضوعات التي أحاطت بها قصائدهم، وهي شاملة لجميع الموضوعات التي يطرقها الشاعر وينسبها بعضهم إلى العصر الحديث كلما ذكروا شعر القصص وشعر الاجتماع وشعر الأحداث العالمية أو القومية، غير مقصورة على ضروب الشعر الغنائي أو شعر المناسبات الخاصة التي يقال بغير حق: إنها تستنفد أغراض الشعراء جميعًا في سائر البلاد العربية.

واستجاب الوزن في هذه الأغراض لقدرة الشاعر المطبوع في القصائد المقفاة على رَوِيٍّ واحد، أو القصائد التي تعددت فيها القافية وتعددت فيها المقطوعات ولم تتعدد البحور والأعاريض.

وإذا استطاعت قدرة الشاعر المطبوع أن تسلس النظم في القصة وشئون الاجتماع وشواغل العالم والوطن فقط سقطت دعاوى المحنقين على الوزن؛ لأنه قد يعوق الشاعر عن إطلاق العنان لقريحته في أمثال هذه الأغراض! وإنما هي دعاوى لم تصدق على غرض من هذه الأغراض عامة ولا على الشعر الغنائي قبل غيره، فإن الشعر الغنائي لم يكن قط أيسر نظمًا من شعر القصص أو شعر الاجتماع أو شعر الأحداث العامة على اختلاف أبوابها ومطالبها، بل هو أحوج إلى تجويد النظم والنغم من شعر الملاحم ومشاكل الاجتماع.

ولقد شوهدت بواكير هذه القدرة في قصائد الناشئين الثلاثة الذين استحقوا الجوائز في مسابقة الشعراء الشبان، فإنهم أقاموا حجة الشعر الأصيل على الذين يستصعبون الوزن والقافية ويحسبونها حائلًا بين الشباب وبين مجاراة ملكاتهم فيما طبعت عليه من الشاعرية الفتية.

وقد تقدم هؤلاء الشبان إخوان لهم في السنوات الماضية، فأسقطوا حجة الأدعياء ممن يحسبون أنهم هم وحدهم الشبان وهم وحدهم الشعراء … فلا تشجيع للشباب إن لم يكن تشجيعًا لهم دون غيرهم، ولم يكن هذا التشجيع تسليمًا لهم بهدم قواعد الفن وهدم التراث العربي في إبَّان عصر الإيمان بالعروبة ورسالتها الخالدة، وكل أولئك لغير ضرورة محتومة ولغير مصلحة للشعر ولا للشعراء، بل بغير استناد منهم إلى حجة مقبولة ولو بقصيدة واحدة يصح فيها دعوى المدَّعين أنها لم يسبق لها مثيل قديم أو حديث من شعر الوزن والقافية، وأنها جاءت بالعذر الذي يبيح لأبناء العربية أن يهدموا فنهم الجميل بأيديهم إلى غير رجعة.

وقامت كذلك حجة الشابات في هذا المهرجان كما قامت حجة الشبان المتسابقين والسابقين بغير سباق.

فقد كان بين الفائزين بالجوائز فتاة في طبقة من الشاعرية ترشحها لمستقبل ثابت في مجال الشعر المبتكر المطبوع. واشترك في المهرجان ثماني شواعر مجيدات يسبقن أعمارهن، ويرجى لهن مزيد من الإجادة والافتتان في سن النضج يلحقن بعرائس الشعر من الجنس اللطيف. وإنه لمن حق شواعرنا المبكرات أن يفخرن بما أقمنه للشعر النسائي من حجة محمودة إلى جانب كل «شعر نسائي» تحفظه لغتنا العربية، فلم يكن تأخر الزمن ليصدهن عن التقدم إلى طليعة الصفوف بين شواعر الحضارة العباسية والحضارة الأندلسية، وهن طبقة لا تقصر عن نظائرها في الحضارة الأوروبية، مع حسبان الفضل لقيود الحجاب الغابر وهو يجاري نشاط السفور المطلق من قديم.

***

ولسنا نبخس الشعراء حقهم إذا قلنا: إنهم خرجوا من المهرجان بالدور الأخير بين أدوار المستمعين والمتحدثين … فقد شوهد في كل يوم من أيامه أن إقبال المستمعين على الإصغاء كان أشد من إقبال المنشدين على الإلقاء، وقد لبث المهرجان ستة أيام كان إقبالهم في آخرها كإقبالهم في أولها، وكان الراغبون في حضوره وراء الأبواب أضعاف الحاضرين في رحاب المحفل الفسيح، فحق لهم أن يكونوا هم أصلاء الدعوة وأن يكون شعراؤهم هم ضيوفها القادمين إليها الناعمين بحفاوتها.

ورحب المستمعون بصوت العلم وهو يتحدث إليهم عن الفن الجميل كأنهم يستمعون إلى قصيد ينشد أو نغم يردد، واستطاع الجنس اللطيف في ميدان البحث العلمي كما استطاع في ميدان الفن الجميل أن يُكسب الوقار حلة من الزينة والجمال، فأصغى المستمعون إلى بنات حواء معلماتٍ كأنه يصغي إليهن مترنماتٍ.

وبأسلوب العلم الذي لا يستعير شيئًا من غلو الخيال نقول في توديع المهرجان: إننا لا نحتاج إلى الخيال لنبحث عن عصر ذهبي للشعر في الأزمنة الغابرة، فربما تسنَّى له عصره الذهبي في منتصف القرن العشرين!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.