يخيَّل إليَّ أنه لو أننا أحصينا الأفراد المنتجين — بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة — لتبيَّن لنا أن الملايين من شعبنا تعيش عالةً على أقلية منه، في أي مكان تصادفك قوًى ضائعة لا أثر حقيقي لها في الحياة، على حين أننا بلد نامٍ يحتاج كلُّ شبر منه إلى يد عاملة أو فكر مبتكر ليتغير وجهه وتَدِبَّ فيه الحياة ويجود بالثمار والجمال.

أقول: إنه في أي مكان تصادفك قوًى ضائعة، تجدها كثيرًا بلا عمل على الإطلاق، تتسوَّل أو تتصيَّد رزقها بالفهلوة والشطارة، أو تؤدي خدمات تافهة كتنظيف زجاج السيارات وبيع اللبِّ والسوداني وأوراق اليانصيب، أو تجدها بكثرة متزايدة في المصالح والمؤسسات ببطالتها المقنعة لا تقدِّم إنتاجًا ولا خدمة. ولو جاء ذلك نتيجة لاستيفاء احتياجاتنا من أوجه النشاط والعمل لهان الأمرُ واعتُبِرَ ضرورةً لا مفرَّ منها، ولكنه يجيء ونحن نشكو نقصًا حادًّا في شتَّى الحرف والصنائع؛ كالتجارة، والسباكة، والبناء، والأعمال الكهربائية والصحية، ونشكو نقصًا أجلَّ في عدد المعلِّمين الفنيين والعمال المهرة ومن يُستَعَانُ بهم على محو الأمية بصورة مخططة ومنتظمة. تلك معلومات لا يجهلها أحد ولا أظنها تَغِيب عن بال مسئول، وبرغم ذلك فما زلنا مقصرين في معالجتها وإيجاد الحل المناسب لها، بل إننا نعمل على استفحالها بإضافات جديدة من سوء التصرف.

فمثلًا كان يجب أن تستوعب المعاهد الفنية ومراكز التدريب ٧٥٪ من الشباب المتعلم، ولا يوجَّه إلى الجامعة إلا ذوو الاستعدادات العالية للتخصصات العلمية، كما كان يجب ألا يسمح بالتسول أو الأعمال التافهة إلا لكبار السن أو ذوي العاهات، وأن يُجَنَّد الآخرون في مراكز للتدريب تؤهلهم للعمل المفيد في الداخل أو الخارج. كان يجب أن نحصل على كفايتنا من المعلمين «للمدارس ومحو الأمية» من الموظفين المؤهلين الزائدين عن الحاجة. كان وكان وكان، ولكننا لم نفعل شيئًا حتى بدأ الريف يشكو قلة اليد العاملة! أجل تشتد الحاجة أحيانًا إلى اليد الزراعية العاملة فلا تجدها، ليس بسبب الهجرة، ولكن لأن أبناء القرية يحتقرون العمل الزراعي حال التحاقهم بالمدارس، وكان يجب أن يدرسوا شتاءً وأن يعملوا صيفًا وألا يجدوا في ذلك ما يَشِين، بل فيه ما يُعِزُّ ويُشَرِّفُ، وفي الوقت نفسه تجد العشرات من أبناء القرية يعملون فرَّاشِين وسُعاةً وممرضين في المصالح الحكومية القروية، مفضلين البطالة المأجورة على العمل الزراعي المنتج، ويستعينون في ذلك بأصحاب النفوذ، بل إن الدولة قدمت لهم ذلك أحيانًا حينما قررت أن تنفذ رغبات بعض المسرحين من الجيش، فاختار هؤلاء الوظائف الميري التافهة، معرضين عن عملهم الأصلي؛ وهو زراعة الأرض.

ومع ما يقال عن مواردنا من أرض زراعية ومعادن ومصادر للطاقة والسياحة وقناة السويس، فستظل قوتنا البشرية في مقدمة تلك الموارد، ولا اعتراض على تصدير الزائد من هذه القوة تحت شرط أن ينتفع الوطن بتصديرها على وجه ما، وعلى أن يحلَّ محلها آخرون ضمن خطة شاملة للتدريب والتأهيل.

أما أن تجري الأمور بلا تنظيم ولا تنسيق حتى يتمخض الحال عن هجرة الألوف المؤلفة من العمال والمهنيين والفنيين إلى الخارج، وعن تفشِّي النقص في الحرف والصنائع، وتبديد أعداد هائلة بين البطالة المقنعة والصعلكة في الداخل، فهو ما لا يتصوره عقل، وبخاصة في زمن التخطيط والأزمات.

وأخيرًا بدأنا نقرأ في الصحف عن نشاط وزارة القوى العاملة، في إنشاء مراكز التدريب المهني، وعما ينقص هذه المراكز من أجهزة، كما قرأنا عن تجديد نظام التعليم والتربية، وهي أخبار تدعو للأمل وإن جاءت متأخرة، وما نرجوه حقًّا أن يعمل المسئولون في هذه الميادين عن اقتناع كامل بأنهم يستثمرون أهمَّ مواردنا على الإطلاق وأنهم يقدمون لأزمتنا الاقتصادية حلًّا يفوق في فعاليته صناديق الدعم جميعًا.

الانحراف الديني

منذ قريب اكتشفت قوى الأمن جماعة دينية منحرفة يقوم بتضليلها أفراد ذوو دهاء وأغراض، وأظننا لم ننسَ بعدُ قضية الثانوية العسكرية ومنحرفيها وضحاياها. إذن فالانحراف في المجال الدين يوشك أن يشكِّل ظاهرة اجتماعية. والانحراف الديني ينشأ أساسًا من استغلال فئة من المغرضين للروح الدينية عند الشباب أو عند جمهرة منهم، فيحولونهم من مريدين للخير والتقوى والحب إلى متهوسين سفاكين للدماء. أما عن تقوية الاتجاه الديني عند الشباب، فهو اتجاه نحو التحرر والقيم في عالم يسوده الفساد والانتهازية، ولكن لِمَ لا يجد الشباب ما يُشبِع رغائبه الشريفة في التربية الدينية التي يتلقَّاها في مراحل التعليم المختلفة؟ لم لا يجدها في الإذاعة والتليفزيون والصحف وهي لا تخلو من البرامج الدينية؟ لم لا يزوِّده بها الأزهر عن طريق أئمته المنتشرين في المساجد وبشتى وسائله الأخرى؟

واضح أن المنحرفين لم يجدوا عند تلك الجهات ما يُشبِعهم ويَهديهم، فسهل على المغرضين أن يحتووهم ويضلُّوهم ويبنوا في نفوسهم روح الشرِّ والجريمة. وثمة احتمال أيضًا أنَّ تلك الجهات لا تؤدي رسالتها كما ينبغي لها، لعله ينقصها شيء، لعلها تُعْنَى بأشياء وتُهمِل أشياء، لعلها لم تهتدِ بعدُ إلى المنهج الصحيح وإلى اللغة المناسبة لمخاطبة جميع الشبان.

ولا يجوز — في اعتقادي — أن يُكْتَفَى بالتحقيق مع المنحرفين والمضللين ثم تقديمهم إلى المحاكمة، بل يجب أن يجري حوار بينهم وبين رجال من الأزهر، وآخرين من رجال التربية المسئولين عن الدروس الدينية، لا بُغية هدايتهم فحسب، ولكن للإفادة من معرفة أسباب الانحراف، ولإعادة النظر في أسلوب الدراسة الدينية والوعظ الديني والبرامج الدينية. وقد يتكشَّف الحوار عن عوامل تخريبية أخرى خارج نطاق الدين ورجاله؛ عوامل تفرخها الأزمة الاقتصادية العامة، والانتهازية المتفشية بين الكبار، وانعدام القدوة الحسنة المناسبة للزمان والمكان، مما تقشعرُّ له أبدان الأبرياء من الشباب، ويهيئهم لردود الفعل المتطرفة وتوجيهات المضللين الأذكياء. وقد يتكشَّف الحوار أيضًا عن تجلِّي هموم الشباب الخاصة كالجنس والمسكن والمستقبل والزواج والرواتب والتعليم والثقافة، وهمومه العامة كالانحراف والنفاق والتسيب، وكيف أنه لم يسمع للدين صوتًا، سواء في همومه الخاصة أو العامة، وكأنما استغرقته — صوت الدين — المواعظ التقليدية والذكريات التاريخية والمعارك السياسية والنضال لتطبيق الحدود.

أعتقد أن الحوار الذي أقترحه سيحقِّقُ خيرًا لا شك فيه لجميع الأطراف.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.