نشر «الأهرام» منذ بضعة شهور بعنوان «منذ خمسين سنة» شذرات من أخبار العرابيين والثورة العرابية، وهذه الأخبار بل هذا التاريخ مما يجب على كل مصري أن يعرفه؛ لأن كل مصري يعيش اليوم في نتيجة تلك الحركة القومية التي أطلقوا عليها اسم «الثورة العرابية»، والثورة العرابية غيرت بلا شك ولا ريب وجه سياسة العالم في الشرق. وإذا كانت ثورة فرنسا في سنة ١٧٩٧ لم تنتهِ حتى اليوم بل هي في نظر المؤرخين في إبَّان شدتها، فكذلك الثورة العرابية لم تنتهِ ولن تنتهي قريبًا، ولا نظن أن أثرها السياسي يصل إلى حده في القريب. لذلك كان حقًّا على السلالة الحاضرة معرفة تاريخ السلالة السابقة والعمل للسلالة الآتية، ولا يتأتى ذلك إذا نحن فصلنا في المعرفة والتقدير بعض حلقات هذه السلسلة عن بعض. وإذا كان المؤلفون الوطنيون لم يؤلفوا التأليف الوافي في الثورة العرابية كالمؤلفين الإفرنج — لاعتبارات شخصية وغير شخصية — مع أنه قد مضى على تلك الثورة خمسون عامًا، والعرف في العالم المتمدن يقضي بأن يُحفظ بعض السجلات السياسية سرِّيًّا أربعين سنة فقط، ثم تصير بعد ذلك ملكًا مباحًا للجميع. فهل نطمع بذلك هنا، وهل يتاح لنا الوصول إلى تلك المستندات الرسمية؟ أم نظل في تدوين تاريخنا الحديث عالة على أوروبا وسجلاتها؟ وهل يُعلَّم أبناؤنا هذا التاريخ في المدارس؟

لقد تعرض لهذا البحث الأستاذ الجليل عبد الرحمن الرافعي بالمجلدين اللذين أصدرهما عن منشأ الحركة الفكرية المصرية، والأستاذ محمد صبري بكتابه «الإمبراطورية المصرية»، والأستاذ عبد القادر حمزة … إلخ؛ ولكن ذلك غير كافٍ لأنه اجتهاد فردي أو اجتهاد أفراد لا تصل أيديهم للسجلات الخفية ولا يسمح وقتهم بإيفاء مثل هذا البحث حقه ولا المال أيضًا، فهو في العالم كله من عمل الحكومة، فهل لنا حكومة تمتلك هذه السجلات الرسمية؟ وهل لنا حكومة خطر على بالها نشر مثل هذه الوثائق؛ ليعرف الخلف أخبار السلف، وليعرف المتأخر ما فعل المتقدم؟

مبدأ الثورة المصرية على الحاكم الغريب بدأ على عهد الحملة الفرنساوية في نظر البعض، وبدأ في قيام أعيان الأمة لتولية محمد علي في سنة ١٨٠٨، والتاريخ الثاني أصح. وظلت الروح الثورية تتردد في جوانب البلاد وبين الضلوع إلى عهد سعيد باشا (١٨٥٤–١٨٦٣) الذي رأى إرضاء الوطنيين بترقية الضباط منهم في الجيش، وبتعيين كبار الموظفين من الوطنيين في الأقاليم.

وكانت مصر من يوم اتفقت أوروبا مع إنكلترا على اعتبار مصر الغالبة مغلوبة وتركيا المغلوبة غالبة، ومن يوم أبرمت اتفاق لندن ١٨٤١، وهو الاتفاق الذي يجعل الحكم وراثيًّا في أسرة محمد علي، تفك كل يوم رابطة من الروابط التي تربطها بتركيا، حتى خُيل لإسماعيل الخديوي العظيم الشأن أن باستطاعته إلقاء ذلك النير المنهك عن عاتق مصر؛ فنال نظام وراثة المُلك الذي يحصر الولاية بأكبر أولاد الوالي، ونال لقب خديوي، ووصل إلى الاستقلال بفرمان ٨ يوليو ١٨٧٣ الذي لم يُبقِ لتركيا في مصر سوى الجزية والسيادة الاسمية. ولكن هذا الفارس المُجدَّ بالغ بالسرعة إلى غرضه، فسقط في شراك الماليين الذين استخدموا قوة الدول ضده. وكانت تركيا تأمل استعادة حقوقها التي ضاعت، فلما ولِّيَ توفيق باشا بفرمان ٧ أغسطس سنة ١٨٧٩، نصت تركيا فيه على أنه لا يحق له عقد القروض، وجعلت أقصى عدد للجيش ١٨ ألفًا، وقضت بأن يستأذن الباب العالي بكل اتفاق يعقده. ولكن هذا الشرط الأخير حُذف بحكم مطامع الدول، لا سيما إنكلترا التي أخذت صحفها تنادي بأنه لا مندوحة لهم عن امتلاك الأرض من بورسعيد إلى السويس، ولا تكون لهذا الامتلاك قيمة إلا إذا هم امتلكوا القاهرة والإسكندرية، ولم يكن يومئذٍ هذا الامتلاك في نظرهم إلا مسألة وقت فقط. ولما تولت وزارة الأحرار في ٢٣ أبريل سنة ١٨٨٠ أعلنت أنها لا ترمي بنظرها إلى مصر الآن، وقال وكيل الخارجية ديلك: إن وادي النيل فريسة للأسد البريطاني. وكان زعيمهم غلادستون قد أعلن منذ ١٨٧٧: «إن امتلاكنا مصر سواء كان لَصًّا أو مشترًى، فهو امتلاك مقرر لا بد منه وسيكبر ثم يكبر حتى يضم بحيرات ألبرت وفيكتوريا، فمصر هي بيضة تفرخ لنا الإمبراطورية الأفريقية …»

سقط إسماعيل وتولى توفيق، ونالت إنكلترا وفرنسا بالأمر العالي الصادر في ١٥ نوفمبر ١٨٧٩ حق تعيين مراقبين عامَّين: تُعين فرنسا أحدهما وإنكلترا الآخر، وتكون لهما أوسع سلطة في رقابة المالية وتقديم التقارير للخديوي والنظار ونشرها بالجريدة الرسمية، ولهما حق حضور مجلس النظار وإبداء المشورة، ولا يُعزلان إلا برضا إنكلترا وفرنسا. فكان هذان المراقبان هما الحكومة المصرية في الواقع؛ لأن إرادتهما لا تُرد، وكانت فرنسا وإنكلترا هما الحاكمتان. ولهما فوق ذلك إدارة الدائرة السنية والدومين والسكك الحديدية والجمارك المرهونة للديون، فضلًا عن أعضاء صندوق الدَّين وقضاة المحاكم المختلطة. وذهبت سلطة مجلس الأمة الذي ألَّفه إسماعيل في سنة ١٨٦٦، ولم يعترف المراقبان بسلطة مجلس النواب الذي ألَّفه إسماعيل في ٢٨ أغسطس ١٨٧٨ وأثبته توفيق باشا بالأمر الصادر في ٢١ سبتمبر ١٨٧٩؛ لأنهما يراقبان المالية. ثم صدر قانون التصفية في ١٧ يوليو ١٨٨٠، وهذا القانون كان يقضي على مصر بدفع نصف دخلها لفوائد الدَّين، ما عدا دَين روتشلد المرهون له الدومين. وكان عدد المصريين في تلك السنة خمسة ملايين ونصف مليون، وكانت التجارة والصناعة بأيدي الأجانب الذين لا يدفعون أي رسم، وما كانوا يجمعونه من الأرباح الفاحشة كانوا يرسلونه إلى بلادهم، فتخرج الثروة من أيدي المصريين. وكان المرابون يمتصون بقية الثروة؛ لأن الحكومة كانت تطلب الأموال الأميرية بشدة، فكان الأهالي يلجئون إلى المرابين لدفع تلك الأموال، حتى إن أحد النواب الإنكليز وُكِّل إليه درس حالة الربا والمرابين في ذلك العهد، فقدَّر ربحهم في كل سنة بمبلغ خمسة ملايين و٢٠٠ ألف جنيه؛ أي أكثر من مجموع ضرائب الأملاك. وضاعف في ظلم الفلاح واضطراره إلى المرابين تأليف المحاكم المختلطة التي وضعت نظام نزع الملكية ولم يكن الفلاح يعرفه.

أما كبار الملاك وأصحاب المزارع، فإنه ضاعف في مصابهم «إلغاء المقابلة»، والمقابلة هي قيمة نصف الضريبة؛ كان الخديوي إسماعيل قد قرر أن من يدفع مبلغًا كبيرًا معينًا يُعفى من نصف الضريبة إلى الأبد، فأقبل أصحاب الأملاك على الدفع، ولكن بعد قانون التصفية أُلغيت المقابلة بالأمر العالي الصادر في ٦ يناير ١٨٨٠، وظهر أن مجموع المدفوع ١٧ مليونًا، ولكن الذين تولوا التصفية قالوا إنه لم يدخل خزانة الحكومة سوى ٨ ملايين، وقالوا فوق ذلك: إن الذين دفعوا هذه الأموال سيستفيدون من التحسين الذي ينجم عن تصفية الديون، فالواجب عليهم أن يُضحوا. ولأجل هذه الاعتبارات جميعًا قرر قومسيون التصفية أن يحسب لأصحاب أموال المقابلة مبلغ ١٥٠ ألف جنيه في السنة لمدة ٥٠ سنة، فلم يعطوا أصحاب تلك الأموال مع فوائد أموالهم سوى ٢ بالمائة؛ فأسخط هذا الظلم أعيان البلاد وعُمدها وأعيانها.

وإذا انتقلنا إلى الوظائف والموظفين وجدنا أن نظام الرقابة المثنوية أو الحكم الثنائي — الفرنساوي الإنكليزي — أفضى إلى ملء الوظائف والدواوين بالموظفين الأوروبيين؛ فإذا عُين كاتب فرنساوي كان محتمًا تعيين كاتب إنجليزي … وهكذا إلى أن عُين في مدًى قصير ١٢٦٣ موظفًا. وقد لا يكون العدد كبيرًا، ولكن الخيال إذا تسلط على النفوس تجسَّم لديها القليل، ومع ذلك فقد دل الإحصاء في سنة ١٨٨٢ على أن الرواتب التي يتناولها الموظفون الأجانب كانت تعادل ١٥ بالمائة من أموال التوظيف والوظائف.

وكانت مسألة الجيش والضباط من المسائل المعقدة؛ لأن إسماعيل ألَّف جيشًا كبيرًا أنقصه فرمان تولية توفيق إلى ١٨ ألفًا، فاضطروا إلى حل فِرق الجيش أو أكثرها، وعاد الجنود إلى حراسة الأرض. أما الضباط فلم يكن سبيل إلى إرضائهم؛ لأن رواتبهم لا تكفيهم، ولأنه لم يبقَ لهم من عمل. وكان معظم ضباط الجيش من التُّرك والأرناءوط والجركس والكرد، فجمعهم العرف جميعًا باسم «الجركس». فالضباط الوطنيون كانوا يتذمرون من امتيازات هؤلاء ومن حفظ المناصب العالية لهم. وتوصل الضباط الوطنيون إلى أن ألَّفوا جمعية سرية لمقاومة نفوذ الجركس، وكان رئيس هذه الجمعية الضابط الوطني علي الروبي الذي تنازل للرياسة لزميله عرابي؛ لأنه كان أوسع منه علمًا وأفصح لسانًا. وقد استند إسماعيل في عهده إلى هذه الجمعية ليتخلص من الوزير الأوروبي ريفرس ويلسون عندما تظاهر الضباط ضد نوبار باشا رئيس الوزارة، وكانت تلك المظاهرة أول مظهر الجيش بالثورة، ولكن إسماعيل القوي كان غير توفيق المتردد الضعيف.

وفي حالة كحال مصر يومئذٍ يظهر ويبدو كل صاحب رأي وغرض لأن المجال يتسع لذلك؛ فجمال الدين الأفغاني جمع رهطًا من الشيوخ والأدباء، وأخذ يبث فيهم روح الحرية والاستقلال ومقاومة الأوروبيين، ولما نُفي من البلاد قام تلامذته بدعوته. والسلطان عبد الحميد أرسل رسله لبث دعوته وصوروا له أن العرب والمصريين يعملون لإعادة الخلافة العربية. والبرنس حليم باشا الذي حُرم من إرث العرش بفرمان ٧٣ أخذ يستخدم دعاته لاستعادة الأريكة. والذين يدَّعون نصرة الديمقراطية من الأوروبيين ملئوا جوانب مصر للحث والتحريض حيثما وجدوا سبيلًا.

تلك كانت صورة مصر منذ ٥٠ عامًا، ومن ذلك تولدت الثورة لتهيؤ جميع أسبابها من كل وِجهة على ما مر بالقارئ، فكيف ابتدأت؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Mostafa Ali ·١٢ يناير ٢٠١٧، ٢٢:١٥ م

    رائع جدا جدا لكن أتمنى تجميع هذا العمل مثل عمل البطل الفاتح إبراهيم للمبدع داود بركات.