إذا كان للجهود بداية عملية سبقت هذه الأيام، فقد بدأ الجلاء فعلًا سنة ١٩٢٤.

بدأ الجلاء فعلًا يوم بدأت في مصر حياتها النيابية الحديثة.

فإن قليلًا من أبناء هذا الجيل يذكرون أن جيش الاحتلال كان «بندًا» من بنود الميزانية المصرية، وكانت مصر تؤدي نفقاته بأمر المستشار المالي البريطاني، الذي كان يشهد جلسات مجلس النظار، ولم تكن للأمة المصرية وسيلة لمعارضته فيما يتخذه بمشيئته أو مشيئة رؤسائه في قصر الدوبارة من أمثال هذه القرارات.

فلما بدأتِ الحياة البرلمانية في مصر، وأصبح لها مجلس يمثلها، ويجوز له أن يمحو ويثبت في ميزانية الدولة كما يشاء — أو كما تشاء مصر على الصحيح — تقرر يومئذٍ حذف الاعتماد المخصص لجيش الاحتلال. وكان هذا القرار جرأة بالغة في ذلك الحين؛ لأن سلطان الاحتلال كان يومئذٍ هو المتصرف الفعَّال في مصير الوزارات ومصير المجالس النيابية. وكان إخراج جيش الاحتلال من حساب الميزانية في الواقع هو أول خط كسبناه في طريق إخراجه من حساب البلاد.

وفيما عدا هذه الخطوة العملية كانت مسألة الجلاء قبل أربعين سنة، مسألة توقُّع أو مسألة تقدير لما سيقع بعد حين قريب أو بعيد.

فكان المصريون جميعًا يتمنَّوْن الجلاء.

ولكن كيف كانوا يتوقعونه، أو كيف كانوا ينتظرون وقوعه؟ هل يقع في حياة ذلك الجيل؟ وهل يرونه بأعينهم أو يتركون رؤيته نصيبًا مقدورًا للأبناء والأحفاد؟

إن الذي نراه اليوم حقيقة واقعة، كان يقال فيه يومئذٍ بلسان حافظ إبراهيم:

أرى مصر والسودان والهند واحدًا

بها اللورد والفيكونت يستبقان

وأكبر ظني أن يوم جلائهم

ويوم نشور الخلق مقترنان!

وكان حافظ إبراهيم رحمه الله شاعر القومية المصرية، وكان ضحية الحكم الإنجليزي في السودان، ثم ضحيته في مصر بعد ذلك، ولم يكن أحب إليه من جلاء الإنجليز عن مصر والسودان، ولا كان أحد من أبناء هذا البلد يتمناه كما تمناه.

إلا أنه من فرط الإشفاق والتوجس كان ينظر إلى ذلك الأمل المرموق فيستبعده، ويتساءل عن موعده وفي النفس حسرات تترجم عنها تلك الأبيات.

ولما سمع مني قصيدتي التي نظمتها في إبَّان الحرب العالمية الأولى — والحماية البريطانية مضروبة على مصر — وقلت في ختامها:

وستستقل فلا تقولوا: إنها

صمد الهوان بها، فلا استقلالا

قال وهو يبتسم وينظر بعينيه تلك النظرة التي يذكرها عارفوه:

«قل: إن شاء الله!»

وقد شاء الله، وفي مشيئته لنا متسع للمزيد.

***

ولم يكن حافظ إبراهيم وحيدًا في ذلك الشك الذي يساور نفسه في أمر الجلاء.

بل كان هذا الشك وأمثاله يساور نفوس الكثيرين، ولا سيما أبناء الجيل الغابر الذين شهدوا أوائل سطوة الاحتلال.

لقد سمعوا الوعد بعد الوعد باقتراب يوم الجلاء، فمضت الأيام ولم تصدقِ المواعيد.

وقد عقدوا الرجاء بدولة بعد دولة، فمضت الأيام والدول الكبرى تتخلى عنهم واحدة بعد واحدة … فألمانيا التي توجه مصطفى كامل — رحمه الله — إلى عاهلها غليوم الثاني بالبرقية بعد البرقية لا تصغي إلى النداء، ومثلها فرنسا التي قال لها:

يا فرنسا يا من رفعت البلايا

عن شعوب تهزها ذكراك

أدركي مصر إن مصر بسوء

وارفعي النيل من مهاوي الهلاك

فإنها لم تدرك مصر ولم تمدَّ يدها إلى النيل، وجاوزتِ السكوت إلى خذلان مصر خذلانًا صريحًا في الاتفاق بينها وبين بريطانيا العظمى، وهو الاتفاق الذي تعاهدت فيه الدولتان سنة ١٩٠٤ على تبادل الأعضاء والمعاونة، فلا فرنسا تسأل بريطانيا العظمى عن مصر، ولا بريطانيا العظمى تسأل فرنسا عن المغرب الأقصى.

فإن أبناء هذه الديار تنسموا نسيم الفرج يوم زحفت الفيالق إلى الآستانة بقيادة الشبان من ضباط تركيا الفتاة، لإعلان الدستور في العاصمة العثمانية.

وأحس الإنجليز بجيَشان الأمل في النفوس فأرادوا أن يعجلوه بصدمة مفاجئة تعود به إلى القرار.

فأسرع مراسل «التيمس» إلى أنور باشا بطل الثورة يسأله عن موقف العهد الجديد من المسألة المصرية.

فقال له أنور باشا، وهو يخشى على العهد الجديد من كيد السياسة البريطانية: «إن المسألة المصرية لا محل لها في برنامج تركيا الفتاة.»

فأبرقت إليه صحيفة الدستور لصاحبها العالم الفاضل الأستاذ محمد فريد وجدي بك — وكنت يومئذٍ أكتب فيها — فجاء منه الرد بتصحيح لا يزيل اللبس ولا يثلج الصدور.

***

هذه الصدمات تلو الصدمات قد باعدت بين أناس من المصريين وبين تحقيق الرجاء في الجلاء.

وكأنهم قالوا لأنفسهم: إن الأمر يحتاج إلى قوة أكبر من القوة البريطانية.

فمن أين تأتي هذه القوة؟

أمن الدول الأجنبية وهي كما نراها تخذلنا، وتؤيد المحتلين في سياسة المساومات وتبادل المطامع؟

أم منا نحن، وهيهات أن نبلغ من القوة في ظل الاحتلال ذلك النصيب الموفور الذي نقهر به المحتلين؟

إذن، لا رجاء من هنا ولا من هناك في زمن قريب، إن لم يقولوا كذلك في زمن بعيد.

وهذا هو موضع الخطأ البين في التقدير.

فمسألة الجلاء ليست مسألة جيش أمام جيش، ولا مسألة أسطول أمام أسطول، ولكنها مسألة المصلحة البريطانية في الاحتلال، فإذا استطعنا أن نجعل الاحتلال أشق على بريطانيا العظمى من الجلاء فقد تم الجلاء.

كذلك ينبغي أن نذكر دائمًا أن المقاومة ليست مسألة تغليب قوة عسكرية على قوة عسكرية؛ لأن الأمة التي ترفض الحكم الأجنبي وتصر على رفضه؛ تقاوم الحكم الأجنبي أنجع مقاومة، ولو كان مزودًا بسلاح الدنيا كلها في البر والبحر والهواء.

ويعلم الطبيعيون أن القدح الصغير يقاوم الضغط الجوي كله إذا امتلأ بالهواء، وليس نصيبه من الهواء شيئًا يذكر إلى جانب الهواء الذي في الفضاء.

وكذلك مقاومة النفوس في علم الطبيعة الإنسانية بلا اختلاف.

على أن الفكاهة تصدق أحيانًا حيث لا يصدق الجِدُّ ولا يصدق التقدير.

ففي أعقاب الحرب العالمية الأولى وقف كيرزون في البرلمان الإنجليزي فقال مؤكدًا وهو يتكلم عن مصر: «إننا هناك وسنبقى هناك.»

قال الظرفاء يومئذٍ: تلك بشارة خير! فقد سمعنا من الساسة البريطان ستين وعدًا بالجلاء وهم ينوون البقاء … فاليوم وهم يؤكدون البقاء لا شك أنهم سيخرجون!

وكان الظرفاء في هذه المرة أدنى إلى الصدق من أصحاب التقدير والتفكير!

***

والآن وقد خلت القاهرة والإسكندرية من جنود الاحتلال، هل تحقق كل ما نرجوه من الجلاء؟

كلا … لم يتحقق كل ما نرجوه.

ولكن الذي تحقق شيء رجوناه وتطلعنا إليه، فلا يقابل بالنكد والغم بل يقابل بالغبطة والسرور.

أما الذين أرادوا أن يغمُّوا الأمة المصرية لجلاء الإنجليز عن العاصمة المصرية، فقد أثبتوا أمرًا واحدًا لا ريب فيه؛ وهو أنهم يكرهون سرور الأمة ما داموا لا يحكمونها ولا يستغلونها في حكومتهم، فلا حق لها في السرور ولا في الحرية إلا وهم حاكمون.

ويؤيد هذه الحقيقة أنهم هللوا وكبروا يوم احتفلوا بتسليم نقطة بوليس واحدة، هي نقطة بوليس العطارين بالإسكندرية.

هللوا وكبروا لتسليم النقطة مع بقاء الجيش البريطاني في معسكرات مصطفى باشا ومعسكرات كوم الدكة ومعسكرات أبو قير!

فلماذا يحرم على هذه الأمة أن تغتبط بجلاء المحتلين عن العاصمتين وعن أرض الريف والصعيد؟

أَلِأنَّ مصطفى النحاس لا يجلس على كرسي الوزارة؟

إن هذا وحده لدليل على أن الجلاء قد حقق لمصر حظًّا وافرًا من الاستقلال، ولولا ذلك لما بقي مصطفى النحاس بعيدًا عن الوزارة، وقد طلبه تشرشل وإيدن، وطلبه أخيرًا بيفن وهو وزير الخارجية البريطانية.

إنه إذن لكسب لا شك فيه، وإنه إذن لجدير بفرح الأمة واغتباطها، وتجديد رجائها. وقد فرحت الأمة واغتبطت، وفرح الحديد في تماثيل أبطال الجلاء، ولو تلقتِ التماثيل الحياة لتلقت نضرتها من تلك الأزاهير التي حبتها بها بنان الربيع، وتلقت أنفاسها من تلك الهتفات التي تصاعدت من القلوب قبل الأفواه.

أما الذين يحزنون في يوم الجلاء وينوحون بين أفراح الأمة، فلهم حق معلوم، ولكن لحساب أنفسهم لا لحساب المصريين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.