لك أن تقول عن هذه الكتب الكثيرة التي تظهر في الأشهر الأخيرة عن الحرب العالمية الثانية: إنها هجمة غريبة في وقت غير مناسب، بعد نحو عشرين سنة من نهاية تلك الحرب بأهوالها وحوادثها وقادتها وأبطالها وضحاياها.

ولكنك تتصفحها على عجل فتعلم أنها لم تفقد مناسبتها الحاضرة مع كثرة الكتب التي ظهرت عن الحرب الأولى وعن الحرب الثانية خلال هذه السنين؛ لأن كتب الحرب التي تظهر الآن قد بُني بعضها على معلومات عن زعمائها ودعاتها كانت مجهولة كل الجهل، ثم اتضحت حقائقها على غير ظواهرها.

وبعض هذه الكتب كان من حق العناية به أن يتأخر إلى اليوم لحاجته إلى التحضير الطويل والاستيفاء من جميع المصادر والأطراف، كتلك المجلدات الأربعة التي حققت آثار الغارات الجوية، وآراء المدبرين لها، والمنفذين لخططها، والباحثين في أسرارها العسكرية والسياسية من الوجهة العلمية، ومن وجهة النظر إلى المصيبين بها والمُصابين بأخطارها وجرائرها.

ولا نعرف على الجملة كتابًا من هذه الكتب التي تصفحناها يمكن أن يقال اليوم: إنه فضول أو تكرار أو حشو من القول — ليس له لزوم — في دراسات التاريخ، أو دراسات «النفسية الإنسانية» بين الجماعات والآحاد.

ولا تُحصى العبر التي يستوحيها القارئ من هذا المدد الفياض عن الحرب وزعمائها فيما يزيدنا علمًا بالإنسان، وعلمًا بالناس، وعلمًا بالحوادث الكبرى في هذا العالم العجيب، الذي يزداد المجهول منه كلما ازداد المعلوم من خفاياه فيما يزعم الزاعمون!

وآخر ما كنت أنتظره من كتاب عن زعماء الحرب أنني كنت سأقرأ يومًا من الأيام سيرة لموسوليني الذي يُرثَى، ويبدو للناظر أحيانًا في صورة المخلوق «المجني عليه»، وهو من أكبر الجناة في تاريخ العصر الحديث … أو سيرة للدوتشي الذي هجر منبر الشرفة لينزويَ إلى حجرة ليقرأَ فيها فلسفة «كانت» ومذاهب ما وراء الطبيعة، ويَسأل مَن يَلقاهم من المُطَّلعين على أخبار الحكماء والعظماء: ماذا كان اعتقاده في وجود الله؟

أما عِبَر الحرب العظمى في جملتها، فأكثر ما نقرؤه اليوم منها توكيد وترديد يقل فيه الجديد.

وأكبر هذه العِبَر حقًّا هو تلك العِبْرة التي يجمعها قول حكيمنا العربي:

ولا تحتقر كيد الضعيف فربما

تموت الأفاعي من سموم العقارب

فإن الحرب التي اتسعت حتى أحاطت بشعاب الأرض، وطالت حتى بقيت ذيولها وعقابيلها إلى هذه الساعة، ليست من الحوادث التي تفسرها علة واحدة من علل النصر أو الهزيمة. ولكننا إذا عرفنا لهزيمة الأقوياء فيها مائة سبب، لم يكن لنا مناص من تقديم سببين بين جميع هذه الأسباب، لولاهما لتغير مجرى الحرب في طول مدتها على الأقل، إن لم يكن في نتيجتها الحاسمة؛ وهما: الزحف على أُمَّتين من أضعف الأمم الأوروبية التي ديست بلادها في الشهور الأولى منذ ابتداء القتال؛ وهما: أمة اليونان في الجنوب، وأمة النرويج في الشمال.

كان الزحف على بلاد اليونان سببًا لتأخير الحملة الألمانية على روسيا بضعة أسابيع، تحوَّل فيها الجو من صحو الصيف إلى غيوم الخريف وأمطاره وثلوجه في الأقاليم الروسية، فتحالفت فيها قوة الدولة المُعتدَى عليها وقوة الطبيعة، وذهب فيها كل أمل في نجاح الغارة مع زيادة العقبات وابتعاد المسافة بين مركز الغارة ومرماها.

وكان الزحف على بلاد النرويج سببًا لتأخير النازيين سنة أو أكثر من سنة في ميدان الحرب الجوية، وسببًا لتعطيل البحث عندهم في سلاح من أخطر الأسلحة التي كسبت الحرب؛ وهو سلاح القذائف الجوية، ومنها القذيفة الذرية.

فإن أعداء النازيين لم يكن في وسعهم أن يحطموا معقل المباحث الذرية وما إليها في براري النرويج، لولا الفرقة الفدائية من أبناء تلك البلاد الذين كانوا على خبرة بمنافذ بلادهم، وباستخدام الزحافات الثلجية بين هضابها ووهادها، وتحت ظلمات الليل الطويل في أرجائها … وهذه الفرقة الفدائية الصغيرة هي التي نسفت معقل «فرموك» من أساسه، فشلَّتْ حركة الهجوم الجوي على الجزر البريطانية، وعطلت بحوث القذائف دون اللحاق بخصوم النازيين في كشوفها وتجاربها.

ولو لم يكن من نصيب الأقدار دائمًا أن تضحك ممن يحركون الفلك وهم واقفون، لكانت حفنة الملايين من أهل النرويج واليونان أولى بالحذر والمبالاة من مئات الملايين في جزيرة جون بول أو قارة العم سام.

ولكنهم يُقدِّرون فتضحك الأقدار …!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.