شد ما تغيرت الظروف والأحوال، وهي تتحول كل يوم من حال إلى حال، لعله لم يبق من جيلنا إلا الآحاد، أو على الأكثر عشرات. تراجعت قيم وتقدمت قيم، تلاشت أحلام وترعرعت آمال. حق لنا أن نراقب الدنيا من بعيد، وأن نتابعها في هدوء مستعينين بضبط النفس والإيواء في ملاذ الحكمة، ولكن عندما يطالعنا يوم ٢٣ أغسطس في الأيام فنذكر بعمق وحنان الزعيمين الخالدين سعد زغلول ومصطفى النحاس، نرجع في نزهة عارضة إلى الزمان الأول، ويقتحمنا الماضي فينتزعنا من هموم الحاضر بقوة لا تُقَاوَم ورغبة لا تُنازَع.

نرجع إلى ذكرى الرجلين اللذين عرفنا في رحابهما حقًّا وصدقًا بأننا مصدر السلطات، وأننا فوق الحكومة، وأننا نجيء بالحكام من الشارع لنوليهم السلطة. نرجع إلى أيام الوحدة الوطنية الصلبة الصامدة المتحدية لمكر الماكرين وضربات الحانقين. نرجع إلى أيام كنا ندعي فيها إلى الاجتماع بالزعيم وهو رئيس للوزراء؛ ليسمع رأي الطلبة في أزمة نشبت بينه وبين الملك، أو بينه وبين الإنجليز. نرجع إلى زمن الهتاف وهو ينتشر كالأغاني مشيدًا بحياة الوطن والحرية والدستور، وسقوط الاحتلال والاستبداد. نرجع إلى ذكريات الخلاف في الرأي إبَّان احتدامه في البرلمان والصحف مشتعلة بالصدق والبلاغة والتربية الوطنية. نرجع إلى متابعة آثار ذلك كله في نفس العامل والفلاح والطالب والموظف، فما منهم إلَّا مُنْتَم متحمس، وليس بينهم صامت، والكل يعمل في ظل دستور مرموق، وقضاء مقدس ودولة ذات مهابة، وشعب حريص على النضال.

يا زعيميَّ الرَّاحلَين، كان المظنون أنكما أصبحتما تاريخًا طيب السمعة، وأن رسالتكما قد انتهت بعد أن أدت ما عليها، ولكن العالم فاجأنا بأعاجيب جديدة، فأصدر أقسى حكم عرفه الزمن على الاستبداد والقهر، ودعا بكل قوة للحرية واحترام حقوق الإنسان، بما فيها العدالة الاجتماعية. هكذا عادت مَبادئكُما هدفًا وغاية، وأملًا لكل من يناضل اليوم أو يتطلع إلى غد أفضل.

يا زعيمي الجليلين: قد يلتقي الشتيتان بعدما يظنان كل الظن ألَّا تلاقيا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.