أصبحت يومًا على صوت يقول — أو يصيح: «يا جدي يا رسول الله!»

وكان الصوت أشبه بصرخة الاستغاثة، فألفيت شفتيَّ تتحركان بالصلاة عليه، وخواطري تنثني كلها إليه، وكنت مريضًا لا أقوم ولا أقرأ ولا أكتب، ولا أكاد أتكلَّم؛ ادِّخارًا لقوتي وقصرًا لها على مكافحة الوعك، فلم أدر من الصارخ؟ ولم أعرف من أي بيت أو شقة هو؟ وكنت أكثر الوقت وحدي لا يدخل عليَّ أحد، ولا يزعجني زائر إلا في الندرة القليلة، والفلتات المفردة، فإني أكره أن يراني الناس طريحًا، وأحسُّ بأعصابي تتلف وتتمزَّق من سؤال العواد: كيف أنت؟ وماذا بك؟ وكيف كان ذلك؟ وتوقعهم مني أن أقف فيهم خطيبًا أبيِّن لهم كيف أصابتني الحمى، ولماذا أكابد منها، وأي دواء آخذ لها، وأي طبيب استشرت، وما قوله، وهل هو مطمئن أو يائس، وإذا كانت منيتي قد دنت فبماذا أوصيهم، وأين أحب أن أدفن، وهل أرى أن يقتصر المأتم على ليلة أو يكون ثلاث ليال، وهل أطمع أن أدخل الجنة أم سيقذف بي على جهنم، وماذا تراني أعددت لنار الجحيم إذا كانت هي المصير، وهل تذكرت أو نسيت أن أتفق مع أحد مصانع الثلج على إمدادي بما أحتاج إليه هناك، احتياطًا لما عسى أن يكون، فما يدري ميت ماذا يكون مآله؟ فإذا لم ألق عليهم هذه الخطبة، ولم أفضِ إليهم بهذا البيان، نظر بعضهم إلى بعض، وتغامزوا ثم نهضوا وهم يتنهَّدون، وخرجوا يتهامسون! حتى إذا ساروا إلى غرفة بعيدة قال أحدهم: «ماله ساكتًا، هكذا؟»

فيقول ثان: «إيه. الله يلطف به!»

فيعود الأول إلى الكلام ويقول: «لا لا لا. الواجب أن يتكلم ويتحدث مع الناس ليتسلَّى وينسى المرض. السكوت هكذا غير حميد، أنا والله ما جئت إلا لأسرِّي عنه قليلًا، ولكن … ماذا أصنع؟ لقد خجلت والله، وقمت من عنده وأنا أتصبَّب عرقًا.»

فيسأله الثاني: «لماذا يا أخي؟»

فيقول: «لماذا؟ لهذا الصمت يا أخي. لقد شعرت أنه لا يريد أن نبقى عنده، ونحن ما جئنا إلا لنعوده ونطمئن على صحته … شيء بارد.»

ولا أسمع أنا هذا الحوار، ولكني أعلم علم اليقين أنه يدور بين كل جماعة من الأقارب يتفضَّلون بعيادتي، ولهذا صرت كلما مرضت آمر أهل بيتي أن يقولوا للعواد إني نائم وإني لا أنوي أن أستيقظ، فأما الأغراب فيمضون خفافًا لطافًا، داعين مشكورين، وأما ذوو القربى فيقولون: «لا بأس، نلقي عليه نظرة وهو نائم لنطمئن.»

وأعرف أنهم داخلون، وأنهم لن يصدهم عني شيء، فأدير وجهي إلى الحائط وأتناوم، وأسأل الله — في سري — أن يسترني ولا يفضحني معهم، وأن أملك نفسي فلا أثور ولا أضحك.

وبرئت بعد أيام، كانت خواطري خلالها لا تدور إلا على النبي — صلوات الله وسلامه عليه — وسيرته ورسالته وجهاده الطويل، حتى أحلامي لم يكن يبدو لي فيها غير هذا، ثم تلقيت كتاب صديقي الدكتور هيكل بك في «حياة محمد»، ولم يكد رسوله إليَّ ينصرف عني مشكورًا حتى عكفت عليه، حتى لقد طلع الفجر والكتاب بين يدي، وبعد أيام أخرى وقع لي كتاب «محمد رسول الله ﷺ» للأستاذ محمد رضا بمكتبة الجامعة المصرية، فأقبلت عليه أيضًا، ولكن إقبال الذي شبع وارتوى فهو يتناول برفق ويصيب بقدر.

والحقيقة أن لا محل للمقارنة أو المفاضلة، فإن كتاب هيكل بك كتاب رجل درس وغاص وحقق، وغربل ونخل، وفكَّر بعقله ونظر بعينه وكان في ذلك موفَّقًا، أما كتاب الأستاذ محمد رضا فيخيل إليَّ أنه قرأ الفصول التي كان الدكتور هيكل بك قد نشرها في «السياسة الأسبوعية»، ورأى استحسان الناس لها وإقبالهم عليها ورغبتهم فيها، فأحبَّ أن يقلده أو يجاريه، فعمد إلى كتب السيرة وما إليها وجمع منها وأخرج كتابه، بلا تحقيق أو تفلية، وفي كتاب الأستاذ رضا زيادات ولكنها لا تكاد تقدم أو تؤخر، ولا تجعل القارئ أحسن فهمًا لسيرة الرسول، وما رأيت له تعليقًا أو رأيًا إلا كان الدكتور هيكل بك قد سبقه إليه فيما نشره في «السياسة الأسبوعية»، وهيكل بك رجل قرأ وفكر ثم تناول القلم وراح يكتب ويسرد التاريخ بأسلوبه هو، وعلى الترتيب الذي رآه أفضل، ويقف عند كل مسألة وحادثة شارحًا محللًا مبيِّنًا رأيه معالجًا جلاء الحقيقة ورفعها قِبَل العيون بعد تنقيتها مما علق بها من الحواشي والمبالغات أو الأباطيل. وكان توفيقه عظيمًا في بيان اتجاهات الرسول — عليه الصلاة والسلام — في سياسته الدينية والمدنية إذا صح هذا التعبير. أما الأستاذ محمد رضا فجمع ولم يزد، ولم يفرق بين الحقيقة والخيال، وأورد ما قيل عن معجزاته عليه الصلاة والسلام — غير القرآن الكريم — على أنه حقيقة لا خلاف عليها ولا شك فيها، وسرد الحوادث في كتابه مضطرب، حتى إني لما قرأت وصفه لغزوة أحد، لم أخرج منه بشيء، واختلط الأمر عليَّ، واحتجت أن أرجع إلى كتب أخرى.

وليس في هذا غمط للأستاذ محمد رضا، ولولا كتاب الدكتور هيكل بك لكان كتابه حسنًا في ذاته، ووافيًا، على ما فيه من الحشو، ولكن كتاب هيكل بك ظهر فاختلف الأمر، فليس يسعنا إلا أن نقول إنه هو خير الاثنين، وإنه يغني عن الآخر، وإن الآخر لا يزيد به التاريخ شيئًا.

ولا يسع القارئ لكتاب «حياة محمد» للدكتور هيكل بك إلا أن يقتنع بأن فتح العرب للشام والعراق وفارس ومصر، كان نتيجة للاتجاه الذي عيَّنه النبي — عليه الصلاة والسلام — وهو اتجاه كان واضحًا من سيرته ﷺ على الرغم من تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بمكة، ومن اشتغاله بأمر القبائل التي كانت تأتمر به أو تتألب عليه أو تنقض عهدها له، وتفكيره الدائم في قريش ومكة، وضرورة الاستيلاء عليها، وتأمين الحج، وتنظيم أمر المسلمين، وتبليغهم رسالة ربه تعالى، ومعالجة اليهود حتى أجلاهم، ويدل على هذا الاتجاه حتى قبل خلوه من هذه المشاكل الكثيرة كتبه إلى هرقل وكسرى وغيرهما. ولم يكد يعود من مكة تنفيذًا لعهد الحديبية حتى التفت إلى الشام صراحة فوجَّه ثلاثة آلاف لغزوها، وعقد لواءهم لزيد بن حارثة، والتقوا بجيش الروم في مؤتة، ثم رجعوا، وبعد أن فتح مكة وقبل أن يُخضع الطائف ويسلم أهلها، اتصل به أن الروم يتهيئون للكرِّ فخرج للقائهم في جيش كبير حتى بلغ تبوك، فآثر الروم الانسحاب، وتحصَّنوا داخل بلاد الشام، فلم ير أن يتعقَّبهم، واكتفى بكفالة الحدود، وبعد أن عاد ﷺ من حجة الوداع، أمر بتجهيز جيش كبير آخر إلى الشام أمَّر عليه أسامة بن زيد بن حارثة، وجعل فيه المهاجرين الأولين، ومنهم أبو بكر وعمر، ولكنه ﷺ مرض ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى، وبويع أبو بكر (رضي الله عنه)، فكان أول ما عمل أن أنفذ جيش أسامة؛ فأغار على البلقاء وعاد ظافرًا، ولولا حروب الردة لتقدم فتح الأمصار الشمالية بضعة أعوام.

فهذه سياسة رسمها الرسول واتجاه عيَّنه، ومضى فيه الخلفاء بعده، وتيار أزخره — عليه الصلاة والسلام — فتدفق عبابه، ولم تقوَ أمة على صدِّه.

***

يقول الدكتور هيكل في خاتمة كلامه إنه يرجو أن يكون قد وفق إلى تحقيق ما قصد إليه من تأليف كتابه، وإن هذا الكتاب ليس إلا بداية البحث من ناحية علمية إسلامية في هذا الموضوع الجليل، ونحن نقول إنه ما من قارئ يستطيع أن ينكر توفيقه، أو يجحده، وإن هذه إذا كانت بداية فما أضخمها وأجلَّها! وما قرأت كتاب تاريخ وتمنيت أن أكون أنا واضعه إلا هذا الكتاب. وأعظم ما كان فيه التوفيق أنه استطاع أن يسرد السيرة النبوية على اعتبار أنها «حياة إنسانية بحتة بلغت أسمى ما يستطيع الإنسان أن يبلغ … وبلغت هذا السمو في نواحي الحياة جميعًا … واتصلت بحياة الكون كله من أوله إلى أبده»، ولقد كان من حظي أني كنت قريبًا من الدكتور هيكل أكثر من عام وهو يدرس ويبحث وينقِّب ويفكِّر ويدوِّن ويكتب، ثم جرت المقادير بأن أذهب أنا في ناحية وأن يبقى هو حيث كان، فأنا من أعرف الناس بما بذل من الجهد وما عانى من النصب، وما أنفق من وقته ونفسه وروحه في هذا العمل الجليل، ثم قرأت كتابه وعرفت ما أضاف إليه وزاد عليه، وهو شيء كثير يكاد يكون نصف الكتاب، ولو رجل غير هيكل بك لما كفاه ضِعف هذا الزمن، ولكنه سريع التحصيل والتفكير، عظيم الدأب والمثابرة، طويل الصبر، مستقيم النظر نافذه، وتلك مزايا لا يؤتاها إلا القليلون، فهنيئًا له ما وهبه الله وأنعم عليه به، ووفقه إليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.