تصدر في بيروت من عدة سنوات صحيفة أدب واجتماع وسياسة باسم «الجمهور» وهي من خيرة الصحف في القطر الشقيق، ومن أغزرها مادة، ويحررها الأديب الكبير الأستاذ ميشال أبو شهلا، ويعاونه لفيف من صفوة الأدباء والشعراء. وفي كل أسبوع تنشر حديثًا في الأدب والسياسة يكتبه الأستاذ إلياس أبو شبكة، وقد قرأت له في أحد الأعداد الأخيرة التي تلقيتها عتابًا هو من (المِقَة) والحب، ومرجعه إلى الرغبة في التواصل وتوثيق الروابط.

والداعي إلى العتاب هو أن مجلة الرسالة الغراء نشرت كلمة للأستاذ محمد عبد الغني حسن قال فيها:

نشرت البرقيات الخاصة أسماء الفائزين الأول في مسابقة الشعر العربي التي نظمتها محطة الإذاعة اللاسلكية في لندن. واسم الفائز الأول في موضوع نهضة الشباب هو «ابن العرائش». وليس «ابن العرائش» هذا اسمًا، ولكنه كنية اتخذها الشاعر الحقيقي. أما اسمه الكامل فهو «نجيب إليان» من أهالي زحلة التي خلدها المرحوم شوقي الشاعر بقصيدته الفاتنة. والأستاذ نجيب إليان يشغل الآن منصب مدير قلم المطبوعات اللبناني. ولم أعثر له على ترجمة أو «لوحة أدبية فنية» في كتاب «الرسوم» الذي ألفه الأديب اللبناني المشهور إلياس أبو شبكة، فلعل الأستاذ أبا شبكة يصور لنا صديقه الشاعر نجيب إليان في صورة طريفة لمجلة «الرسالة» الغراء.

وقد علق الأستاذ أبو شبكة على هذه الكلمة بقوله إنه قد يكتب الترجمة المطلوبة ولكن ليس لمجلة الرسالة التي يجل صاحبها ويقدر أدبه ويعرف مكانته، كما يجلُّه جميع أدباء لبنان الذين لا يعرفون للأدب حدودًا ولا مناطق. قال: «فالأديب اللبناني أو بالأحرى الأديب الذي يعيش تحت سماء هذه البقعة الجميلة من الشرق ينظر إلى أخيه الأديب الذي يعيش في مصر أو في العراق أو في فلسطين أو في أية بقعة تنطق باللسان العربي نظرته إلى أخٍ تربطه به روابط اللغة والروح والمودة والعرف — روابط شعور واحد وهدف واحد. على أن الأديب المصري لا يشعر نحو أخيه اللبناني بمثل هذا الشعور. وهذه الحقيقة الموجعة يثبتها إهمال الصحافة المصرية بالإجمال للحركة الأدبية القائمة فيما يلي مصر من الأقطار العربية ولبنان منها بوجه خاص … وقد لا أبالغ إذا قلت إني لا أقع في الصحف المصرية إلا في القليل النادر على ذكر كتاب أصدره لبناني في لبنان.»

هذا عتاب زميلنا الأستاذ أبو شبكة، وليس يسع منصفًا إلا أن يعترف أنه على حق فيه، وأنه ما عدا الواقع ولا بالغ فيما قال. وقد يسره أن يعرف أن من الأدباء «الذين يعيشون في مصر» — وأنا منهم — من يعتب هذا العتب على المصريين، ولست ألومه إذا كان يجهل ذلك فإن المسئول غيره. وآخر ما قلته في هذا المعنى للمصريين، ولم يسمعه، أو لم يسمع به أحد، أحاديث ثلاثة سجلت في مصر لتذاع من محطة الشرق الأدنى، تناولت فيها الأدب العربي في مصر وفلسطين ولبنان، وكان العزم إذا أتيحت لي فرصة أخرى أن أتناول الأدب العربي في سوريا والعراق والحجاز وبلاد المغرب، وقد قلت لمواطني في الحديث الأول ما معناه إن بلاد الشرق العربي لا تحتاج إلى تعريف بالأدب والأدباء في مصر، ولكن مصر هي التي تحتاج إلى التعريف بالأدب في البلدان العربية الأخرى.

وهذا هو الواقع، وإني لأشهد أني وجدت في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق والحجاز من يعرف عني أكثر مما أعرف عن نفسي ومن يذكر بعض ما أنستنيه الأيام مما كنت نشرته قديمًا، ولو قلت إن بلاد الشرق العربي أعرف برجال مصر في كل باب، من المصريين أنفسهم، وأعلى بهم عينًا، وأشد تعظيمًا لهم، لما جاوزت الصواب، ولا يصدق من يقول إن المصريين على العموم يتبعون الحركة الأدبية أو غيرها في البلدان العربية الأخرى مثل هذا التتبع الدقيق.

على أني أحسب أن أخانا الأستاذ أبو شبكة يوافقنا على أن التتبع الدقيق للحركات الأدبية مقصور في كل أمة على الأدباء والمعنيين بالأدب ودرسه، فليس بمستغرب أن نجد مصريين من غير هؤلاء وأولئك يجهلون الأدب الحديث في أقطار عربية أخرى. وقد يكون التفاوت الملحوظ في مبلغ الإحاطة مسألة نسبية لا أكثر ولا أقل.

وأحسب كذلك أن أخانا الأستاذ أبو شبكة يوافقنا أيضًا على أن الحالة في مصر تغيَّرت في السنوات الأخيرة، وأن مصر اتجهت الوجهة التي ترضي إخواننا العرب جميعًا، وأن هذا الاتجاه الذي أعانت الأحوال عليه، وأشارت الحكمة به، والذي جاء استجابة لهواتف الدم والميراث التاريخي المشترك، هذا الاتجاه سيفضي لا محالة إلى ما يبغي إخواننا الأدباء في لبنان وغيره.

وقد سرَّني قول الأستاذ أبو شبكة إن الأديب اللبناني ينظر إلى الأديب المصري أو العراقي أو الفلسطيني … إلخ نَظَرَه إلى أخٍ تربطه به روابط اللغة والروح والمودة والعرف، ولا شك أن هذا هكذا، ولكنها على صدقها كلمة تستحق التسجيل، وعسى أن تكون هذه نظرة كل واحد — لا نظرة الأديب وحده — في مصر ولبنان جميعًا.

وما أظن بأخينا الأستاذ أبو شبكة إلا أنه يأذن لي في إنصاف قومي وبلادي بعد أن طال وكثر عتبي عليهم وعليها، فإن مصر الآن — حكومة وصحافة وشعبًا — ترفع صوتها بمعنى هذه الكلمة التي جرى بها قلم الزميل الأديب، والتي لا يخالجني شك في أننا سنسمع مثلها قريبًا في لبنان كله، حكومة وصحافة وشعبًا، ويومئذ يذكر للأستاذ أبو شبكة فضل جديد يضاف إلى فضله السابق الذي لا ينكره أو يجحده عارف به، فيقال عنه إنه أول مثوب وأسبق مؤذن في قومه بهذه الدعوة الصالحة الموفقة إن شاء الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.