نعم عيد، سواء أرادت الوزارة ذلك أم لم ترد؛ فقد تبسط الوزارة سلطانها على الشوارع والطرق، وعلى المعاهد والدور، ولكن الوزارة لن تستطيع أن تبسُط سلطانها على النفوس والقلوب؛ لأن النفوس لا تُكْسَبُ بالشرطة؛ ولأن القلوب لا تُنَال بقوة الجند، إنما تُكْسَبُ النفوس بالحب، وتنال القلوب بالرضا، والمودة الخالصة، والثقة التي لا يبعثها خوف، ولا يُثِيرها رجاء. والوزارة تعلم حقَّ العلم، تعلم أكثر مما نعلم نحن، نصيبها من حب النفوس لها، ورضا القلوب عنها، وثقة الأمة بها، واطمئنان الشعب إليها.

نعم عيد هذا اليوم، الذي أشرقت شمسه الجميلة على نفوس جميلة يضيئها الأمل، رغم ما يحيط بها من ظلمات اليأس، ويحييها الإيمان رغم ما يطيف بها من أسباب الشك.

عيد إن لم يستطع الشعب أن يجهر باستقباله كما تُسْتَقْبَلُ الأعياد؛ فيفرح به حرًّا كريمًا ويحزن له حرًّا كريمًا، فإن قلوب الشعب قد استقبلته كما ينبغي أن يُسْتَقْبَلَ؛ قد استقبلته مغتبطة لأنه يذكرها بيقظة مصر التي لا نَوْمَ بعدها، وبعزة مصر التي لا ذُلَّ بعدها، وبحرية مصر التي لا سبيل إلى أن يُمْحَى حبها من النفوس، واستقبلته محزونة لأنه يذكرها بضحايا مصر في سبيل اليقظة التي يزيلها النوم، وفي سبيل العزة التي لن يمسها الذل، وفي سبيل الحرية التي لن يفسدها الطغيان.

يذكرها بهذه النفوس الكريمة التي فارقت الأرض لتقيم صرح الكرامة بين أهل الأرض، وبهذه الدماء الزكية التي سقت الأرض لتنبت فيها هذا النبت النضر الذي لا يذبل، المزهر الذي لا يذوي، نبت الحرية والاستقلال، استقبلته مبتهجة؛ لأنه ينبهها إلى أن الخطوب قد تختلف عليها، وتحدِّق بها، حتى تأخذ عليها السبل، وتقطع عليها الطرق، ولكنها على ذلك ثابتة قوية، تغلب الخطوب وتقتحم الأهوال، وتنفذ إلى ما تريد، واستقبلته مبتئسة لأنه يذكرها بأن من أبناء مصر مَنْ ضعفوا عن حمل الأمانة، فسقطوا في منتصف الطريق، والْتَوَتْ بهم الأهواء والمنافع، ولَمَّا يبلغوا الغاية، ولما يحققوا الأمل؛ فانقلبوا حربًا على أمتهم، يكيدون لها، ويتخذونها وسيلة إلى تحقيق المآرب والأطماع.

نعم عيد هذا اليوم، الذي استقبلته قلوب المصريين جميعًا، بما تُسْتَقْبَلُ به الأعياد القيمة الخصبة من الرضا والسخط، ومن السرور والحزن، ومن هذه الذكرى، التي تُحْيِي الأمل، وتجدد المُنَى، وتقوي الرجاء، وتَعِظُ من يحتاج إلى العظة، وتثير العِبْرَةَ في قلوب الذين يحتاجون إلى الاعتبار.

عيد هذا اليوم السعيد قد أدى رسالته إلى المصريين، وإن حاولت الوزارة أن تكم فمه وتعقد لسانه؛ لأن الوزارة إن استطاعت أن تكمَّ أفواه الناس وتعقد ألسنة الناس؛ فلن تستطيع أن تكمَّ أفواه الحوادث، وتعقد ألسنة الأيام.

هؤلاء الشرطة يذهبون ويجيئون، يأخذون هذا ويرسلون ذاك، يلقون بهذا في غيابة السجن، ويَرُدُّون هذا إلى أهله موفورًا. هؤلاء الأساتذة والمعلمون قد أذعنوا لأمر الوزارة؛ فحشدوا أنفسهم جميعًا في المدارس والمعاهد حشدًا، سواء منهم من لم يكن له بد من الذهاب إلى المعاهد والمدارس، ومن كان حرًّا طليقًا في هذا اليوم.

هؤلاء الأساتذة والمعلمون قد أذعنوا لأمر الوزارة منذ أيام؛ فغدوا على مدارسهم ومعاهدهم مبكرين قبل أن يأتي وقت الدرس، وهؤلاء الطلاب والتلاميذ قد أذعنوا لأمر الوزارة، فاختلفوا إلى مدارسهم، واستمعوا لدروسهم، وأجابوا على ما وُجِّهَ إليهم من سؤال، وهؤلاء الناس قد أشفقوا من بطش الوزارة، فانصرفوا إلى أعمالهم، لم يعلنوا سرورًا؛ لأن الوزارة تعاقب على إعلان السرور، ولم يعلنوا حزنًا؛ لأن الوزارة تعاقب على إعلان الحزن، ولم يعلنوا أملًا؛ لأن الوزارة تكره إعلان الأمل، ولم يظهروا يأسًا؛ لأن الوزارة تكره إظهار اليأس.

ولكنَّا نؤكد للوزارة صادقين، ولكن الوزارة تؤكد لنفسها صادقة، ولكن كل شيء يؤكد للوزارة، ويؤكد لغير الوزارة أن مظاهر البأس والبطش، وألوان التحكم والعنف، لم تبلغ من نفوس الناس شيئًا؛ فهؤلاء الأساتذة والمعلمون يذعنون لأمر الوزارة، ولكنهم يحفلون بالعيد، وهؤلاء الطلاب والتلاميذ يذعنون لبأس الوزارة ولكنهم يحفلون بالعيد، وهؤلاء الناس يجتنبون بطش الوزارة، ولكنهم يحفلون بالعيد.

ولو قد أتيح للوزارة أن تنفذ إلى القلوب لرَاعَهَا ما تجد، ولو قد أتيح للوزارة أن تبلغ أعماق الضمائر والنفوس لهالها ما ترى، ولكن الوزارة قانعة متواضعة، ترضى بالقليل، تكفيها القوة المادية، ويرضيها أن تُسَلِّط بأسها على الأجسام، ولا يعنيها بعد ذلك أن تَرْضَى القلوب أو تسخط، وتأمن النفوس أو تخاف، والوزارة قانعة متواضعة لا تحب أن تسأل التاريخ، ولا تحب أن تنظر في عواقب الأمور، ولا تستطيع أن تقيس مصر إلى غيرها من البلاد، ولا أن تقيس الشعب المصري إلى غيره من الشعوب، ولا أن تفكر في أن ضفاف النيل ليست بدعًا من أقطار الأرض، وفي أن أبناء النيل ليسوا بدعًا من الناس، وفي أن ما كان في غير مصر من انتصار الحرية لا بد من أن يكون في مصر، وما كان في غير مصر من ظفر الشعوب بعزتها واستقلالها لا بد من أن يكون في مصر، ومن أن انتصار العنف موقوت مهما يطل محدود مهما يعظم، ومن أن العدل كائن من غير شك؛ لأن الله أراد أن يكون، وإذا أراد الله أمرًا فلا راد له.

الوزارة قانعة متواضعة لا تحفل بهذا، ولا تفكر في بعض هذا، وهي ليست بدعًا من أمثالها من الوزارات التي أخذت الشعوب بما لا تريد الشعوب، فلم تجنِ من ذلك خيرًا، ولم تظفر من ذلك بشيء.

إن الذين يريدون أن يشفقوا لأنهم يحبون الإشفاق، وأن يرحموا لأنهم يؤثرون الرحمة؛ خليقون أن يشفقوا على الوزارة، وأن يرحموها؛ لأنها لم تسئ بهذا العنف الذي اصطنعته وغلت فيه إلى الناس، ساءت ما أساءت إلى نفسها، فهي قد دلَّت على نفسها أقوى الأدلة وأسطع البراهين، وأنصع الحجج، وهي قد أثبتت للأغبياء، قبل أن تثبت للأذكياء، أنها تمضي في طريق والأمة تمضي في طريق آخر، وأنها تريد شيئًا والأمة تريد شيئًا آخر، وأنها إن بلغت بصنيعها رضا الإنجليز فقد بلغت بصنيعها سخط المصريين.

إن الذين يشفقون لأنهم يحبون الإشفاق، ويرحمون لأنهم يؤثرون الرحمة؛ خليقون أن يشفقوا على الوزارة وأن يرحموها، فهي خليقة حقًّا بالإشفاق والرحمة، وما رأيك في وزارة تحارب هذا اليوم ولولا هذا اليوم لما كان أعضاؤها وزراء، ولما استمتع أعضاؤها بما يستمتعون به من القوة والسلطان؟! وما رأيك في وزير من أبناء الثورة يشترك في إعلان الحرب على يوم الثورة؟! وما رأيك في قوم أحياهم الجهاد الوطني، الذي يذكره المصريون اليوم، فإذا هم ينصبون لهذا الجهاد الوطني، وإذا هم يريدون أن يُنْسَى، وأن يعود المجاهدون كعهدهم قبل أن يبعث الله فيهم حب الجهاد؟! وما رأيك في قوم كان ينبغي لهم أن ينافسوا في إحياء هذا اليوم ويسبقوا إلى تكريمه وتمجيده؛ ليثبتوا للأمة أنهم ليسوا أقلَّ من خصومهم حبًّا لمصر وفخارًا بمصر، وحرصًا على عزة مصر، وسعيًا إلى استقلال مصر، فإذا هم يُشْهِدُونَ الليل والنهار، والأرض والسماء، على أنهم لا يحبون، ولا يستطيعون أن يروا مصر تُحْيِي يوم الجهاد، أو تذكر سابقتها في الجهاد، أو تدعو أبناءها إلى المضي في الجهاد؟!

هؤلاء السادة خليقون بالإشفاق حقًّا، خليقون بالرحمة حقًّا؛ لأنهم يقضون على أنفسهم بأنفسهم، ويعلنون إلى الناس في صراحة لا تقبل شكًّا، ولا تحتمل لبسًا ولا غموضًا أن الطريق قد طالت عليهم فهم يقفون، وأن الأعباء قد ثقلت عليهم فهم يتخففون منها، وأن الجهاد قد شقَّ عليهم فهم يؤثرون العافية ويبتغون الراحة، ويُكْرِهون الناس على أن يكونوا مثلهم قانعين متواضعين.

ليهن هؤلاء السادة تواضعهم هذا؛ فإن مصر لا ترضاه، ولتهن هؤلاء السادة قناعتهم هذه؛ فإن مصر لا تحبها، وليسترح هؤلاء السادة؛ فإن مصر لا تريد أن تستريح، وليجتنب هؤلاء السادة طول الطريق وما فيها من مصاعب وعقاب؛ فإن مصر لا تكره طول الطريق، ولا تهاب المصاعب والعقاب.

لينظر وزير الأوقاف إلى أصدقائه الأقدمين، وإلى أصدقائه المحدثين، لينظر وزير الأوقاف إلى أصدقائه أولئك يذكرون الجهاد الوطني ويسعون إلى قبر سعد؛ ليجددوا له ولمصر عهد المضي في الجهاد، ولينظر إلى أصدقائه هؤلاء يرصدون الشرطة والجند، ويبثون الأرصاد والعيون، ويبذلون ما يمكن وما لا يمكن ليَخْفُتَ صوت الجهاد، وليخفى حب الأمة للجهاد، وليخبو هذا المصباح الذي شَبَّ في مثل هذا اليوم، منذ خمسة عشر عامًا.

لينظر وزير الأوقاف إلى أصدقائه أولئك حول قبر سعد، وإلى أصدقائه هؤلاء في رياسة الوزراء، لينظر إلى نفسه بين أولئك وهؤلاء؛ ليرى وليتبين كيف اختار؟ وماذا اختار؟ وأين أراد لنفسه أن تكون؟!

ليذكر وزير الأوقاف إن كان قرأ، وليقرأ وزير الأوقاف إن لم يكن قد قرأ، قصيدة لشاعر فرنسي حذر، يسأل نفسه فيها هذا السؤال:

«ماذا صنعت، قل لي ماذا صنعت، بأيام الشباب؟»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.