امرأة مسكينة!

وامرأة مسكينة يرثى لها: كل من تفوتها أسباب السعادة من مصدرها الوحيد الذي تستمد منه المرأة سعادتها ولا تستمدها من غيره، وهو أنوثتها الصادقة …

وقد كانت «مارلين مونرو» امرأة بغير أنوثة تمت لها أسباب السعادة من مظاهرها الكثيرة، وهي مظاهر الجمال والمال والشهرة والإعجاب والمتعة، فشقيت وسئمت كل ما ملكته من نِعم الحياة المشتهاة، وأولها الجسد الذي خيل إلى الكثيرين من عشاق فنها أنه السعادة كلها لمن يملكه لحظات من الحياة!

والمسكينة قد ورثت هذه «الأنوثة المفقودة» ولم تصنعها لنفسها؛ لأنها بنت المرأة التي قضت حياتها من مقتبل عمرها في مستشفى الأمراض العقلية، وبنت الرجل الذي لم يطلب المرأة قط لتكون زوجًا له وأمًّا لبنيه وبنيها.

ونمت مارلين مونرو نموًّا جسديًّا «فجأة» ثم تزوجت وحملت فأجهضت مرة، واضطرت مرة أخرى إلى إجراء العمليات الجراحية لتصحيح الرحم وتيسير حالة الولادة.

وظلت الصورة الجسدية بغير أنوثتها هي كل ما بقي للفتاة النامية من محاسن حواء، فانقلب كل ما في طبيعتها من أشواق المرأة هيامًا بتلك الصور الجسدية وولعًا بإشباع الفراغ النفساني بما تستطيع أن تثيره من الفتنة وما تصطنعه من دواعي الإغراء، وقيل عنها: إنها كانت تقضي في حمامها الساعات الطوال وهي تتأمل جوارحها وتمتحن تأثيرها في استقامتها وانطوائها وسكونها واهتزازها، ثم تخرج إلى الطريق بغير ملابسها الداخلية!

وصادف إغراء «الأنوثة الناقصة» طلبًا كثيرًا من جمهرة المصابين بنقائص الجنس في زمن «المزايدة» بهذه النقائص في أسواق المسارح ومعامل التحليل والدراسات العقلية والطبية، فكانت مارلين مونرو هي الوثن الصالح لهذا المعبد، وأصبحت حركات الإغراء التي اشتهرت بها صيدًا صالحًا لأنواع الرجولة المختلة في عصرها، فكان إغراؤها لذوي الشذوذ أقوى وأظهر من إغرائها لذوي الرجولة الصادقة التي تجد طِلبتها فيما يقابلها عند الجنس الآخر من الأنوثة الوافية.

واختلال السليقة الجنسية في الرجال هو وحدة مقياس الجمال الناقص الذي يجعل من جسد هذه الفتاة مثالًا للأنثى الجميلة، فإن الصور التي نشرت لها بالمئات لا تمثل المرأة حق المرأة في ذوق فطري سليم من أقدم العصور إلى أحداثها، فلا هي أنثى جميلة على مثال أفروديت اليونانية، ولا هي أنثى جميلة على مثال غواني عصر النهضة أو غواني المدرسة الفلمنكية في القرون الوسطى، ولا هي على ذوق الجمال والأنوثة في معاهد الأزياء العصرية التي لم تتلوث بتقاليع الموضة الأخيرة … ولكنها تملك من قالب الجمال المألوف ما يكفي للإغراء بالحركة من جسد المرأة في مخدعها، وهو إغراء يكفي أن يحتاج إليه الرجل في الطريق ليدل على نقص الرجولة أو الانحراف فيها.

وحكاية العرض والطلب كافية لتفسير هذه «الوثنية» الفنية في دور من أدوارها، فقد كان الوثن الناقص على قدر عبادة الناقصين، وكانت الأنوثة المختلة بضاعة الرجولة التي لم تسلم من الاختلال.

ولكن الدعاية المسرحية لها عملها الدائم في كل شهرة من قبيل شهرة مارلين، فلا تغيب هذه الدعاية عن شهرة كتلك الشهرة جاوزت حدودها في نطاقها المعقول.

ولا بدَّ أن يذكر في مجال الكلام على ترويج الدعاية لفن مارلين مونرو أنها «تهودت»، وأنها كانت تعاشر أناسًا من أقطاب الدعاية العالمية لبعض المذاهب الاجتماعية. فليس بالكثير أن تنجح الممثلة كما نجحت مارلين ومعها هذه الأزواد الكثيرة من بضاعة الجنس المختل ومن ترويج الصهيونية والدعوة العالمية.

وقد نجحت الممثلة غاية النجاح الذي تطمع فيها الفنانة في سوق الصور المتحركة.

ولكن «الإنسانة» لم تنجح مع صورتها على الستار الأبيض، ولم تنجح مع جسدها الفاتن المفتون، ولم يبدلها يومًا من الأيام عوضًا من تلك الأنوثة التي لا سعادة بغيرها في عالم المرأة لجسد ولا روح.

ولا يقال — على سنة الوعظ المطروق — إن الفتاة المسكينة قد ذهبت ضحية من الضحايا على مذبح الفن الجميل! فإن الفن الجميل قد أعطى مارلين فوق ما أخذ منها بحساب الجمال أو حساب المال أو حساب الشهرة والإعجاب، ولكنها في الحق قد خرجت إلى الدنيا ضحية لأبوين لاهيين حملا أمانة الذرية على غير حق فيها ولا قدرة عليها، فكانت مأساة مصرعها بيدها جريرة لمأساة مولدها على الرغم منها … ولو شاءت هي لكان لها اجتهاد في طمأنينة القلب والوجدان كاجتهادها في فتنة الجسد والشهوة، ولكنها بما اختارته لدنياها مضت ولها نصيب من شقائها كنصيب الأب والأم ونصيب القدر المحتوم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.