لعل أهم الأنباء في الأيام الأخيرة ما نقلته الصحف من أن المارشال بولجانين اقترح على الرئيس الأمريكي أيزنهاور عقد معاهدة بين أمريكا وروسيا تتعهد الدولتان بموجبها أن تُحَلَّ جميع مشاكلهما بالطرق السلمية، وأن الرئيس الأمريكي رفض هذا الاقتراح.

وليس هذا الرفض من جانب أمريكا عجبًا، وإن بدا أن الاقتراح السوفييتي اقتراحًا مقبولًا لذاته. وليس الرفض عجبًا؛ لأنه بعض علائم ما بين الدولتين من عدم الثقة، ولأن المحاولة الأولى التي جمعت بين الأربعة الكبار في جنيف العام الماضي لإزالة التوتر القائم بين الشرق والغرب، أو للتخفيف على الأقل من حدته — لم تُنتج أية نتيجة. فإذا كان الأمر كذلك فقد وجب أن تُعالَج أسباب هذا التوتر، وأن يصل الطرفان للتغلب عليها أو على أكثرها لإيجاد جو من الثقة يسمح بعقد معاهدة كالتي تقترحها روسيا. أما أن تظل المشاكل القائمة بين الدولتين معلقة كلها، وأن تعقد مع ذلك معاهدة تقضي بحل المسائل حلًّا سلميًّا، فذلك ما لم تسغه السياسة الأمريكية؛ ولذلك لم تستطع أن توافق على الاقتراح السوفييتي.

وقد يجيب ساسة الروس على هذا الكلام بأن تفاهم الدولتين على حل المسائل المعلقة بينهما بوسائل سلمية، وتعهُّد كل واحدة منهما بأن لا تلجأ إلى الحرب بحال، من شأنه أن يحملهما جميعًا على التماس الوسائل السلمية لحل المشاكل. فإذا حدث ذلك كان فيه للسلم العالمي مصلحة كبرى. أما أن ترفض أمريكا اقتراح روسيا فذلك معناه استمرار التوتر وازدياد حدته. وذلك ما لا خير فيه لأيٍّ من الدولتين، ولا لغيرهما من دول العالم.

ولسنا نبتغي تأييد وجهة النظر الأمريكية أو وجهة النظر السوفييتية. وغاية ما نقوله أن السياسة العالمية أظهرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من العجز ما لا نعرف له نظيرًا في التاريخ؛ فقد انتهت هذه الحرب بالفعل منذ أكثر من عشر سنوات، ومع ذلك لم يُعقَد صلح يقر أمور العالم في نصابها من بعد انتهائها، بل أصبح المهزومون في تلك الحرب خيرًا حالًا من المنتصرين، وانقسم المنتصرون فيما بينهم وأصبحوا أعداء ألداء بعد أن كانوا يظنون أن النصر فتَح لهم الباب لتسوية مشاكل العالم على هواهم.

وأنا مع هذا لا أعتقد أن حربًا عالمية ثالثة ستقع في مستقبل قريب؛ فما يزال ملايين من الذين اصطلوا بنار الحرب الثانية في شبابهم، وما زالوا يذكرون أهوال تلك الحرب، سواءٌ لمن سقط منهم صريعًا في ميادينها، أو من ذاق مرارة الأسر والاعتقال. وهذه الملايين معرضة لأن تُجنَّد غدًا إذا شبَّت حرب ثالثة. يضاف إلى هؤلاء أمهاتُ مَن مات وآباؤهم وأهلوهم جميعًا. وكل هؤلاء أعداء ألداء لفكرة الحرب عداوة عميقة الأثر في نفوسهم، فمن غير المعقول أن تغامر دولهم بدفعهم إلى حرب لا يريدون خوض غمارها.

أو يبقى العالم مع ذلك يئنُّ تحت عجز الساسة عن أن يجدوا حلًّا للموقف. ذلك ما يبدو، وذلك ما يوجب أشد الأسف.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.