عرفت الأستاذ ساطع الحصري — أبا خلدون — في بغداد لمَّا زرتها أول مرة، وكان يومئذٍ هو المشرف على شؤون التعليم والفنون والمُوكَّل بها، وقد زرت بصحبته دار الآثار وبعض ما كشف عنه البحث والتنقيب في العاصمة وحولها، ومما أذكره لدلالته — ولا يسعني إلا أن أبتسم كلما تذكرته — أننا زرنا قصرًا منيفًا من العصر العباسي يزعم البعض أنه كان من قصور الخليفة المأمون، وهو غير صحيح، وكان الأتراك أيام حكمهم للعراق يتخذونه إسطبلًا!

وقد خرج الأستاذ أبو خلدون من العراق إلى الشام ولبنان، ولعله آثر الإقامة في بيروت، فقد جاءني كتابه منها، وأَعفى نفسه — أو أُعفِي — من الأعباء الرسمية التي كان يضطلع بها في بغداد بعد أن أسدى إلى هذا البلد الطيب يدًا ينبغي أن تُذكَر ولا تُكفَر، وأحسن الارتياد فيها لمواضع البُغيَة، بحَسِين تثبُّته في أوائل الأمور، ودقة استشفافه بعقله الكبير ونظره البعيد لما تجيء به العواقب، ولم أرَ يومئذٍ إلا ظواهر أموره المحمودة، غير أن الذين يعرفون بواطن أحواله زادوني إكبارًا له، فما كان وهو ببغداد يمتُّ إلى أهلها بغير حرمة العلم وذمام الإخلاص حتى لقد أفضى من ذلك إلى ما يجوز الأمنية ويفوت الأمل، وقد تبيَّنت من حديثه أنه بموضع رفيع من جمع الكتب ودراستها والنظر فيها والعكوف على تصفُّح عقول أصحابها من جميع الأمم، وأن الله قسم له من العقل والفهم حظًّا جزيلًا، وأنه لا يكتفي بذلك ولا يزال دأبه وكدُّه أن يزيد في عقله عقل غيره.

ومن كان كذلك، فتصور محنته وحسرته حين تقضي الأحوال بإقصائه عن كتبه وأوراقه، وتحرمه — كما يقول: «وسائل تحقيق أمنيتي (وهي دراسة مفصَّلة لمقدمة ابن خلدون) بالإحاطة التي كنت أستعد لها، والدقة التي كنت أتوخاها.»

ومع ذلك أبى أن تلحقه إضاعة أو يفدحه الحرمان، أو أن يستقبل حاله الجديد بالتضجع، فراض نفسه على تقاضي الزيادة من النقص، وتثمير الذاكرة، وارتاد لها مغرسًا تنمو فيه فروعها وتزكو ثمرتها، أو كما يقول: «ومع هذا رأيت أن أشغل أوقاتي بكتابة بعض الدراسات عن مقدمة ابن خلدون بقدر ما تسمح لي الذاكرة من جهة، وبقدر ما تساعدني المراجع التي أستطيع الحصول عليها في ظروفي الحالية من جهة أخرى، أملًا أن تكون هذه الدراسات مُمهِّدة للدراسة التامة التي لا أزال أُمنِّي النفس بها.»

وهو لا يرى أن ما كتبه الدكتور طه حسين بك والأستاذ عبد الله عنان وغيرهما يُغنِي عن دراسة جديدة لهذه المقدمة الجديدة؛ «لأني أعتقد — كما يقول — أن الطرافة في الدراسات لا تتأتَّى من جدة الموضوع وحده، بل قد تتولد من طرافة الطريقة والاتجاه أيضًا».

وله ملاحظة غاية في السداد، قال: «إن الذين يطالعون مقدمة ابن خلدون يقرأونها عادة كما تُقرَأ الكتب الحديثة وينتقدونها بوجه عام كما تُنتَقد المؤلفات العصرية، ومعظم الذين يكتبون عن المقدمة ينحون هذا المنحى نفسه، ويميلون إلى وزن الآراء الواردة فيها بموازين المكتسبات العلمية الحديثة، دون أن يلتفتوا إلى عدد القرون التي تفصل بيننا وبين تاريخ كتابة المقدمة، على حين أن قيمة المؤلفات القديمة، ومنزلة المفكرين القدماء — في تاريخ العلوم والأفكار — لا يمكن أن تقدر على هذه الطريقة، ذلك لأن كل عالم ومفكر يشترك — بوجه عام — مع معاصريه في معظم آرائهم فيشاطرهم أكثر أخطائهم، ولا يمتاز عليهم إلا في «بعض الآراء» التي يُوفَّق إلى ابتكارها و«بعض المعلومات» التي يستطيع اكتشافها، ولهذا السبب نرى أن منزلة الباحث والمفكر في «تاريخ العلوم والأفكار» لا تتعين بملاحظة «جميع الآراء الصائبة والخاطئة» المنبثَّة في كتاباته ومؤلفاته المختلفة، بل تتقرر بملاحظة «الآراء المبتكرة» التي يسمو بها على معاصريه، و«الحقائق الجديدة» التي يضيفها إلى المكتسبات الفكرية البشرية والخدمات التي يقوم بها بهذه الصورة في سبيل تقدم الأفكار والعلوم، كل ذلك بغض النظر عن الآراء الخاطئة التي يبقى فيها مشتركًا مع معاصريه بطبيعة الحال.»

وهذا هو دستوره في دراسة مقدمة ابن خلدون: أن لا ينسى أن ابن خلدون من رجال القرن الرابع عشر بعد الميلاد، وأن يرجع إلى تاريخ «العلوم والأفكار» وهو يقرأ كل فصل من فصول المقدمة، ويتأمل كل رأي من آرائه، ويعرض ما كان يقول به المفكرون في هذا الصدد في العصر الذي عاش فيه وفي العصور التي أتت بعده.

وقد ضرب مثلًا: أرسطو «المعلم الأول» وما وقع فيه من أغلاط وأخطاء كثيرة جسيمة في علوم الطبيعة وعلم الحياة والاجتماع، ثم قال: «وما قلته عن أرسطو يصح في غيره من العلماء والمفكرين، وليس من بين هؤلاء — من سقراط إلى كَانت ومن بقراط إلى فرويد — من يُعدُّ عظيمًا لأنه لم يخطئ في آرائه قط، بل إنهم يعدون عظماء على الرغم من الأخطاء التي وقعوا فيها.»

وملاحظة أخرى لا تقل عن هذه سدادًا وتوفيقًا، وتلك أن الأكثرين لا يطلعون على آراء القدماء من الغربيين إلا من خلال بعض المقتطفات والدراسات، فيتوهَّمون «أن كل ما قاله هؤلاء وكتبوه كان من ذلك الطراز، مع أن تلك المقتطفات والدراسات يراد بها بوجه عام إظهار نزعتهم العلمية؛ فهي لا تحتوي إلا على الجوهر المهم والزبدة المنتقاة من آرائهم وكتاباتهم الأصلية، بينما نحن نطلع على ما قاله ابن خلدون من قراءة مقدمته مباشرة، ونحيط علمًا بكل ما فيها من غَثٍّ وسمين، فالمقارنة التي قد تحدث في أذهاننا بين ابن خلدون وأمثاله الغربيين تكون بعيدة عن الحق، إن مثلنا في هذه المقارنات كمثل من يريد أن يقوم بمقارنة بين المناجم المختلفة فيقدم على الموازنة بين العنصر الطبيعي الموجود في أحدها، وبين المعادن الصافية والجواهر اللمَّاعة المستخرجة من غيرها، من غير أن يذكر أن تلك المعادن والجواهر كانت ممزوجة ومخلوطة بمواد ترابية وحجرية خسيسة، وأنها لم تظهر بمظهرها الحالي إلا بعد تصفيتها من النفايات، كما أن العنصر الطبيعي الموجود في المنجم الأول يحتوي على جوهر ثمين قد يبهر الأبصار مثل تلك الجواهر إذا ما عولج وصُفِّي مثلها».

وعلى مقتضى هذا الدستور المنصف كتب دراساته القيِّمة وأخرجها في جزأين ضخمين، ومهَّد لها بجولة في التاريخ والكهانة والنجامة والسحر وما إلى ذلك، ورأي ابن خلدون في هذه الأمور، ثم تناول حياة المؤلف وتاريخ كتابة المقدمة ولغتها ومكانتها من تاريخ فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، وآراء الرجل ونظرياته في طبيعة الاجتماع ومنشأ الحكم، والقسر الاجتماعي والتقليد وطبائع الأمم والدولة وعلم النفس والتربية، ونظرية التطور، والحرب والدين واللغة والأدب إلى آخر ذلك.

وحسبنا هذا الوصف الإجمالي لتعريف القُرَّاء بالكتاب وقيمته على أن من حق الأستاذ أبي خلدون علينا أن نشهد بأنه ما ترك موضعًا إلا أقام فيه بإزاء كل شبهة دليلًا ومع كل خفيٍّ حجة ظاهرة، وأنه ما رضي بالأصول حتى تقصى الفروع، وأقام كل أمر على حدوده ونزله منازله بلغة سهلة متدفقة، وإن كانت لا تخلو من مصطلحات غريبة أدى بها معاني مألوفة في اللغات الأجنبية، ولا نظن أنه كان يعييه أن يهتدي إلى خير منها، على أن هذه قليلة لا تغضُّ من قيمة الكتاب، ولعل عدم الإشارة إليها كان أولى، فليس من العدل المحض والإنصاف الصحيح أن ندع الهنات اليسيرة تتجسم في رأي القارئ، ولهذا وجب التحذير من حمل هذه الملاحظة على غير محملها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Abdo Ali ·٢٣ نوفمبر ٢٠١٤، ٣:٤٥ ص

    اين ناقش رسالة الدكتوراه عن ابن خلدون وما اسم الجامعة والدولة والتاريخ ومن هو المشرف على رسالة ساطع الحصري ؟ ولكم جزيل الشكر