أمام الباب الكبير لجامعة القاهرة قاعدة لتمثال كان العهد الملكي يريد أن يقام عليها تمثال الملك فؤاد الأول، لأن بناء الجامعة أقيم في عهده وبتشجيعه، ولأنه كان رئيسًا لمجلس إدارة الجامعة المصرية قبل أن يتولى العرش، وحين كانت الجامعة أهلية تعتمد ميزانيتها على ما يتبرع به المصريون لها.

وطبيعي أن لا يقام في العهد الجمهوري تمثال الملك، فماذا يكون مصير هذه القاعدة المقامة أمام باب الجامعة. لا أظن أحدًا يفكر في هدمها، وأظن كثيرين يوافقونني على أن أجدر رجل بأن يقام له تمثال عليها هو المرحوم قاسم أمين، فهو أول من فكر في إنشاء الجامعة، وهو أكثر الذين عملوا لتحقيق فكرتها بنشاط وهمة، وهو الذي كان يجيب دعوات الذين يريدون التبرع للجامعة ليخطب فيهم شاكرًا لمن تبرع، مشجعًا غيره على التبرع.

وقاسم أمين جدير بأن يقام له تمثال لأسباب أخرى، فهو الذي دعا لتحرير المرأة من رق الجهل ومن رق الحجاب، وإليه يرجع أكبر الفضل في النهضة الاجتماعية التي نهضتها مصر في النصف الأول من هذا القرن العشرين، ولو أن النساء والبنات المتعلمات في مصر ذكرن له هذا الجميل لأسرعن إلى جمع التبرعات لإقامة تماثيله لا في القاهرة وحدها بل في العواصم المختلفة بمصر، ولكن فضله العظيم في إنشاء الجامعة، وقد أصبحت من المنشآت الحكومية الكبرى، يجعل من حقه أن يقام تمثاله على القاعدة القائمة أمام باب أول جامعة أنشئت في مصر، جامعة القاهرة.

ولا أريد بإقامة هذا التمثال تخليد ذكر قاسم أمين وكفى، فذكره مخلّد بغير تمثال، ولا يزال الناس يصفونه حقًّا بأنه الأب الروحي لنهضة مصر الاجتماعية الحاضرة، وأنا أريد أن يذكر شباب الجامعة حين دخولهم إليها وحين خروجهم منها أن من حق من خدموا بلادهم أن تعترف البلاد بجميلهم، ليكون ذلك حافزًا لهؤلاء الشبان على أن يفكروا في وطنهم وفي أبناء وطنهم قبل أن يفكروا في أنفسهم وفي أنانيتهم.

من حق من خدموا بلادهم أن تعترف بجميلهم، كما أن من حق الوطن أن يعترف أبناؤه بجميله عليهم، وأنت حين تمر في المدن الكبرى بالبلاد المتقدمة في الحضارة ترى تماثيل من خدموها من أبنائها، في العلوم والفنون والآداب والصناعة وكل مقوم من مقومات حياتها، أمَا ونحن نتحدث الآن عن الجامعة، وعن قاسم أمين، فإنني لأذكر دائمًا هذه التماثيل التي كنا نمر بها ونحن نطلب العلم في باريس قائمة أمام السوربون، أو أمام الكوليج دفرانس، لرجال خدموا العلوم والفنون فخلدت فرنسا ذكرهم في تلك التماثيل، ولا أحسب شعبًا يقتصر في إقامة تماثيله على الملوك أو على الزعماء السياسيين يضرب بهذا الاقتصار المثل لأبنائه تشجيعًا لهم على خدمته، فالميادين التي يخدم الإنسان فيها وطنه كثيرة متشعبة، ومن الخطأ الظن بأن العلم أو الفن أو ما إليهما دون الزعامة السياسية أثرًا في حياة الأمم.

أتراني وقد وجهت هذا النداء ألقى له صدًى يتجاوب في أرجاء العاصمة وفي غيرها من المدن؟ وهل يخفُّ أساتذة الجامعات المختلفة لتأييد ما أدعو إليه؟ أرجو، وأعتقد أن ذلك واجبنا جميعًا لرجل اختاره الله إليه من نصف قرن من الزمان، ولا تزال ذكراه عاطرة على الزمان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.