«سيداتي وسادتي،

ومعذرة إذا فرقت بين السيدات والسادة، فما لي في هذا رأي أو حيلة، فإنه حكم اللغة لا حكمي، وإذا قلت اللغة فكأني قلت الطبيعة، واللغة — كل لغة — مما صنع الإنسان بإلهام الفطرة، والإنسان هو الرجل والمرأة لا الرجل وحده، ولا المرأة بمفردها، بل إن المرأة هي المسئول الأول عن هذه اللغة التي نتخذها جميعًا — رجالًا ونساءً — أداة للتفاهم؛ فقد كانت حواء هي التي سمت الأشياء أسماءها، ووضعت لها نعوتها وأوصافها، وقررتها وصقلتها بالتكرار في بداية الأمر، أيْ أيام كان الناس جماعات على الفطرة لم تأخذ من المدنية بنصيب، ولم تقسمها الصفات الشخصية والملكات العقلية طوائف، ولم يفرق بين أفرادها اختلاف المراتب وتباين الأعمال وتعدد الآراء، وأيام كانت حدود الفرد هي حدود التقاليد والعادات المشتركة بين الجماعة كلها.»

***

وبعد أنْ شرحَ كيف كان الرجل في العصور الأولى مشغولًا بكسب الرزق والحرب، والمرأة قاعدة في بيتها تزاول عملها وتحادث أترابها، وكيف أنها هي التي كانت المخترعة الأولى للصناعات الأولية، ولا سيما المنزلية منها، وأنها لا تزال أول معلم نتلقى عنه اللغة ونحذقها منه. قال:

«وأقل ما يقال إن المرأة شريكة الرجل في تقرير اللغة وأوضاعها، فمن العجائب بعد ذلك أن تجيء فتقول غيِّروا هذه اللغة وبدِّلوا أوضاعها واحذفوا نون النسوة وما يجري مجراها؟ ولماذا؟ لأنها تبغي المساواة … أو تطلبها على الأصح، وفي أي شيء تطلب هذه المساواة؟ في الحقوق والحريات … وممن تطلبها؟ من الرجال …

فاسمحن لي أن أقول إني لا أبخل على المرأة بشيء تشتهيه، ولكني لا أفهم هذه المساواة التي تطلبها، ولا أعرف للفظها معنى في هذا المقام. إن كل حق ينبغي أن يقابله واجب، وإلا انقلب امتيازًا ليس له مسوغ، فإذا كانت المرأة تريد أن يكون لها مثل حقوق الرجل، فَلْتتفضل وتحمل ما يحمل من الأعباء وما ينهض به من التكاليف، وما يؤديه من الواجبات، في كل باب، في السِّلْم وفي الحرب، وفي البيت وخارج البيت، وفي حمل الأثقال، ونقل التراب وبناء الدور، وتمهيد الطرق، وفي مئات أخرى من هذه الأعمال وغيرها مما يحتاج إلى مَلَكات عقلية خاصة. وعلى أن لفظ (الحقوق) أيضًا خطأ؛ فالرجل لا يزاول حقوقًا وإنما يؤدي وظيفة، هي التي ألفاها موكولة إليه في الحياة، ولو استطاع لأعفى نفسه من ثقلها، وألقى عبأها على كاهل غير كاهله، وما أظن بالرجل إلا أنه خليق أن يسره أن يرى المرأة تشاطره عمله وتريحه من بعض عنائه، فَلْتتفضل مشكورة غير محسودة إذا قدرت.

ليس هناك تمييز للرجل دون المرأة، حتى تحتاج المرأة أن تطلب المساواة، وإنما الذي هناك هو توزيع اختصاص، للرجل وظيفة، وللمرأة وظيفة، ولم يكن الرجل مخيَّرًا في أمره، ولا كانت المرأة في فسحة من رأيها، وإنما قضت الطبيعة عليهما بأن يحمل كل منهما عبأه، ولست أرى أن أحدهما بقادر على استبدال وظيفة الآخر بوظيفته؛ لأن الأمر مرجعه إلى أصل التكوين لا إلى الرغبة والاختيار.

وأود أن أقول شيئًا آخر، هو أنه لا فائدة من أن تلهج المرأة بمطالب لها في المساواة أو غيرها؛ فلن تنال بكثرة اللغط شيئًا، وإنما الذي ينيلها ما تبتغي هو القدرة عليه، فَلْتلتمس الوسيلة وَلْتتسلح بالسلاح اللازم، ثم فَلْتباشر ما تأنس في نفسها القدرة عليه، فما يستطيع الرجل أن يعطيها شيئًا حتى إذا أراد، وإنما عليها هي إذا نشدت شيئًا أن تتأتى له، وأن تكتسب القدرة عليه، وأن تزاوله من تلقاء نفسها بلا كلام أو لغط، فلن يقدر الرجل أن يمنعها حينئذٍ، أو يصدها عما يسعها.

كانت المرأة تحتجب وتنتقب، وتلزم بيتها لا تريمه، لأنها كانت جاهلة ولم تكن تشعر بثقل الحجاب المضروب عليها، ولا كانت تتململ منه أو تبرم به، بل كانت راضية عنه مطمئنة إليه، زاهدة في طرحه والتحرر منه، وكانت لا تنكر حاجتها إلى هذا المظهر من مظاهر حماية الرجل لها، ولا تأنف أن تعترف بالافتقار إلى هذه الحماية، بل كانت تحتقر الرجل الذي يقصِّر في واجب حمايتها، ولا تعده رجلًا خليقًا بها، ثم تعلَّمت وفهمت، وأحست وأدركت أن في وسعها أن تستغني عن هذه الحماية إلى حد ما، أو أدركت على الأصح أن هذه الحماية مُبالَغ فيها ولا ضرورة إليها، وأن السفور لا يحرمها شيئًا كانت تنعم به … وأنه على نقيض ذلك يفيدها شعورًا جديدًا بآدميتها وشخصيتها وذاتيتها المستقلة، فتمردت على الحجاب وسفرت، ولم يستطع الرجل أن يمنعها؛ لأنها أصبحت من تلقاء نفسها أهلًا له، وألفى الرجل نفسه مرتاحًا إلى هذا التطور؛ لأنه يفيد منه ما لم يكن يفيد من الحجاب، والإنسان أناني بالطبع، وليس مخلوقًا نبيلًا أو شريفًا أو كريمًا بالطبع، وكل ما في الأمر أنه أصبح حيوانًا مصقول الحواشي، واعتاد أن يكبح غرائزه أو يجريها في المجاري التي هيأها النظام الاجتماعي، خوفًا من عواقب المخالفة والشذوذ، فاجتمع فعل العادة وفعل الخوف، فهما يستطيعان أن يصدا الإنسان عما تدفعه إليه الغرائز الساذجة، ولولا أن الرجل وجد أنه عاجز عن رد المرأة إلى الحجاب، ووجد فوق ذلك أن السفور خير له هو وأمتع، وأخلق بأن يجعل حياته أكثر امتلاءً — لَقاومه بكل ما أوتي من قوة.

وهذا مثال يمكن أن يقاس عليه، والذي يُستخلَص منه، هو أن الإنسان يأخذ كل ما يسعه أخذه، ولا يعطي إلا مضطرًا، ولا يتسهل إلا فيما يرى له مصلحة فيه، أو ما يرى نفسه عاجزًا عن مناهضته ودفعه، فإذا أرادت المرأة إصلاحًا في أي وجه من وجوه الحياة، فإن عليها أمرين: الأول أن تهيئ هي نفسها لهذا الإصلاح، وأن تقنع الرجل عمليًّا بأنه خير له هو، وأن مصلحته هو تقتضيه، فلن يكتفي بأن يرى لها هي وحدها مصلحة فيه.

ويجب أن يكون مفهومًا ومقرَّرًا في الأذهان أنه ليس ثَمَّ حقٌّ مطلق أو حرية مطلقة، وأن كل حق مقيَّد، وكل حرية لها حدودها، وأن الجماعة الإنسانية لا تستغني عن قدر من النظام تضبط به الأمور، ويستقيم به الحال، وتستقر على حدوده الحياة، فكل إصلاح منشود ينبغي أن تُراعَى فيه هذه الضرورة، وإلا فسد الأمر وارتددنا إلى الاستيحاش والفوضى، أو اضطربت على الأقل حياة الجماعة.

وأضرب مثالًا قد يغني — أو أرجو أن يغني عن غيره — تعدد الزوجات والصيحات العالية في موضوعه واللغط الممل بوجوب علاجه، وأعترف أني أنفر نفورًا شديدًا من هذا التعدد، ولا أطيق أن أتصور أن تكون لي زوجتان، بل أشعر بقشعريرة تسري في بدني إذا خطر لي ذلك، ولكني أؤثر أن أكون صريحًا فأقول إن لي عقلًا كما أن لي شعورًا، وعقلي يقول لي أن تقزُّزي من الجمع بين زوجتين يرجع في مَرَدِّ أمره إلى أمور كثيرة شتى، منها العادة، فقد أصبحت زوجتي صديقًا لي يملأ حياتي، فأنا لا أستطيع أن أتصور كيف تكون حياتي وكيف تطيب لي إذا خلت من هذه الزوجة الصديق، ولا أطيق أن أنغص حياتها التي طِبْتُ أنا بها نفسًا، بأن أجيئها بضرة تنافسها. ومنها أني أجد راحة في الاقتصار على زوجة واحدة لا أطمع في مثلها إذا كانت لي اثنتان، فأنا أؤثر الراحة والعافية على المشقة ووجع القلب، وأؤثر أيضًا أن لا أضطر إلى اصطناع أخلاق النفاق، وهو ما يضطر إليه زوج الاثنين. ومنها أن الأبناء مشكلة، والأخوة الأشقاء خير من غير الأشقاء. ومنها أنه ليس لي مال يكفي زوجتين، ومن عسى أن تجيئاني به من البنين والبنات.

كل هذه وجوه تنفرني من تعدد الزوجات، بعضها عاطفي وبعضها عملي، ولكن عقلي يقول لي أشياء أخرى كثيرة:

يقول لي إن الإنسان لا يعرف التوحيد في الحب، لا الرجل يعرفه ولا المرأة تعرفه، وقد ينكر السامع قولي هذا ويستهجنه، ولكن الحقيقة هي أن التوحيد في الحب أكذوبة ضخمة وخرافة يلهـج بها اللسان ولا يصدقها القلب، وأنا أعرف أن كثيرين جدًّا من الرجال يضعون اللجم لأنفسهم، ويكبحونها كبحًا شديدًا، ويفرضون على أنفسهم هذا التوحيد، وأعرف أن النساء اللواتي يلتزمن حدود التوحيد أكثر من الرجال الذين يقضون على أنفسهم به. ولكن هذا معناه ماذا؟ معناه أن الإنسان يروِّض نفسه على هذا التوحيد ويتكلفه، وفرق ولا شك بين التكلف وما تدفع إليه وتغري به الفطرة، ومعناه أن المرأة أقدر على الرضا برجل واحد؛ لأنها أضعف من الرجل وأقل حيلة، ولأنها أيضًا أطول إخلاصًا منه ووفاءً، ولاحظوا أني أقول أطول إخلاصًا ولا أقول أخلص؛ فالرجل يخلص والمرأة تخلص، ولكن عمر الإخلاص عند الرجل أقصر في الأغلب من عمر إخلاص المرأة، ويعروه الملل، وقد يستطيع المرء أن يخفيه ويحجبه فلا يتبدى في قوله أو فعله، ولكن هذا ليس معناه أن الملل غير حاصل، وإذا سلك المرء سلوك المخلص وسار سيرة الوفي، فليس معنى هذا أن الإخلاص في قلبه، فيجب التفريق بين السيرة والمضمَر المطوي في السريرة.

ويقول لي عقلي أيضًا إن هذه هي علة جانب على الأقل من جوانب الفساد الأخلاقي الذي في الدنيا، ولا مطمع لأحد في القضاء التام على الفساد، فإن هذا يكاد يكون فوق طاقة البشر، فإن دواعيه أكثر من أن تحصى، أو يتيسر علاجها جميعًا، ولحسب المصلح أن يعالج بعضها مما يدخل في طوقه، وأن يخفف الشر ويلطف الأثر، ويحمي الجماعة أوبل عواقبه. والعقل يقول إن تعدد الزوجات طبيعي أولًا إذا اعتبرنا ما تنزع إليه الفطرة، وأنه خليق أن يصد عن بعض الفساد، ويقول العقل أخيرًا إن منع تعدد الزوجات لا يمنع شيئًا من الفساد والبلايا التي تصيب الجماعة، بل يشجع عليها.

وينبغي أن لا يُغفَل أثر الآراء والنزعات التي نستوردها من الغرب، وكثير منها من ثمار هذه الحرب التي تركت الرجال دون النساء في العدد، والتي أفضت إلى قدر لا يستهان به من الترخيص والتسهيل والتسامح لم يكن معروفًا من قبلُ. فإذا أضفنا هذه الواردات الأجنبية التي نسرع لجهلنا وضعفنا وانحطاطنا إلى تقبُّلها والأخذ بها، إذا أضفنا هذا إلى فساد نظامنا الاجتماعي، واضطراب نظامنا الاقتصادي وسوئه، وإلى التقدم العلمي ولا سيما في الطب، وإلى فساد الذمة واللهفة على الغنى السريع، وهما من آثار كل حرب — أقول إذا أضفنا هذه العوامل أمكن أن نستشف من خلال أستار الغيب حالة اجتماعية تقوم على مبادئ أخلاقية جديدة، لا تطابق مبادئنا الأخلاقية الحالية كل المطابقة، ومن الواجب أن نجعل بالنا إلى هذا التطور المنظور، وأن لا نسرف في صيحات الاعتراض على تعدُّد الزوجات من غير أن ندرك إدراكًا صحيحًا هذا التطور المرتقب، فلن تكون المسألة في غد: هل تتعدد الزوجات أو لا يتعددن؟ بل هل ستبقى الفضائل الأخلاقية المسيطرة على علاقة الرجل بالمرأة أو لا تبقى؟ هذا ما ينبغي أن ننتبه إليه، ونفتح عيوننا من الآن عليه، وندبر أمورنا ونصلح شئوننا بحيث يتسنى لنا أن نتقي خطره، وإلا كنَّا عميانًا لا خير فينا، وعدنا أهلًا لكل ما يحيق بنا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.