يقول الأستاذ «العوضي الوكيل» في خطاب كتبه إليَّ إنه قرأ في العدد الأخير من «المجلة» مقالًا للدكتور على الراعي عن قصة «سارة» قرر فيه أنها قصة ليست نامية ولا متطورة، وأنه وجد فيها موقفًا واحدًا يواجه فيه الجسدُ الحي العقل الصاحي، وأن الحب في هذه القصة حالة ثُبِّتَت بالدبابيس وسُلطت عليها أضواء لا ظلال لها إلى آخر ما قال …

ويرى الأستاذ العوضي أن «سارة» توشك أن تكون ترجمة نفسية صادقة لقطعة من حياة رجل عبقري وامرأة فَذَّة؛ ومن ثَمَّ فإن الوصف التقريري الذي عابه الناقد على الكاتب — إذا صح — لا يُعتبر عيبًا، وإنَّما العيب أن يبحث موضوع سارة بمعزل عن دواوين العقاد.

وقد رجعنا إلى المقال الذي أشار إليه الأستاذ العوضي فلم نجد فيه رأيًا يحتمل المناقشة، وإنما وجدنا فيه الذي يسميه كاتبه «حالة» مشبكة بالدبابيس كما قال، أو مدقوقة بالمسامير كلما حاول أن يشبكها بالدبوس فأعوزته الدقة اللازمة لهذه الصناعة.

والحالة البارزة من عنوان المقال هي حالة الشعور العدائي للرواية وأبطال الرواية! وموضوع الرواية؛ لأنها ليست من روايات «المجتمع» على رأي الناقد، وخَلِّ بالك يا سيد عوضي من حكاية المجتمع هذه في رأي أخينا المشار إليه؛ فإنها تدُلُّك على تلك الحالة النفسية كلما دلَّت على إلغاء التجارب الإنسانية في موضوعات الفنون، وحصَرتها فيما يشتقونه من الجيم والميم والعين في كلمات مجتمع ومجتمعات واجتماعيات واجتماعيين … إلى آخر هذه الحكاية المعروفة التي أوشكت عندهم أن تعزل النفس الإنسانية عن النفس الاجتماعية، وهي لا تنعزل عنها بحال من الأحوال غير تلك الحال!

أمَّا تلك الحال من الشعور العِدَائي نحو أبطال الرواية وموضوع الرواية فظاهرة من العنوان الذي ينادي فيه الناقد على «المرأة الغزِلة وكيف أنقذت الرواية من البوار».

فلولا الشعور العدائي نحو الرواية وموضوعها لما كان هنالك من معنى لِذِكر البوار في هذا المقام.

فإذا كانت الرواية حية فلماذا نذكر الموت الذي كانت ستصير إليه أو سوف تصير إليه، إلا إذا كنا نتمنَّى أن تصير إليه؟

من الذي يقول — مثلًا — إن روايات شكسبير ميتة لولا الصدق في رسم شخصياتها؟

ومن الذي يقول إن روايات دستيفسكي لولا التحليل النفساني لم تحسب من الروايات؟

ومن الذي يقول إنه لولا الفحم لما انتقل القطار من المحطة؟

ومن الذي يقول وهو يرى المُصارِع الظافر في حلبة الصراع إنه لم يكن لينتصر لو لم يتنفس الهواء، أو لم يكن لينتصر لو لم تتوافر له وسائل الانتصار؟

يقول ذلك ناقد واحد لا يستند إلى رأي ولا نقد، ولكنه يستند إلى شعور دخيل يَبْدُرُ منه على الرغم منه، فيخطر له الموت والبوار من وراء الحياة والنجاح، ويبرز له الجانب الحسَن واضحًا فيقول له متأفِّفًا: ما هذا أيها الجانب الحسن الفضولي الذي يواجهنا من حيث لا نبغيه؟ تَنَحَّ قليلًا لنرى أين يكون الجانب السيئ الذي كنا نترقبه هنا لو لم تقطع علينا الطريق!

ونعيد إلى الناقد «البواري» بضاعته فنقول له عن نقده: إنه النقد الذي كاد أن يستتر لولا أنه مكشوف!

ويلحق بهذه الحالة الدبوسية أو المسمارية حالة من الوصف التقريري المزعوم؛ فإن الناقد الذي يصف رواية سارة بهذا الوصف يشهد لها هذه الشهادة ليجرِّد بطلها همامًا من الإحساس والعاطفة أو ليسمح له بنصيب منهما يجعله إحساسًا مهددًا بالجمود أو عاطفة مهددة بالجحود!

وواحدة من اثنتين: إما أن أخانا المشار إليه يفهم الإحساس على السماع، وإما أنه يحسه ويلمسه ولكنه يغطيه بشهادة الوصف التقريري لتكون شهادة «ألعن» من الاتهام.

ولولا ذلك لكانت الرواية أحق باتِّهام آخر لا يرتضيه أخونا المشار إليه؛ فإنه ليصدق جدًّا لو أنه قال إن الرواية فيها من الإحساس فوق ما تحتمله فصولها وصفحاتها، ونبدأ من فصلها الأول، بل سطرها الأول، حيث تقول الرواية عن بطلها همام:

مضت خمسة أشهر قبل أن يجرؤ على عبور ذلك الشارع مشيًا على قدميه.

وليس الشارع مُقفرًا أو مُخيفًا … ولا هو بالبعيد عن طريقه … ولكنه كان شارعًا يلتقيان فيه … فلما وقعت الجفوة بينهما وانقطع طريقهما إلى تلك الدار كانت كل خطوة في تلك الطريق كأنما تُثقل النفس بآكام فوق آكام من الذكريات والآلام، وكانت كل زاوية من الزوايا كأنما تخفي فيها رصدًا من الشياطين الثائرة والعِقبان الكاسرة، وكان اجتناب تلك الطريق أسلم الأمور وأهون المحذورات.

سمير أحمد ندا، شبرا، مصر

وعند أخينا الناقد البواري أن همامًا الذي تثير الخطوة في الطريق بركانًا من الإحساس في نفسه لا تثيره الشياطين الثائرة هو المتهم بالإحساس الضعيف والعاطفة الفاترة!

ويلك! أو يلاك!

ولا لزوم للباقي فإنه غني عن البيان.

الكتابة تحت اسم مستعار

أمر لا غرابة فيه أن يضع الكاتب مؤلَّفاته باسم مستعار تحت ضغط ظروف غاشمة تجنبًا للإرهاب وإيثارًا لأسباب السلامة، ولكن الأديب المناضل — أريك ماريا ريمارك — يكتب اليوم تحت اسم سيرام، فهل هناك أسباب تحفزه إلى ذلك وقد ذهبت دولة النازية وقضى زعيمها؟ … سؤال كان موضع نقاش بيني وبين بعض الزملاء وآمل أن نطالع تفسيرًا له في يومياتكم بصحيفة الأخبار.

إنني لم أطلع على مؤلف للكاتب المعروف «أريك ماريا ريمارك» بغير هذا التوقيع، ولا أدري ما هو الباعث له على الكتابة باسم مستعار، ولكن الاسم المستعار يُختار أحيانًا لأسباب كثيرة غير اتِّقاء السطوة الغاشمة، وقد يختاره الفنان كما يختاره الكاتب والشاعر، بل يختاره الممثِّلون والممثِّلات وهم ظاهرون على المسارح لا يتوارون بأسمائهم ولا بأشخاصهم عن الناظرين إليهم من أصحاب السطوة أو النقاد أو عامة المتفرجين، وكثيرًا ما يشتهر الأديب والفنان باسمه المستعار في حياته وبعد مماته ويسمى في عرف الاصطلاح الشائع باسم الريشة Nome de plume أو اسم المسرح Nome de theatre كما نرى عندنا في أسماء الممثلات على الخصوص، وربما بدا الكاتب أو الفنان باسم مستعار لأسباب اجتماعية أو عائلية، أو لامتحان النقاد والقراء والتَّدَرُّع من حملات الأهواء وشبهات النيات بدرع من دروع التنكر الموقوت، ثم يشتهر بهذا الاسم فيعز عليه أن يفقد شهرته ويرجع إلى اسمه الأصيل. ومنهم من يتخذ الاسم المستعار لأنه ينتمي إلى طائفة معرَّضة للتعصُّب والكراهية لأسباب دينية أو سياسية يخشى أن تجور عليه وتدفع فريقًا من النقاد والقراء إلى غمط حقه وإنكار حسناته؛ تعصُّبًا على طائفته أو حزبه … وقد حدث منذ سنوات أن شاعرًا إسكندريًّا مجيدًا أراد أن يداعب القراء ويستخدم الحيلة المقبولة لتنبههم إلى قراءة شعره فجعل يرسله إلى الصحف باسم «زينب توفيق» وجعلت الصحف تنشره وترحب به؛ لأنها اعتقدت أن ظهور شاعرة بهذه الدرجة من الإجادة، وبغير مقدمات متدرِّجة في الظهور، أمر نادر يتلقاه قراؤها بالقبول والاستزادة ولا يلتفتون إلى الشعر هذا الالتفات لو جاءهم من شاعر بين نظراء غير قليلين، ثم ندِم الشاعر على اختفاء هذا النقاب بعد انكشاف الحيلة؛ لأنه ضيع به شعور الغرابة وإن لم يضيع به شعور الاستحسان.

وقد يكون للأديب «أريك ماريا ريمارك» سبب من هذه الأسباب في اختيار اسمه الأول ثم اختيار اسمه الأخير؛ إذ ليس لقبه هذا باللقب المكتوب في دفتر المواليد. ولكنه كان يسمى «بول كرامر» قبل هذا الاسم العلمي المشهور، ولعله أحس بعد عرض رواياته على اللوحة البيضاء أنها أصبحت لونًا قديمًا على عادة المعروضات في الولايات المتحدة حيث يقيم منذ نَيِّف وعشرين سنة، فاختار أن يطلع على المتفرجين باسم جديد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.