لم يرزقني الله غير البنين، ولو وهبني البنات لكان أشرح لصدري وأبعث على رضاي، فأنا على خلاف أبي حمزة، الذي تقول امرأته في أرجوزة لها أنه:

ولكني لا أغضب كأبي حمزة، ولا أهجر البيت كهجره، من أجل أن امرأتي لا تلد لي البنات، وقد رضينا قسمة «الجبَّار» فينا، وحمدنا الله عليها، وكففنا عن الاسـتزادة منها، وفي ثلاثة من البنين الكفاية لمن يبغي «الذرية الصالحة»، وهم فوق الكفاية لمن كان أولى به وأرشد له أن يعيش مستفردًا واجدًا، ولكن هيهات أن يؤتى الشباب حكمة الكهولة، وأن ينظر الفتى الغرير إلى الحياة ومصائر الأمور فيها بعين المجرِّب المحنك.

وما من واحد من هؤلاء الملاعين إلا وقد سألني هذا السؤال المحرج، وهو ما زال طفلًا ساذجًا: بابا!

– نعم.

– أنت بابا؟

– أتشك في هذا يا خبيث؟

فيكركر، ولعله لم يفهم المراد على وجهه، وإنما أدرك من قولي له «يا خبيث» أن في الأمر ما يُضحِك، أو أنه قال شيئًا يبعث على الضحك.

– لا، والنبي يا بابا.

– لا تحلف.

– طيب، بس قل لي يعني إيه بابا؟

وبالله كيف أشرح لطفل في الخامسة أو السادسة معنى أني أبوه؟ هذا شيء أعترف أنه فوق طاقتي، وما زلت إلى اليوم يدور في نفسي هذا السؤال، ولا أهتدي إلى الجواب الذي يصلح لعقل طفل في هذه السن الغضة؛ فمن كان يعرف الجواب الموافق فَلْينشره وَلْينفع به الآباء الحائرين.

ولست أستحي أن أُعرِّف أبنائي معنى الأبوة، ولا أنا أخجل أن أكون مرشدهم وهاديهم في الأمور «الجنسية»؛ فإني أؤمن إيمانا قويًّا بأن من واجب الآباء — بل من أقدس واجباتهم — أن يعرِّفوا بَنِيهم وبناتهم بكل هذه الشئون، بالتفصيل الوافي الشافي، وإذا لم ينفع الرجل بنيه بعلمه وخبرته، فمَن ينفع سواهم؟ وما خير أنه تعلم وجرب؟ ولقد عنيت باختيار مدرِّسة جميلة لأكبر أولادي تعلمه الفرنسية، وأوصيتها به خيرًا، وبيَّنت لها أني إنما اخترتها لجمالها قبل علمها، فإن اليسير من علمها كافٍ، ولا سيما في البداية، ولكنه غلام مراهق، وأنا أخشى عليه أن تزوغ عينه، وأحب له أن يأنس بها، وأن يعتاد رؤية الجمال دون أن يهيجه إلى ما به من فورة الشباب، ولم يَخِبْ أملي فيها ولا فيه، ولا أراني أخطأت وإن كانت التجربة دقيقة.

وصنعت غير ذلك أيضًا، اغتنمت فرصة لاحت لي فشرحت له العلاقات الجنسية على درجاتها ووجوهها المختلفة، ودفعت إليه كتابًا في الأمراض التناسلية ليقرأه، فيكون أقدر على الحذر والتوقي، ولم أُشْعِره فيما عدا ذلك بالحرمان، ووكلته إلى رأيه وحريته، وألغيت الأوامر والنواهي، وجريت معه على التفاهم والإقناع، فكان من أثر ذلك كله أن شبَّ معتدلًا لا يسرف في شيء، ولا يتهور تهور الشباب، ولا يفتنه شيء عن عقله، وتعوَّد الاستقلال والاعتماد على النفس، ولم أخسر أنا توقير الوالد، وهو يستشيرني في كل ما يعنيه، ويشعر أنَّ له أنْ يعتمد على «صداقتي».

أما الآخران، فما زالا أصغر من أن يحتاجا إلى مثل ذلك، ولو كانا أكبر لكان أمرهما أهون، وهما مختلفان جدًّا، فلا يصلح لأحدهما ما يصلح لأخيه.

أحدهما يحب الموسيقى حبًّا جمًّا، وما سمع قطُّ صوتًا أعجبه إلا حفظه من أول مرة، واستطاع أن يعيده عليك بتوقيع مضبوط، ويعكف على دروسه إلى ما بعد منتصف الليل، ويصبح ناسيًا كأنما لم يمر به شيء مما قرأ، ويؤثر عبد الوهاب على سواه، ويكون مستغرقًا في نومه وتدار أسطوانة لعبد الوهاب فيتنفض قائمًا من تلقاه نفسه، وغير أن هذا الحب لا يعفي عبد الوهاب من نقده، وكثيرًا ما قال لي إنه يكرر نفسه، وإنه أخذ هذا الصوت أو ذاك، من فلان أو علان من الموسيقيين الأتراك أو الغربيين، وقد قلت له مرارًا إني مستعد أن أبعث به إلى أوربا ليدرس الموسيقى فيها، ولكني لا أحب له أن يكون موسيقيًّا جاهلًا، فليحرص على التعلم أيضًا. وهو يحب اللعب، ولا أكرهه له، وإذا لعب لم يعبأ شيئًا بأن يكون أو لا يكون معه سواه، إنما همه اللعب ذاته، فإذا تيسر له صار من نفسه في فرقة كاملة، ويعجبني منه هذا الاستغناء عن الناس، أو القدرة على الاستغناء عنهم.

أما أخوه الأصغر فله شأن آخر: ذلك أنه ذكي، وقد سمع من أهله ثناء كثيرًا عليه، وآنس منهم حبًّا له وإقبالًا عليه وحفاوة به، فاغترَّ، ولست أكره له الغرور، فإنه خير من الحياء الذي يضيع المرء في هذه الحياة، وكل ما أحرص عليه هو أن لا يسرف فيه فيثقل على الناس. وهو يقرأ الصحف والمجلات وبعض الكتب، ويتتبع الأخبار والحوادث، ويستخبر ويستفهم ويدقق، ويحسن الإنشاء قليلًا، ويتكلم بسرعة فيسبق لسانه عقله، وكان في الرابعة من عمره مغرمًا بأن يدس يده فيتحسس الصدر، فصرفناه عن ذلك بالحسنى؛ مخافة أن يورثه الزجر الخشن رغبة مكبوحة، وجعلت بالي إليه بعد ذلك لأرى ما يكون من أمر هذه الظاهرة الغريبة، فلم أرَ أنه كَرَّ إليها، أو أن النزعة عاودته، وأثرت السلامة فشجعته على مزاولة الرياضة، وآنست منه ميلًا إلى الشعر فشقَّ عليَّ الأمر، غير أني سكتُّ، فلا أنا شجعته ولا أنا صرفته، وهو مرهف الإحساس سريع الغضب والبادرة، وعَبْرته قريبة، وأنا أكره جدًّا أن أرى رجلًا يبكي، وإن كانت الدموع رحمة وغوثًا، وليس ذلك لأني أكره الرقة في الرجل، بل لأني أكره ظهورها، وأن تكون عاطفة الرجل مرتسمة على وجهه، وليس في وسعي أن أكثف له إحساسه، ولكن في وسعي أن أروِّضه على الحِلم والصبر والتشدد، وهذا ما أعالجه.

والبلاء أن الولدَيْن قد ورثا ضعفي في العلوم الرياضية، وهذا يكلفني شططًا، ويكلفهما مشقة بالغة وجهدًا عظيمًا، ويضيق وقتهما، ويمنع أن يتوفرا على تحصيل العلوم الأخرى، ولا أعرف لي حيلة في ذلك، سوى أن أنفق على تعليمها، وأشدد عزائمهما، ولو كان الخيار إليَّ، لما أسقطت العلوم الرياضية مما يتعلمان، فإن اعتياد الصبر على المكاره واجب، ونافع في الحياة، ومن الخير أن يتعلم المرء في صغره مغالبة الصعاب، ولو برحت به، فإن طريقنا في الدنيا ليس مفروشًا بالورد.

وليس لي مال، ولا أنا أطمع، ولا هم يطمعون أن أورثهم مالًا، ولحسبي وحسبهم أن يكونوا غير مدلَّلين، وأن ينشئوا نشأة استقلالية قوامها الثقة بالنفس والاعتماد على الذات، والاستعداد لتلقِّي ما تجيء به الحياة بالصبر والجَلَد، وعدمِ الاستنكاف من العمل كائنًا ما كان ما دام شريفًا، وقلةِ المبالاة بالمظاهر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.