تعاني النساء حول العالم من حوالي ٢٫٦٥ مليون حالة إملاص (ولادة جنين ميت) سنويًّا. وعلى الرغم من ضخامة هذا العدد، فإننا لا ندرك إلا بعض العوامل المسئولة عن ذلك. ففي الدول ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة (التي تحدث فيها معظم حالات الإملاص المسجَّلة حول العالم)، يمكن أن تتسبب أمراض مثل الملاريا في تعريض النساء الحوامل لخطر الإملاص. أما في الدول الأغنى، فتتمثل أكبر عوامل الإصابة في التدخين والسِّمنة. ومع ذلك، فهذه العوامل لا تفسر إلا بعض حالات قليلة من الإملاص، وتترك حالات أخرى كثيرة دون تفسير. ويمكن أن تكون الفوائد التي ستعود علينا من معرفة تفسير هذه الحالات هائلة للغاية.

قرد المارموست.
قرد المارموست.

ومن طرق الحصول على معلومات عن الصحة الإنجابية في البشر مراقبة طريقة حمل أقاربنا من الرئيسيات وولادتهن. وهناك دراسة حديثة عن قردة المارموسِت تُقدِّم بعض الإشارات المهمة عن أسباب حدوث الإملاص، التي ترجح أن صحة الأم خلال الحمل قد لا تكون هي السبب الأساسي. ففي واقع الأمر هناك بعض عوامل الخطورة التي قد تظهر حتى قبل مجيء الأمهات إلى الحياة.

تَوائم ثلاثية من قردة المارموست.
تَوائم ثلاثية من قردة المارموست.

أول ما يلاحظه المرء في قرد المارموست العادي ذي خصلتي الشعر البيضاوين حول أذنيه هو وجهه الصغير الفاتن للغاية، المحاط بخصلات كثيفة من الفراء الأبيض. ولا يعود اهتمام العلماء بهذا النوع من القردة لجمالها، بل بسبب الطريقة المثيرة التي تلد بها إناثها صغارَها. فعلى الرغم من أن معظم إناث الرئيسيات تلد مولودًا واحدًا في كل مرة، فإن هذه القردة تلد عادةً توائم ثنائية؛ بل إن بعضها تلد توائم ثلاثية.

إنها استراتيجية صعبة تنقل بها قردة المارموست جيناتها إلى نسلها؛ فمن الممكن أن يتراوح وزن صغار قردة المارموست ما بين خُمس ورُبع وزن أمهاتها. تخيَّل أن امرأة تزن ١٣٥ رطلًا تلد طفلين توءمين يبلغ وزنُ كلٍّ منهما ١٦ رطلًا ثم ترضعهما. هذه الاستراتيجية تنجح فقط لأن قردة المارموست تعيش في جماعات؛ فنجد أن الأب والأم يتلقيان المساعدة في الغالب من بعض الأقارب من الإناث التي تكْبِت قدرتها على الإنجاب خلال فترة مساعدتها للأم؛ فتتناوب على حمل الصغار وإحضار الطعام لها، ومن الممكن أن يُعاوِن القرد الأب أيضًا في ذلك.

وعلى الرغم من كل هذه المساعدات، فما تزال إناث قردة المارموست تتعرض للإملاص في بعض الأحيان. ومؤخرًا تولَّتْ جوليان رذرفورد، عالمة الأنثروبولوجيا الحيوية في قسم علوم صحة المرأة والطفل والأسرة بجامعة إلينوي في شيكاجو، مهمة البحث عن العوامل التي تجعل أنثى قردة المارموست أكثر عرضة لخطر الإملاص.

ودرست رذرفورد مع زملائها مستعمرةً لقردة المارموست في المركز الوطني لأبحاث الرئيسيات في المنطقة الجنوبية الغربية في سان أنطونيو بولاية تكساس. ويحتفظ المركز بسجلات مُفصَّلة عن كل قردة المارموست منذ الميلاد وحتى الوفاة. وحللت رذرفورد وزملاؤها التاريخَ الإنجابيَّ لنحو ٧٩ من إناث هذه القردة منذ عام ١٩٩٤. وعندما انتهوا من التحليل برز أحد عوامل الخطورة من تلك البيانات؛ إذ اتضح أن الإناث التي وُلِدَتْ ضمن توائم ثلاثية يزيد معدل تعرضها لخسارة الجنين بمعدل «ثلاثة أضعاف» مقارنةً بغيرهن من الإناث المولودة ضمن توائم ثنائية.

ونظر العلماء إلى بقية البيانات لفهم الصورة كاملةً؛ فوجدوا أن خطر التعرض للإملاص ليس جزءًا من مشكلة متعلقة بالخصوبة. فإناث التوائم الثلاثية فُرَصها في الحمل متساوية مع إناث التوائم الثنائية، لكنها فحسْبُ يقل احتمال اكتمال حملها إلى نهايته بنجاح.

ربما كانت هذه النتيجة انعكاسًا فحسب لنمط أكبر بكثير. فلطالما عرف العلماء أن النساء اللاتي كنَّ منخفضات الوزن عند ميلادهن يكنَّ في النهاية أكثر عرضة لخطر التعرض للإملاص عندما يصبحن حوامل، والأمر نفسه ينطبق على إناث الرئيسيات الأخرى؛ ولذلك بدا احتمالًا ممكنًا أن تكون إناث قردة المارموست المولودة ضمن توائم ثلاثية أكثر عرضة لخطر الإملاص فقط لأنها تكون أصغر في الحجم عند الميلاد من إناث التوائم الثنائية. وألقَتْ رذرفورد وزملاؤها نظرةً على السجلات للتأكد من أن هذا هو الوضع.

لكن الأمر لم يكن كذلك؛ فإناث التوائم الثلاثية يُولَدن بأوزان مختلفة، فضلًا عن أن الوزن الكبير لا يحميها مطلقًا من التعرُّض للإملاص. بالإضافة إلى ذلك، فإن إناث التوائم الثلاثية كبيرة الحجم أيضًا معرَّضة للإملاص عندما تكبر.

لا بد أن هناك شيئًا ما يحدث في أرحام قردة المارموست يترك تأثيرًا خفيًّا في إناث التوائم الثلاثية طوال حياتها. ففي أثناء مراحل نمو أنثى الرئيسيات وهي جنين في بطن أمها، يتكوَّن لديها المبيضان والرحم، والتي سوف تستخدمها في النهاية لإنجاب صغارها. وفي العادة تُنظِّم الهرمونات التي تدور حول جسم الجنين نموَّ تلك الأعضاء. وقد يؤدِّي الاشتراكُ في رحمٍ واحدٍ مع جنينين آخرين إلى حدوث اختلال في هذا التنظيم. فعلى سبيل المثال، نجد أن معظم إناث التوائم الثلاثية تُولَد مع أخٍ واحدٍ على الأقل؛ ومن ثم فمن الممكن أن تتداخل الهرمونات الذكورية التي يفرزها الإخوة مع عملية نمو أعضائها الأنثوية.

ولأن النساء في العادة يلدن طفلًا واحدًا في كل مرة، فلن يستفيد الطب ببساطة من البحث الذي قامت به رذرفورد، لكن هذا البحث قد يُشجِّع العلماء على توسيع نطاق بحثهم عن سبب التعرض للإملاص. صحيحٌ أن صحة المرأة أثناء حملها مهمة للغاية لنجاح الحمل، لكن صحتها الإنجابية يمكن أن يحدث تغيير فيها حتى قبل أن تُولَد.

أجرى العلماء قلة قليلة للغاية من الأبحاث حول وجود مثل هذه الاحتمالية في البشر. وألقت إحدى الدراسات القليلة التي أُجريت في هذا الشأن نظرةً على تبعات ما يُطلَق عليه «المجاعة الهولندية». ففي شتاء ١٩٤٤- ١٩٤٥ عانت هولندا من المجاعة. وكثير من النساء اللاتي كنَّ حوامل في ذلك الوقت عانينَ سوءَ التغذية. واقتفى العلماء أثر بنات تلك النساء منذ ذلك الحين لمعرفة الأثر الذي خلَّفته المجاعة فيهن قبل ميلادهن. وفي عام ١٩٩٧، وجد الباحثون أن هؤلاء النساء تمتعن بالخصوبة تمامًا مثل النساء المولودات لأمهات تلقَّيْنَ تغذية جيدة، لكنهم وجدوا أن بناتهن كُنَّ أكثر عُرضة للإملاص أو الوفاة بعد الميلاد مباشرةً.

نظرًا لطول عمر البشر سيكون تتبُّع تأثيرات الحمل على الإملاص عملًا بطيئًا، أما إناث قردة المارموست، فبإمكانها البدء في إنجاب الصغار قبل أن يصبح عمرها عامين. وتستغل رذرفورد وزملاؤها دورة الحياة السريعة لتلك القردة، وذلك بمتابعة عدد من إناثها من ميلادها وحتى حملها الأول، ويستخدم العلماء الموجات فوق الصوتية لالتقاط صور لنمو أجهزتها التناسلية وقياس مستويات الهرمونات أثناء هذه العملية.

من خلال هذا البحث الجديد ربما تتمكن رذرفورد من تحديد السبب وراء الخطورة البالغة لكون القردة الأم مولودة ضمن توائم ثلاثية، وربما يُسمَح لها أيضًا بتقديم أفكار تُمَكِّن من ولادة أطفال أكثر صحة في بني البشر.

From Womb to Womb by Carl Zimmer. The Loom. May 30, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.