ابن زمنه، وابن وطنه، وابن الإنسانية جمعاء: صفاتٌ يندر من يوصفون بها من المؤلفين، ومن هؤلاء النوادر الذي مضت على ميلاده مائة وخمسون سنة في هذا العالم، وتمضي على وفاته مائة سنة في العام المقبل: قاصٌّ من الطراز الأول. ويغلب فيمن يؤلفون القصص من الطراز الأول أن تكون حياتهم في أطوارها وتقلباتها قصة بقلم الأزل الذي تكتب الأقدار أقاصيصها وحوادثها.

وقد كان بلزاك قصة في نحوسه وسعوده، قصة في إخفاقه ونجاحه، قصة في حبه وزواجه، قصة في سيرته مع عصره وفي سيرة عصره معه، ولعله كان أوفر الكتاب الروائيين محصولًا من الروايات والحكايات والفصول والقصائد، ولو شاء مؤلف من طرازه أن يخرج سيرته قصصًا وحكايات لملأ بها مجلدات كالتي ملأها بقلمه، وقضى — كما قضى هو — ولا يزال عمله ينتظر الإتمام.

سلخ أيام شبابه وهو يحاول ويعيد المحاولة، فلا ينتقل من خيبة إلا إلى خيبة في جميع محاولاته، ومنها التأليف. ومن طرائف المفارقات في هذه المحاولات أن عضوًا من أعضاء المَجمَع الفرنسي المُلقَّبين بالخالدين قال له وقد اطلع على بعض محاولاته الباكرة: جرِّبْ يا بني حظك في كل صناعة … إلا صناعة القلم، فلا حظَّ لك منها، ولا حظَّ لك فيها.

وقد غمر النسيان اسم الخالد، وبقي اسم الصبي الميئوس من فلاحه في طليعة الخالدين بين حملة الأقلام.

أراد أن يكون ناشرًا فأفلس، وأراد أن يكون طابعًا فأفلس، وأراد — أو أريد له — أن يشتغل بالتسجيل فأخطأه التوفيق، فلما أصاب النجاح كان في زمانه مثالًا منقطع النظير بين الناجحين من الأدباء.

لكنه مدرسة نافعة لمن يحتاجون إلى دروس ينتفعون بها، ويقتدون بأصحابها؛ لأنه لم يكن يطلب المجد الأدبي بالأماني والأحلام، بل كان يعمل ويثابر على العمل، ويُقدم ولا يَنهزم، وقلما مضى من حياته يوم لم يعمل فيه نصف ساعاته؛ اثنتي عشرة ساعة بين الليل والنهار.

واختبر الفقر والحاجة، واختبر الناس وهو محتاج، فكانت هذه الخبرة ذخيرته الكبرى في فن الرواية؛ لأنه بلغ من الاقتدار في تصوير الشخصيات وإمدادها بالحياة الجياشة شأوًا لا يجاوزه أحد من أعاظم القصاص، على اختلاف الأمم والأجيال.

كانت هذه الخبرة زاده الأول، بل زاده الأعظم؛ لأنه لم يكن معدودًا من طلاب العلم المفلحين، وكان ينتابه شرود الذهن وهو يستمع إلى معلميه، وينتابه السأم كلما راجع دروسهم في داره؛ لأنه مخلوق لدروس غير هذه الدروس التي يعلمونه إياها؛ وهي دروس الحياة، ودروس العباقرة الذين يستمدون علمهم من حقائق الحياة، ولا يستمدونها من قماطر المحفوظات التي سبقهم إليها السوس، وهو أحق بها من الناس!

كان يطلع على مباحث العلماء في عصره، ويقف منها على أحدث الآراء في نشأة الإنسان وتطوره، وكان يلم بالفلسفة، ويجنح قليلًا إلى مذاهب التصوف، ويدخل مطالعاته أحيانًا في رواياته بغير إقحام ولا تحذلق، فلا تحسب أن كاتبًا قصصيًّا كان له من تعدد الجوانب وسعة الأفق ما اجتمع له بالفطرة والاطلاع.

نظم الشعر وليس من المبرزين فيه، وخاض في الفلسفة وليس من أساطين الفلاسفة، وعرض للتاريخ وتناول مذاهب الأخلاق فلم يصل في ناحية من هذه النواحي الفكرية إلى مداها، ولكنه — بمجموعها — وصل إلى الغاية من مادة الرواية؛ لأن الشعر والفلسفة والتاريخ نعم الروافد لفن القصة إذا استعان بها الروائي الموهوب.

وإذا قيل: إنه «أبو القصة الفرنسية الحديثة» فهي قولة حق لا يكثر المنازعون فيها؛ لأنه جعل الرواية فنًا جديًّا، ولم يسبقه سابق في هذه المزية.

على أنه — كدأب الرواد في الفنون — كان إلى القوة والخشونة أقرب منه إلى الأناقة والصقل. وقد يكون فنه «الخشن» آية من آيات صدقه، ومجاراة طبعه؛ لأنه هو نفسه كان رجلًا صلب العود، خشن البنية؛ وإن شئت فقل: إنه كان نموذجًا للريفي الفرنسي في صفات أبناء الغال من سلالة الغزاة الأقدمين، وكان مثلهم في ذهنه وبدنه وعاداته: يحب الحياة، ويحب الرغد، ويحب الفخفخة، ويحب الغزل، ولا تخلو أيامه من عاطفة شاغلة: عاطفة حب أو عاطفة كفاح ومغامرة.

وكذلك كان بلزاك في وراثته القومية ووراثته البيتية. ومن ولعه وولع أهله بالفخفخة أنهم أضافوا صيغة الشرف إلى أسمائهم، ولم تكن لهم حجة وثيقة في هذه الدعوى، وظل من أجل ذلك ملكيًّا في عصر الثورة؛ لأنه يدين في الحكم بمذهب النبلاء، وشاع أن أباه أول من حول اسم «بلزاك» إلى دي بلزاك. وما زال في مقتبل حياته يجاهد في طلب الغنى ليعيش في قريته كما يعيش النبلاء، فلم يرزق من الثروة غير قليل.

وهو كأبيه قد أحب الغنى وتورط من أجله في كثير من المغامرات العقيمة؛ فركبته الديون، وساءت سمعته، واشتهر بالمطال والمراوغة. ومن اليسير أن تعرف غرابة هذه المغامرات بمثل واحد، فمحاولة الغنى بالنشر والطبع أمر لا يستغرب من أديب، ولكن محاولة الغنى بحفر المناجم في سردينية هو الغريب من الأديب الذي لا يريد أن ينقطع عن الأدب. وهذه كانت إحدى غرائب بلزاك في هذا الباب!

أما مغامرات الحب، فكانت على هذا النمط من الغرابة والفشل، وكان يغوص فيها إلى القاع، ولا يقنع منها بالوقوف على الساحل: كان يتغزل ويتغزل، ولكنه إذا أحب مرة أحب بكل قلبه، بل بكل كيانه. وقد أحب على هذا النحو ثلاث مرات لا مرة واحدة، ولم يسعد في واحدة منها بالمجاوبة الصادقة ولا بالدوام. وكل معشوقاته نبيلات، وهكذا ينبغي أن يعشق النبلاء! ولكن ما هكذا يجدُّ النبلاء في الحبِّ كما جدَّ «بلزاك» أو «دي بلزاك» إذا توخينا رضاه في ذكراه.

معشوقته الأولى «مدام دي برني» تكبره بعشرين سنة، وقد أعطته شيئًا كثيرًا من عطايا الذوق والكياسة ودقة الملاحظة، ولم تعطه في الحب غير العطف والمجاملة، ومعشوقته الثانية «الدوقة دي كاستري» لم تكتب في حياته غير قصة وجيزة قصيرة الفصول … إلا أنه بلغ من عمق العاطفة معها ما لم يبلغه من طول الأيام، ثم أحب الثالثة وهي بولونية — نبيلة أيضًا — تسمى مدام «هانسكا» لها زوج روسي من الأوكرين، فجعل يلاحقها في أقطار أوروبة ويشغل نفسه بشواغلها، وهي ترضيه تارة وتسخطه تارات، وخطبها بعد موت زوجها فرفضته، وأصرت على الرفض إلى ما قبل وفاته بنحو سنة، ثم قبلت أن تنعقد بينهما رابطة الزواج؛ فصح فيها قول الشاعر العربي:

أتتْ وحِياض الموت بيني وبينها

وجادَتْ بوَصْل حينَ لا يَنفَع الوَصْل

فإن عناءه في الشباب الأول ترك في بنيته القوية آثارًا ظل يغالبها حتى غلبته، وتمكَّنت من قلبه وصدره فقضى وهو في عنفوان الرجولة ولمَّا يُتمَّ الثانية والخمسين؛ إلا أنه عمل في هذا العمر ما لم يعمله غيره في ضعفه، فترك نحو مائة كتاب بين قصة ومسرحية وشعر وفلسفة، وارتفع ببعضها إلى الذروة التي لا تعلى. ولسنا نحصيها هنا، فإن مجرد الإتيان بعناوينها يستغرق الصفحات، ولكننا نعتقد — كما يعتقد أكثر النقاد — أن خير هذه القصص ما جمعه بعنوان «الكوميدية الإنسانية» معارضًا عنوان دانتي صاحب «الكوميدية الإلهية».

ولقد حق لبلزاك أن يروي للناس مهزلة الحياة الإنسانية؛ فليس أخبر منه بما في الدنيا من سخرية، وما في الطباع من مضحكات. على أن صاحب «المهزلة» قد كان أجدَّ الجادين في العمل، فكان يعمل — كما أسلفنا — من اثنتي عشرة ساعة إلى عشرين ساعة بين الليل والنهار.

وفي وسعنا أن نتخيل مقدار عنائه إذا عرفنا أنه مع وفرة محصوله كان ينقح كتابته ويعيد تنقيحها غير مرة، وربما أعاد صوغها برمتها على مسودة التصحيح إلى جوار المطبعة، ولا بدع في الأمر ولا نقيصة، فحتى هزل الحياة لا يُعلم بغير الجد الصارم والتعب الدائم؛ فإن كانت عاقبة الحياة موتًا عاجلًا، فعاقبة الموت خلود مقيم.

ومع هذا كله لك أن تقول: إنها مهزلة الحياة!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.