تعودت منذ زمن طويل أن أتحدى رقم (١٣) كلما صادفني في عمل من أعمالي، أو في شأن من شئون المعيشة اليومية. وقد أتعمَّد تحديه قصدًا إذا لم «تُسعدني» به المصادفة.

ويعلم أصدقائي وأصحابي أنني سكنت في منزل رقمه (١٣)، وأنني اخترت رقم التليفون مبدوءًا ﺑ (١٣) يوم كانت نمرة التليفون تتألف من أربعة أرقام.

ويعزو الأصدقاء والأصحاب هذه العادة إلى اشتغالي بقراءة ابن الرومي ودراسة حياته وأطواره وأسلوب شعره وأساليب عصره، ولكنني أظن أن اشتغالي بهذه الدراسة هو نفسه نتيجة العادة التي تتحدى التشاؤم، وتتحدى الخرافة بجميع أنواعها، وأن السبب الأصيل يرجع إلى الحقبة التي نشأنا فيها؛ لأنها كانت حقبة تشيع فيها الخرافة وتقترن بكل خُطوة من خطوات الحياة العامة أو الحياة الخاصة، ثم جاءت دراسة ابن الرومي فمكَّنتها وأوجدت لها سببًا مفهومًا من الشواغل الأدبية، وهي عندي بمثابة الشواغل الأولى قبل كل شاغل.

ونويت السفر إلى أسوان بالقطار هذه السنة، وكنت أفضل السفر إليها بالطائرة كلما اتصل عمل الخطوط الجوية بينها وبين مصر الجديدة، ولكن موسم الطيران ينتهي هذه السنة في السابع والعشرين من شهر فبراير الحاضر، فلا أستطيع إذا أزمعت الذهاب والإياب بالطائرة أن أقضي فيها أكثر من بضعة أيام؛ لأنني لم أكَد أفرغ للسفر قبل اليوم العشرين من الشهر.

فعوَّلت على السفر بالقطار.

وصادفني الرقم (١٣) في عربة النوم فرحبت به أَصْدَق ترحيب، واعتبرتها إحدى المصادفات «السعيدة».

ولكنني تحدَّيت التشاؤم ولم أحسب أنه يتحداني من وراء الغيب، أو يُخرج لي لسانه دون أن أراه.

نظرت إلى رقم المقصورة فإذا هو (١٤) وناديت فَرَّاش القطار أحسبه قد أخطأ قراءة التذكرة فعلمت أنه لم يُخطئ، وأن رقم (١٣) يساوي رقم (١٤) في هذا القطار.

ولما أدهشني جوابه بهذا المعنى لفت نظري إلى رقم مكتوب فوق مفتاح النور فوجدته صاحبنا القديم … رقم (١٣) بالخط الواضح الأسود الجميل.

وتم التوفيق إلى نهاية الطريق، فوصل القطار في موعده أو بعد موعده بدقائق معدودات. ولم أجِد على المنضدة أثرًا من الغبار الذي كان يملؤها بعد القاهرة ببضع ساعات.

إذا أصبحت (١٣) تساوي (١٤) في مكانٍ من الأمكنة في هذا الكون الفسيح فلا غرابة بعدها لمعجزة من المعجزات!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.