… يُجري العلماء والأطباء العالميون تجاربَ على الميت تعيده إلى الحياة، وآخِر التجارب أُجرِيت في بعض المستشفيات الأجنبية بالخارج منذ أيام وأدت إلى إعادة الحياة إلى ميت بعد أن فقدها منذ ثلاثين ساعة … فهل صحيح ما يقال؟ وإن كان الأمر صحيحًا فما هو موقف الدين منه؟

عزمي أمين رستم، الروضة قبلي، عزبة رستم

إذا فارقت الجسيم الحياة فمن المستحيل إعادتها إليه، ولم يحدث قَطُّ أن إنسانًا ثبَتت مفارقته للحياة وثبت بعد ذلك أنه أُعِيد إليها بعمل من أعمال الطب والجراحة.

وغاية الأمر أن الاختلاط ممكن بين عوارض الموت التشخيصية Clinical death وبين عوارض الموت البيولوجية التي تثبُت بانحلال أغشية الدماغ.

وربما تأخَّر الموت البيولوجي بِضع دقائق بعد ظهور جميع العوارض التشخيصية.

وربما تمكَّن الأطباء من إطالة هذه الدقائق بإقلال حاجة الدماغ إلى الأوكسيجين تحت تأثير عقار من العقاقير يُبطئ حركة الحياة، ولكن إعادة الحياة بعد ابتداء الانحلال في الأغشية الدماغية مستحيل، وكل ما يُدَّعى غير ذلك فالدليل عليه أضعف جدًّا من الأدلة التي يَصِحُّ أن يُعتمد عليها في إثبات مثل هذا الادِّعاء.

خروف العيد

تعودنا في ثلاثين أو أربعين سنة من عصر الإذاعة أن نسمع الصوت الواحد يتلاحق من دكان إلى دكان، ومن نافذة على الشارع إلى مائدة في قهوة عامة، ونمشي على مهل أو على عجل، فنحسب أننا جُلوس في مكان واحد؛ لأن الصوت الذي نسمعه يتكرر في نفَس واحد على طول الطريق.

ولولا أننا نعلم الموسم الآن لخُيِّلَ إلينا في بعض الأحياء أن أجهزة الإذاعة قد احتكرها صوت واحد من الأصوات التي تنطلق بها أفواه الطبيعة في هذا الأوان: أوان الربيع.

ولكننا نعلم الموسم، ونعلم أنه خروف العيد، ولا نجهل أنه بطل المعركة بل بطل المعارك الكثيرة، بين ربات البيوت وأربابها، ولولاه لفقد المسرح نصف الإخراج ونصف التمثيل في موسمه السنوي، بعد موسم «الكعك» المشهود في أعقاب رمضان!

والخروف المربوط في شرفة من شرفات الدور الثالث أو الرابع عجيبة من عجائب القرن العشرين، ولو قيل كل ما يقال وما سوف يُقال عن عصر الفضاء، وعصر سكان الكواكب وراء الجوزاء!

إن ذا القرنين قديمُ عهدٍ بأمثال هذه المرتفعات على أية حال.

إن مراصد الأفلاك في الزمن القديم قد ارتفعت به قبل أكثر من ألفَي سنة إلى بروج الفلك العليا. وأقامت برج الحمل بين الذروة العليا من آفاق الفضاء قبل عصر الفضاء.

فلا عجب في ارتفاع صاحب هذا البرج من حوش الدوار في القرية، إلى شرفة الدور الرابع في أحياء المدينة العامرة بالسكان.

نعم لا عجب في هذه النقلة القديمة الجديدة القريبة البعيدة، في أوانٍ أو في غير أوانٍ!

ولكن لماذا كل هذا التبكير قبل «الهنا بسنة» كما يقولون، أو قبل العيد المُنتظر بثلاثة أسابيع؟

أهي المبالغة في الاحتياط للمستقبل المضمون ونحن لا نعرف هذا الاحتياط كله — ولا بعضه — في الاحتياط للمستقبل غير المضمون؟

أهو الحذر من الانتظار وارتفاع الأسعار عند اشتداد الطلب وازدحام الطالبين والطالبات في الوقت الأخير؟

إن أضعاف هذه الزيادة في الأسعار يأكلها آكل «العلف» في أسبوع واحد فضلًا عن الأسابيع الثلاثة أو الأربعة، وفضلًا عن ازدحام المسكن بمن يمشي على قدمين اثنتين ولا يشغل الشرفات والحجرات بأربع أقدام.

فلا دخل للاحتياط ولا للاقتصاد في هذا الاستعجال، ولكنه هو ذلك الصوت المُذاع على طول الطريق، وهو هو المقصود بالنداء من هذه النافذة والجواب من تلك الشرفة، فلا ترتفع شقة على شقة ولا حوش على حوش في هذا السباق المتلاحق بين ذوي القدمين وذوات الأقدام.

«ماء» عندكم و«ماء» عندنا، ونداء يتبعه نداء إلى غير انتهاء، ولكنها لا تذهب في الهواء؛ لأنها في باب المفاخرة أبلغ من مفاخر الجاهلية بفرسان الهَيْجاء!

وأبلغ ما فيها حماسة هذه الخلائق البكماء في مضمارها، وهي ضحيتها عمَّا قريب، يوم تخلو الشرفات وتمتلئ القدور والأحشاء!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.