ثلاثة كتب أخرجها الدكتور محمد مندور وألقى بها الناس دفعة واحدة، وكفى بهذا دليلًا على أنه أديب وعالم، ولكنه ليس بتاجر ولا عِلمَ له أو خبرة بالسوق وأحكامها وأحوالها، وما أنا بخير منه، ولكنه اتفق لي مثل ما اتفق له من إخراج عدة كتب في وقت واحد فاستأذنني الذي اشتراها في دفعها إلى السوق واحدًا بعد واحد حتى لا يعطل بعضها بعضًا، أو يقف الرخيص الثمن في طريق الذي هو أغلى، فوكلته إلى رأيه، وبقيت أستغرب أن يدخل أحدنا مكتبة فيشتري عشرة كتب لعشرة من الكُتَّاب مختلفين، ولكنه يستكثر أن يشتري كتابين لمؤلف واحد، وعسى أن يكون ذلك راجعًا إلى الرغبة في اتِّقاء الملل، أو إلى نشدان لذة التنويع، ولا شك أن العكوف على مؤلفات كاتب واحد أو آثاره لا يخلو من إملال، ولكني مع ذلك أرى أن هذا أعون على حسن الفهم وصحة التقدير، والإحاطة بخصائص الكاتب وجوانبه المتعددة.

وأول هذه الكتب الثلاثة «من الحكيم القديم إلى المواطن الحديث»، وهو عبارة عن دراسات في الثقافة الأخلاقية أو محاضرات لخمسة من أساتذة الجامعات الفرنسية المعاصرين لنا، وهم: بوجليه، وبرييه، ودي لاكرواي، وبارودي، وبول لابي، وقد نشرت لجنة التأليف والترجمة والنشر هذا الكتاب في سلسلتها «عيون الأدب الغربي».

ولم أقرأ لهؤلاء الأساتذة الخمسة شيئًا من قبل، فأنا جاهل بأقدارهم ولا أحسب أن هذه المحاضرات — وإن كانت متخيرة — كافية لتعريفي بهم تعريفًا صحيحًا، ولكني أفدت منها معارف جمَّة، وقد علق عليها الدكتور مندور تعليق تفسير وتعريف في مواضع كثيرة ليزيد الانتفاع بهذه الدروس القيمة.

والكتاب مهدى إلى الأستاذ أحمد أمين بك، وقد تلقى المترجم المعلم عليه بالجامعة قبل سفره إلى أوربا.

والكتاب الثاني «نماذج بشرية» ومقدمته بقلم السيدة الأديبة الفاضلة ملك عبد العزيز زوجة المؤلف، وتلك — ولا ريب — سُنَّة جديدة في مصر كما يقول المؤلف، ولكني أراها حميدة، ومَن أولى منها بهذا التقديم وهي كما يقول المؤلف: «إن يكن هناك إنسان قد أحس بكل ما وضعت في هذا الكتاب من تفكيري وإحساسي فهو لا ريب هذه الزوجة العزيزة»؟!

والمقدمة من وفاء الإحاطة بحيث لا أرى محلًّا لزيادة عليها، ومن أجل ذلك أكتفي باقتباس فقرات منها على سبيل التعريف بأسلوب الكاتب في تناول الموضوع.

قالت: «هي دراسة، فالمؤلف يحيط بتاريخ الكتاب، وبملابسات ما كتبوا وبالآراء المختلفة في فهم شخصياتهم والحكم عليها، يبرز ذلك حيث لا يثقل، ويطويه حيث يفضل الطي، هي «كالنور الداخلي» يضيء دون أن يُعشِي، فلئن كان المؤلف يحرص على إيراد الحقائق التاريخية حول الشخصية وخالقها، فإنه لا يدعها تطغى على الخلق الفني فتجفف ماءه، بل هو لا يوردها جملة واحدة بل يحال لينشرها هنا وهناك حيث توحي المناسبات»، «ومن وسائله الجميلة في إيراده الحقائق التاريخية أن تراه يمزج بين النموذج ومؤلفه حين يرى أن المؤلف إنما كان يصور جانبًا من نفسه في أنموذجه، وفي هذا ما يجسم الشخصية الروائية حتى لتحسبها ولدت وعاشت واضطربت في الحياة بالفعل»، «وعلى الرغم من أن المؤلف إنما قصد إلى إحياء «النماذج البشرية» إلا أنه لم يغفل أن يسوق شيئًا من النقد لفن الكاتب أو لطبيعة العمل الفني، ولكنه يسوق ذلك كعادته سوقًا محكمًا بحيث لا تحس له نفرة أو إقحامًا.»

والنماذج عديدة بعضها قديم والبعض حديث، وقد تناول في جملة ما تناول روايتي «إبراهيم الكاتب» فله مني الشكر على هذا التقدير الكريم الذي لم أكن أطمع فيه، ولست أقول ذلك تكلُّفًا مني للتواضع، ولا لأني سيئ الرأي في كتبي، ولكني أنا مؤلف الرواية، فأنا أعرف الناس بمواطن الضعف والقصور فيها، ثم إني أقرأ خير ما في الأدب العربي والآداب الغربية، فلا يسعني حين أقيس ما أكتب إلى ما في هذه الآداب من الخارجيات الخالدة على الزمن، إلا أن أشعر بأني ما زلت طفلًا يحبو، ولقد كففت عن الشعر لأني قست ما نظمت إلى ما أقرأ من براعات الشعراء، فاستضعفته وعلمت من ذات نفسي أنه لا أمل في بلوغ تلك المراتب العليا، فآثرت أن أقصر، وأن لا أتكلف ما لا أحسن، فليس الأمر عندي أمر تواضع متكلف أو حقيقي، وإنما هو أمر درس للنفس وطاقتها، ونفور من مغالطتها في الحقائق، وليس أحمق ممن يغالط نفسه.

والكتاب الثالث «في الميزان الجديد»، وهو مهدى إلى الدكتور طه حسين بك اعترافًا من المؤلف بجميله عليه وحسن صنيعه معه ومعاونته له على إتمام التعلم في أوربا، وذلك منه وفاء جميل.

والكتاب كما يدل عليه اسمه في النقد، وقد تناول فيه الأدب المصري المعاصر، وأدب إخواننا اللبنانيين في المهجر، وقد أنصفهم إنصافًا جميلًا، وأفرد بابًا لمناهج النقد وتطبيقها على أبي العلاء، وبابًا آخر للمنهج الفقهي تكلم فيه على الجرجاني، وبابًا آخر للمناقشات اللغوية كنت أوثر له أن يحذفه أو يكتبه هو وغيره أيضًا كتابة جديدة يخليها من الجدل، وعقد فصلين على كتاب قوانين الدواوين للأسعد بن مماتي، وفصلين آخرين على أوزان الشعر الأوربي والعربي.

ومقاييسه على العموم صحيحة، ومن الجلي أن اطلاعه واسع، ولست تعدم في الكتاب ما تخالفه فيه، مثل نفيه التشاؤم عن أبي العلاء؛ لأن التشاؤم هو كما يقول توقُّع دائم للأسوأ، وتغليب لجانب الشر في الأشياء والناس على جانب الخير، «وفي تفكير أبي العلاء شيء من هذا، لكنه ليس صفته الغالبة التي نراها في يأسه العقلي الذي يرى إمكان كل رأي ولا يكاد يجزم في شيء برأي، وفي يأسه العاطفي الذي لم يعرف يقينًا غير اليقين بألم محنته التي لا ذنب له فيها»، وهذا صحيح، ولكن هذا الذي يصف به أبا العلاء، هو بعينه الذي اصطلح الناس على القول بأنه من التشاؤم وهو غير الطَّيرة، وأحسب أن الشعراء جميعًا لا يخلون من هذه الروح، ولا داعي للتقيد بالمعنى الحرفي للألفاظ.

وقد ترجم «الهيومر» بروح العبث، وأظن أن لفظ «الفكاهة» أصح والله أعلم، وأراه يكتب ألفاظًا أجنبية بحروف عربية، ولا أرى ذلك، فإن التعريب ممكن ولأكثر هذه الألفاظ الأجنبية مقابل في العربية، ولو أننا سرنا على نهج الدكتور مندور لصارت لغتنا خليطًا عجيبًا.

ومعظم الكتاب مقالات نُشِرت من قبل في مجلاتنا الأدبية، وكان يحسن في رأيي أن يحذف منها ما دخل فيه من الجدل مع غيره، فإن ذلك الجدل كان ابن يومه، والكتاب غير المجلة أو الصحيفة، ومن السهل إثبات الرأي الذي يذهب إليه الكاتب دون تعرض لأحد، فلعله يفعل ذلك في طبعة تالية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.