لما اقترح عليَّ قلم التحرير أن أكتب مقالًا بهذا العنوان، قلت له: إنه عنوان لغز لا عنوان مقالة! فهل من المعقول أن أخفي شيئًا عن الناس وأنشره في صحيفة؟ شيء لا أهمس به في البئر أنادي به على المئذنة! وشيء لا أقوله لأحد أكتبه في الورق وأقوله لكل أحد!

قال: «وماذا عليك أن تكون «حلَّال» الألغاز وأنت عقاد العقد؟»

قلت: «إن كان الأمر كذاك فالمسألة موضع نظر!»

وأعترف لك أن كثيرًا من الأشياء فيها ما يدعو إلى السكوت، وفيها ما يدعو إلى الكلام.

وأهم ما يدعو إلى السكوت عندي أن أتعرض لإهانة ولو في سبيل ما يشرفني، فذلك شيء لا أنساه ولا أحب أيضًا أن أذكره.

أما أهم دواعي الكلام عندي، فهو أن يكون في الأمر تسجيل حالة نفسية يعززها الواقع، وأن يكون فيه مع ذلك جانب يفيد الناس ويغني من يطلع عليه.

والحادث الذي أرويه لك، يا صديقي مقترح الألغاز، وأترك لك أن تنقله إلى القارئ، فيه ما يدعو إلى السكوت، وفيه ما يدعو إلى الكلام، على شرط الكتمان عندي وشرط الإفشاء، ولك أن تصنع به ما تشاء.

***

نقمت من وظيفة الحكومة فاعتزلتها، ورجعت إلى بلدي أنوي الإقامة بها، وأرجو أن أوفق إلى عمل من الأعمال الحرة فيها يغنيني عن الوظائف الحكومية.

وكان العمل يومئذ جاريًا في تعلية الخزان. وكل من عمل فيه خرج بثروة مرموقة.

وسبيل العمل فيه أن تبدأ بمساعدة أحد من كبار المقاولين، وأن تتدرب معه على المقاولات المطلوبة، ثم تستقل بمقاولة صغيرة من «باطنه»، أو من الشركة الكبرى مباشرة، على حسب أنواع المقاولات.

وكان عملي الأول بطبيعة الحال في مساعدة مقاول كبير.

كان عملًا مرهقًا، ولكنه لا يخلو من جوانبه الشعرية؛ فقد كنا نقيم في جوسق على ربوة من الصخر في وسط الماء، ومن حولها جداول العيون الدافقة، وعلى مسمع منا هدير التيار الجارف نصحو على ندائه في الصباح، وننام على أصدائه في المساء، ونقضي النهار كله في حركة ومشقة، فإذا غربت الشمس جلسنا على الربوة لحظة نستريح، ثم أوينا إلى الجوسق، وأوقدنا النار يستدفئ بها مَن يستدفئ، ويصنع عليها الشاي من يُولع بشربه، ويقرأ من يقرأ في صحيفة أو كتاب، ثم نستسلم جميعًا إلى نوم عميق، ولا نزيد في جملتنا على أربعة أو خمسة من الزملاء.

ولم يمض أسبوع على تجربتي للعمل حتى عرفت أنه سبيل للثروة حقًّا، ولكن من طريق واحد لا طريق إليها غيره؛ وهو طريق السرقة والاختلاس!

كانت مهمتي في المقاولة أن أوزع كعوب الديناميت التي تستخدم في تكسير الصخور، وأن أقيس أكوام الصخر المتكسر بعد تنسيقه للقياس، وكان كلا العملين مصدر ثروة بغير حساب.

فأنت تستطيع بالاتفاق مع «صاحب الشأن» أن تصرف خمسة كعوب وتكتب في سجل القيد عشرين؛ لأن الخمسة تساوي العشرين بعد انفجار اللغم وتصدع الصخرة المنسوفة!

أما أكوام الصخر فقد كانوا ينسقونها ويقيسونها بالمتر، ويرشونها بالجير بعد تسليمها تمييزًا لها من الأكوام التي لا تزال، كما يقولون، تحت التسليم، ولكنك تستطيع بالاتفاق مع «صاحب الشأن» أيضًا أن تتغاضى قليلًا، فيأتي من يلقي بالحجارة التي مسها الجير في الماء ويُتِمُّ الكومة بحجارة غير مرشوشة، ويُعاد تسليمها وحساب ثمنها من جديد!

ولم يكن المفتشون في الشركة من الغباء بحيث تجوز عليهم هذه الحيلة المتكررة، ولكنهم كانوا أذكياء جدًّا، وأيقاظًا جدًّا، وكانوا يصطنعون الغباء عامدين، ويُغمضون الأعين عامدين؛ لأنهم يقبضون ثمن العمى والغباء!

وأبَيْتُ أنا أن أصرف خمسة كعوب وأكتبها عشرين أو ثلاثين كعبًا، وأن أقيس الكومة مرتين وثلاث مرات وأربع مرات؛ فكان أول الغاضبين مفتش الشركة الذي كان من حقي أن أنتظر منه المكافأة والثناء!

وكان هذا المفتش رجلًا «أستراليًّا» شرس الأخلاق، قوي الأركان، يلعب بالحديد، ويتحدى البرد القارس في الشتاء بالسباحة في مطلع الفجر، والاستغناء عن كل دثار غير قميص مفتوح وسروال قصير!

وجاءني يومًا مغضبًا مُتَجَهِّمًا وهو يقول: «إنك تسيء إلى العمال والموظفين وتعطل أعمال الشركة.»

فلم أزد على أن سألته: «كيف أسأت إليهم؟»

فاصطنع الغضب، ولكمني لكمة عنيفة، ونسيت الفارق بيني وبينه في القوة البدنية فهجمت عليه، فلم أكد أنقل قدمي حتى كان أربعة أو خمسة من أذنابه يحيطون بي، ويمسكون بعضدي، ويمنعوني من كل حراك.

كتبت بشرح ما حدث للمدير المسئول، فمضى يوم، ويومان، وثلاثة، وأربعة، ولم يأتني منه جواب، وكنت أحتدم من الغيظ، ويملؤني احتدامٌ أن أهان لأنني أحسنت عملي، وأن يكون المهين لي لصًّا مستحقًّا للعقاب والازدراء.

ويزيدني كل يوم ينقضي بغير رد من المدير المسئول احتدامًا على احتدام، ثم رجعت من الخزان إلى أسوان في يوم البطالة الأسبوعية، وقد بَيَّتُّ النية على شيء خطير.

كان لي صديق من ضباط الجيش، فطلبت منه مسدسًا فأعطانيه بعد أن سألني عما أصنعه به، فقلت له: إننا نبيت في مكان معرض للسرقة، فهو لازم للحيطة والدفاع.

وعدنا إلى الخزان.

وكان معي صهري يزاملني في العمل وفي الجوسق الذي نبيت فيه، فرأى المسدس وعرف ما أنويه، فاختطفه وألقى به في الماء، وبادر بإبلاغ أبي وأهلي، فأخرجوني من العمل عنوة، وأنذروا المقاول شرًّا إن قَبِل أن يعيدني إلى وظيفتي عنده، ولم يكن له قِبَل بمُعاداتهم وهم مقيمون في البلد، وهو طارئ غريب.

تلك هي القصة التي لم أقلها لأحد قط قبل اليوم، ولم يعرفها أحد غير من شهدها في ذلك اليوم.

طويتها؛ لأنني لا أحب أن أتحدث عن إهانةٍ لحقتني ولو في سبيل ما يشرفني … وذكرتها الآن؛ لأنها تسجيل حالة نفسية من تجارب الواقع، ولأنها تفيد من يريد أن يستفيد، وأولهم من يشرفون على الأعمال العامة؛ إذ يعلمون من هذه القصة، على الأقل، أن تكاليف الخزان لم تكن تتجاوز نصف تكاليفه التي غرمتها مصر لو صدقت الرقابة وصدق الحساب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Nouruddin Akkadović ·١٧ مايو ٢٠١٤، ١٦:٣١ م

    جزاكم الله كل الخير، نحن مدينون لكم بجزيل الشكر والفضل لإتاحة هذه الدرر لعملاق الأدب العربي