أذاع البابا أخيرًا رسالة عيد الميلاد وقال: إن خوف الناس من الحرب صرفهم عن التفكير فيها، وعن الحرب الباردة التي ظلت تجثم على صدر العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لكن انصرافهم عن هذه الحرب الباردة أدى بهم إلى سلام بارد، يشوبه الخوف والقلق من أن تعود الحرب الباردة أو الحرب الحامية فتجثم على صدر العالم من جديد.

وعبارة السلام البارد هذه تصور حقيقة الحال التي يتخطاها العالم اليوم. وأبرز مظاهرها عدم الثقة بين الأمم، بل بين الأفراد كذلك. وقد يكون يسيرًا أن نفهم عدم الثقة بين الخصوم أو بين الأعداء، وتفسر بذلك ما تنقله إلينا الأنباء عما بين المعسكرين الشرقي والغربي من خلاف ونزاع. لكنا رأينا من مظاهر هذا السلام البارد قضاءه على الثقة بين الأصدقاء أنفسهم. وقد كان موقف الجمعية الوطنية الفرنسية من اتفاقات باريس وتسليح ألمانيا الغربية ورفضها هذا التسليح أولًا، ثم إذعانها بعد ذلك لتهديد صديقاتها — وفي مقدمتها إنجلترا والولايات المتحدة — أقوى مظهر لما يسود بين الأصدقاء من عدم الثقة.

ولا تقف جناية «السلام البارد» على ما بين الدول من علاقات سياسية، فلها من الأثر على الاقتصاد العالمي ما يكاد يخلق فيه أزمة اقتصادية لا تقف في حدود أوروبا، بل تتعداها كذلك إلى الولايات المتحدة. وكيف ينتظر العالم غير هذه النتيجة المحزنة ما دامت الثقة مفقودة بين دُوله وأفراده. إن المعاملات المالية وكل ما يتصل بها مما له أثر مباشر في الحياة الاقتصادية لا استقرار له إلا في جوٍّ من الثقة. فإذا انعدمت الثقة اضطرب الاستقرار فترددت البنوك في معاملاتها، وتأثرت الصناعة بهذا التردد، وتأثر العمل والعمال بتأثر الصناعة، وتأثرت الحالة الاجتماعية بتأثر العمال، وهكذا … وهلم جرًّا؛ مما يؤدي إلى اضطرابٍ ينتشر من ميدان إلى ميدان، ومن طبقة إلى طبقة، حتى يتناول المجتمع كله، من كل نواحيه.

وهذه نتيجة من نتائج السلام البارد الذي تحدَّث عنه البابا.

والعجيب أن العالم يدرك هذه الحال التي ينوء بها، ويدرك أن الإنسانية لن تعرف السعادة في ظلها، ومع ذلك لا يفكر المسئولون عن مصائره في إنقاذه من هذه الحال تفكيرهم في مقاومة خصومهم. ولا يرى أحد منهم الوسيلة لأن يعيش الناس جنبًا إلى جنب في سلام وطمأنينة. هذا مع أن أمامهم مِن عِبر التاريخ ما فيه أبلغ العبرة مما يقنعهم بإمكان هذا الجوار الحسن، بل بضرورته. لقد اختلف الناس أديانًا، وقامت الحروب الصليبية وغيرها بسبب هذا الاختلاف، ثم أيقن الناس آخر الأمر أن حرية العقيدة هي الوسيلة التي تكفل السلام والثقة والاستقرار، وتكفل بذلك سعادة الإنسانية. أمَا وهذا المثل حاضر أمام الساسة، أفلا يستطيعون أن يتخذوا منه موعظة لتكون حرية النظم السياسية والاقتصادية في كل دولة أساس الجوار الحسن بين الشعوب جميعًا؟!

يرحم الله الإنسانية، ويرحم العالم كله، وينقذه من شرور هذا السلام البارد الذي يظلل العالم بسُحبه السوداء. فلم يبقَ لنا — وقد ضل العقل وضاع رشاده — أن نلتمس ملجأً إلا في رحمة الله وفي هُداه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.