يظهر أن الجيش المنتصر لم يطهر الميدان، ولم يُحْسِن إخلاءه من العدو، كما أنه لم يمعن في تتبُّع المنهزمين، ولم يجرد الأسرى من السلاح، وإنما أسكره الظفر، وصرفته نشوة الانتصار عن الحذر والحيطة، واضطرار العدو إلى العجز المطلق، الذي يحرمه كلَّ حركة وكلَّ نشاط. ولولا هذا لما ظهر صدقي باشا في الميدان متحدثًا إلى الصحف على استحياءٍ، مدافعًا عن نفسه في تردد، متعرضًا لقصة الكورنيش كأن أحدًا قد عرض له في قصة الكورنيش. ولولا ذلك لما أصبح الناس اليوم، وإذا صحيفة جديدة تطلع عليهم مع الشمس، وتذكر صدقي باشا في برٍّ ورفق، وفي تمدُّح وفخار، وتذكر خصوم صدقي باشا في حدَّة وشدة، وفي لوم عنيف، وتقريع مخيف، فهذا وذاك يدلان دلالة واضحة جلية على أن انتصار الوزارة لم يكن مؤزَّرًا، وفوزها لم يكن شاملًا، وعلى أن الميدان، إن خلا لها في البرلمان من صدقي باشا، فهو لم يخلُ خارج البرلمان، فصدقي باشا ما زال يتَّصل بالصحف، ويتحدَّث إليها، غامزًا لامزًا، مشيرًا ملمِّحًا، يدافع اليوم ليهاجم غدًا، وصدقي باشا ما زال قادرًا على أن يَجِدَ صحيفة تَذُود عنه وتحميه، وتهاجم خصومه وتلحُّ عليه في الهجوم، وتُؤْوِي فلول المنهزمين؛ تجمعهم من كل صوب وتَلُمُّ شعثهم بعد التفرق، وتحاول — ومن يدري لعلها توفق! — أن تُكوِّن منهم جيشًا إن لم يكن قادرًا الآن على الهجوم الخطر، فهو قادر في كل حال على أن يضايق الخصم، وينغص عليه الحياة.

وأكثر من هذا أن ميدان البرلمان نفسه لم يخلُ للوزارة فيما يظهر ولم يصفُ لها الجوفية كما كانت تريد. فهؤلاء فريق من النوَّاب الشعبيين والاتحاديين قد تمرَّدُوا أمسِ على الوزارة، فانتخبوا من لم تكن تريد أن ينتخبوا، وتمردوا على الحزبين الشقيقين، فانتخبوا من لم يرضَ عن ترشيحهم الحزبان الشقيقان. رفعوا راية التمرد جريئة خفَّاقة فأقصوا مرشح الوزارة والحزبين إقصاءً، وأعرضوا عنه إعراضًا، ووضعوا مكانه رجلًا آخر يسمي نفسه مستقلًّا. ثم لم يكفهم أن ينتهي يوم التمرد إلى هذا الحد، بل أمعنوا في الخروج، وغَلَوْا في الخلاف، فأدخلوا الشقاق في حزب الشعب، وكان رئيس الوزراء يظنُّ أنه خرج من حزب الشعب يوم خرج منه صدقي باشا، أدخلوا الشقاق، ووضعوا بإزاء مرشح الوزارة والحزب رجلًا آخر من الحزب لم ترشحه الوزارة ولم يرشحه الحزب، والغريب أنهم كانوا يفوزون أمس في هذه الحركة، وينتصرون في هذه الموقعة، ويكفل الفوز المبين لفريق من حزب الشعب على فريق، ومما لا شك فيه أن هذا الهجوم الفجائي، وهذا الانتصار على غير انتظار قد فتح للروع بابًا إلى بعض القلوب، وفتح للغضب والحنق بابًا إلى بعضها الآخر، فقومٌ طلبوا إعادة الانتخاب، وقومٌ ألحُّوا في تعجيل الإعادة، وقومٌ ألحوا في تأجيلها، وقومٌ تنكروا، وقومٌ تنمَّروا، وقوم ضعفوا، وقوم دب إليهم اليأس، وتسلَّط عليهم الخذلان، وقومٌ ملكوا أعصابهم، واحتفظوا بالحلم والأناة، وسعوا بين النواب باللوم والعتاب، حتى لفتهم نائبٌ إلى وجوب أن يحترم الدستور، وألا يعتدى على الضمائر.

كل هذا غريبٌ، وكل هذا طبيعي، وقد تنكر أن يكون الشيء غريبًا وطبيعيًّا في وقتٍ واحد، ولكنك خليق أن تذكر أنك في مصر، وفي بيئة خاصة من البيئات المصرية، وأن اجتماع النقائض وائتلاف الأضداد شيء مألوف في مصر، وفي بعض البيئات المصرية بنوعٍ خاص.

غريبٌ جدًّا أن تنهزم الوزارة في انتخاب الوكيلين بعد أن انتصرت في انتخاب الرئيس، ولكن هذا الشيء الغريب طبيعي في الوقت نفسه؛ لأن الوزارة حين انتصرت على خصمها لم تحسن تطهير الميدان، ولم تستوثق من أن الخصم قد أصبح عاجزًا لا يقدر على شيء.

وكذلك استطاع الناطقون بلسان صدقي باشا أن يعودوا إلى الوزارة بعد أن فروا منها، وأن يذكروا لها التقاليد والدستور، ويلفتوها إلى الذوق وما يشبه الذوق، ويشجعوا عليها الذين انصرفوا عنها أمس، وسيمضون في ذلك غدًا وبعد غدٍ، حتى تكون الموقعة الثانية بين العبفتيين والصدقيين في مجلس النواب، فينتصر فيها مرشح الحكومة المنتصرة، أو يظفر فيها مرشح الصدقيين المنهزمين: فليس ينبغي للوزارة أن تلوم إلا نفسها؛ فهي التي لم تحسن الحرب، ولم تُجِد التدبير، وهي التي غرَّها بقوتها الغرور، فتركت نفسها تلدغ من جحر مرتين حين صدقت أن صدقي باشا يعتزل السياسة، ويكفُّ عن المناوأة متى استقال.

والواقع أن أمور الوزارة وأمور صدقي باشا لا تخلو من غرابة واضطراب، ولعل الإنجليز مسئولون بعض الشيء عن تلك الغرابة وهذا الاضطراب. فقد أظهر صدقي باشا أنه اعتزل السياسة حين استقال من رياسة الحزب ومن مجلس النواب، وسافر إلى الإسكندرية، ليستريح فيها أيامًا، وقال أو أذن لمن قال إنه سيعود من الإسكندرية ليستريح في تلك الدار التي شهد فيها هزيمته الأخيرة، حين دعا إليه النواب فلم يستجب له إلا القليلون.

وبينما هو في الإسكندرية وإذا الصحف تتحدث فجأة بأنه سيعود إلى القاهرة ليشرب الشاي مع المندوب السامي المنقول، وفهم الناس أنه شاي الوداع. ولم لا يفهمون هذا وقد أزف الرحيل، وأخذت الأسباب تتقطع بين المندوب السامي وأمور مصر، كما تقطعت بالفعل بين الدكتاتور وبين هذه الأمور، ولكن الوداع نفسه لا يخلو من دلال، ولا سيما عند فريق من الناس الذين يستخرجون شيئًا من لا شيء، ويقدرون أن الإنجليز لا يهملون السياسة حتى في أوقات الوداع. وصدقي باشا من هؤلاء الناس ولا سيما في هذه الأيام التي هو فيها أشبه شيء بالغريق يلتمس ما يتعلَّق به، ولو كان واهيًا رثًّا، فليس ما يمنع، بل هناك ما يرجِّح أن قدح الشاي الذي شربه عند المندوب السامي يوم الثلاثاء قد رد إليه نفسًا من حياة، وشعاعًا من أمل، وخيِّل إليه أنه قادر على أن يستأنف النشاط، ولكن في أناة وتمهل وحذر، حتى يأذن الله له بالهجوم، والغريب أنه شرب قدح الشاي يوم الثلاثاء وأعطى بيانه للأهرام يوم الأربعاء. وإن الصحيفة التي تنطق بلسانه في أكبر الظن كانت تريد أن تصدر يوم الخميس، فآثرت أن تصدر يوم الجمعة، ومعنى ذلك أنها لو صدرت يوم الخميس لما تحدثت في السياسة إلا حديث المنهزمين المضطرين إلى الفرار، فأما إذا صدرت يوم الجمعة بعد أن يفتح البرلمان ويكون الانتخاب في مجلس النواب، فقد تستطيع أن تقول شيئًا يغيظ الخصوم، ويمهِّد للهجوم. وكذلك كل ما قدرت فظهرت اليوم وفيها حديث عما أصاب الوزارة أمس من هذه الهزيمة المضحكة.

فأنت ترى أن الأمور ليست من الصفو للوزارة وأنصارها بحيث يظنون، أو بحيث يقولون، وأن صدقي باشا — وإن كانت حياته السياسية قد ختمت بالقياس إلى الشعب، وبالقياس إلى جد الأمر — ما زال قادرًا على أن ينغص الحياة على قوم كانوا يظنون أن قد صفت لهم الحياة، وأكبر الظن أن الذين زعموا أن صدقي باشا سيناوئ الوزارة في البرلمان وهو بعيد عن البرلمان كانوا أعلم بالرجل من خصومه الوزراء. وإنها لوزارة ضعيفة جدًّا مسرفة في الضعف، هذه الوزارة التي يستطيع أن يكيد لها ويشتطَّ عليها رجل قد فرغ الناس منه وفرغ هو من نفسه. وإنها لوزارة ضعيفة جدًّا هذه الوزارة التي يستطيع أن ينغص عليها رجل كصدقي باشا، ويضطرها إلى أن تنظر أمامها فلا ترى إلا شكًّا، وأن تنظر وراءها فلا ترى إلا شكًّا، وأن تنظر من يمين وشمال فلا ترى إلا شكًّا، وأن تقتنع بأن الشك قد أخذها من كل مكان، وأن تشغل بهذا الشك عن اليقين وتنفق ما تملك من قوة وجهد لتخلص من صدقي باشا حين كان صدقي باشا ظاهرًا في الميدان، ومن ظل صدقي باشا أو من ظلاله بعد أن استخفى صدقي باشا من الميدان، وما رأيك في وزارة ستنفق ما بقي من أيامها في محاربة الظلال؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.