أعادت الأزمة المالية العالمية اسم الاقتصادي الإنجليزي جون ماينر كينز إلى الساحة من جديد. وكان اسم كينز قد قفز إلى الواجهة بعد الأزمة المالية في الثلاثينيات من القرن الماضي. وعندها كان السائد في النظرية الاقتصادية «التقليدية»، هو أن اقتصاد السوق قادر على تصحيح أخطائه بنفسه، وأن البطالة أمر عارض لا يمكن أن يدوم، وأن المطلوب فقط هو أن تمتنع الحكومات عن التدخل في الحياة الاقتصادية حتى تتحقق العمالة الكاملة ويستمر النمو الاقتصادي. وجاءت الأزمة المالية في ذلك الوقت لتُكذِّب هذه العقيدة. وهنا تَقدَّم كينز في مؤلَّفه عن «النظرية العامة للعمالة وسعر الفائدة والنقود» ١٩٣٦، مؤكدًا أن الأزمات الاقتصادية تقع نتيجة لنقص الطلب، وأنه لا مناص من تدخُّل الحكومات بسياسات للإنفاق لإعادة الانتعاش إلى الاقتصاد. وقد نجحت سياسات كينز التدخلية في إعادة الحيوية إلى النشاط الاقتصادي، وعَرف الاقتصاد العالمي خلال ربع القرن التالي للحرب العالمية الثانية فترة «مجيدة» من النمو الاقتصادي والاستقرار في معظم دول العالم.

ومع ذلك تعرضت أفكار كينز إلى ردة وشبه ثورة مضادة منذ الثمانينيات، بدءًا بحكومة تاتشر في إنجلترا ثم ريجان في أمريكا، وبدأ اتجاه معارض لكل تدخُّل حكومي في الحياة الاقتصادية، وكان على رأس المعارضين الاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان.

إحياء الكينزية

والآن وبعد أن انفجرت من جديد الأزمة المالية العالمية الحالية منذ ٢٠٠٨، أعاد العالم اكتشاف أفكار كينز في أن التوازن لا يتحقق تلقائيًّا في اقتصاد السوق، بل إن هذا الاقتصاد — وخاصة أسواق المال — قادر على إخفاء الأخطاء والاختلالات لسنوات قبل أن تظهر على السطح وتنفجر، كما حدث في الشهور الأخيرة ﻟ «الفقاعة المالية»؛ وبذلك عادت النظرية الكينزية من جديد للأضواء، ولم يَعُد الحديث عن دور الدولة في الاقتصاد — إلى جانب السوق — مدعاة إلى الاعتذار، بل أصبح أمرًا مطلوبًا من جميع الأوساط. ولعل الولايات المتحدة الأمريكية — قلعة الحرية الاقتصادية — قد أوضحت خلال الشهور القليلة الماضية أنه دون تدخُّل من الدولة بشكل حاسم، فإن الأمور يمكن أن تتجه إلى كارثة اقتصادية تعم العالم. وجاء اجتماع مجموعة العشرين منذ أيام للتأكيد على الدور المتزايد للدولة في الاقتصاد.

وليس الغرض من هذه المقالة إعادة ترديد ما ذكره كينز عن أهمية السياسات الاقتصادية التدخُّلية لحماية مستوى النشاط الاقتصادي مع العدالة الاجتماعية، وإنما ما أود الإشارة إليه هو جانب آخر من آراء كينز — غير المشهورة — في صدد تشكيل نظام النقد العالمي، وكيف أن أفكاره — والتي استُبعدت في بداية الأربعينيات من القرن الماضي — ربما تكون مفيدة الآن ونحن نتحدث عن إصلاح هذا النظام.

فعندما بدأت تباشير نهاية الحرب العالمية الثانية، واتضح أن انتصار الحلفاء كاد أن يصبح مضمونًا، بدأت الحكومتان الأمريكية والبريطانية في الإعداد لنظام نقدي جديد لما بعد الحرب، يتجنب المساوئ القائمة في العلاقات الدولية آنذاك، والتي أدت إلى نوع من الحروب الاقتصادية الصامتة بين الدول الصناعية وانتهت بقيام الحرب العالمية. وقد اتُّفق في ذلك الوقت على أهمية إرساء قواعد جديدة تضمن حرية التجارة واستقرار العملات وحرية انتقال رءوس الأموال. وشكلت الحكومتان لجنة لإعداد تصوراتها عن النظام النقدي المقترح لما بعد الحرب. وكان الوفد البريطاني برئاسة كينز، في حين كان الوفد الأمريكي برئاسة وايت. وقدَّم الوفدان تصوراتهما، وانتهى الأمر بالأخذ — بشكل عام — بالخطوط الرئيسية الواردة في مقترحات الوفد الأمريكي مع تجاهل مقترحات كينز. وانتهى الأمر بتشكيل النظام الدولي الجديد وفقًا لذلك في مؤتمر بريتون وودز ١٩٤٤على أساس إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وتبدو أهمية أفكار كينز عن تشكيل نظام النقد الدولي إذا أعدنا قراءة مقترحاته في ذلك الوقت لما ينبغي أن يكون عليه نظام النقد الدولي. وحتى نفهم الدلالة الحقيقية لتلك المقترحات، فقد يكون من المناسب أن نعيد إلى الأذهان بعض أخطر مساوئ نظام النقد الحالي.

عيوب النظام النقدي الحالي

يقوم النظام النقدي الحالي من الناحية الواقعية على أساس الدولار، أي على أساس عملة وطنية تصدر من دولة لها سياساتها الوطنية. كذلك فإنه رغم أن اتفاقية صندوق النقد الدولي تدعو إلى التأكيد على أهمية «التوازن» في العلاقات الدولية، فإن سياسات الصندوق لا تتضمن أية قيود أو جزاءات على دول الفائض؛ فهي تقتصر على فرض بعض القيود على دول «العجز» وحدها حين تحتاج إلى الاقتراض من الصندوق؛ ومن هنا أصبحت الاختلالات في موازين المدفوعات هي السمة الغالبة بين الدول.

وقد أثار استخدام الدولار — وهو عملة وطنية — كأساس للمعاملات الدولية انتقادات كثيرة، منها أنه يحابي الدولة المصدرة لهذه العملة، بأن يوفر لها مزايا في الحصول على موارد اقتصادية من العالم بلا مقابل حقيقي بمجرد توفير أوراق نقدية للتعامل (الدولار)؛ وبذلك تتمتع الولايات المتحدة تجاه العالم بما يشبه الحق في فرض ضرائب على العالم، مقابل استخدام الدولار في المعاملات الدولية.

ولكن هناك عيبًا آخر، وهو أن إصدار هذه العملة للتعامل الدولي يأخذ في الاعتبار بالدرجة الأولى مصالح الاقتصاد الوطني الأمريكي، وليس بالضرورة مصالح العالم. فالسياسة النقدية الأمريكية هي بالدرجة الأولى سياسة أمريكية «وطنية» لا تأخذ بالاعتبارات الدولية إلا بالقدر الذي يناسبها.

وأخيرًا، فإن قيام الولايات المتحدة الأمريكية بإصدار الدولار لاستخدامه في المعاملات الدولية يعني أن تصبح الولايات المتحدة — عمليًّا — بمثابة «البنك المركزي العالمي» الذي يصدر النقود (الدولار) للتعامل النقدي الدولي. ومعروف أن البنك المركزي — في أية دولة — يصدر النقود في شكل مديونية عليه؛ ولذلك فإن مديونية الولايات المتحدة الأمريكية للعالم تعتبر جزءًا عضويًّا في النظام النقدي العالمي. فالدولارات لكي تتوافر للعالم تتطلب أن تصبح الولايات المتحدة «مدينة للعالم الخارجي» بهذه الدولارات. وبذلك فإن «المديونية الأمريكية» المتعاظمة هي نتيجة طبيعية لدور أمريكا باعتبارها الدولة المصدرة للعملة الدولية؛ وبذلك يصبح وجود العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي أمرًا لا مناص منه.

فماذا اقترح كينز قبل نهاية الحرب العالمية الثانية فيما يتعلق بالنظام النقدي الدولي؟

اقتراحات كينز لنظام نقدي مختلف

تضمنت اقتراحات كينز وضع «التوازن» في العلاقات الدولية كأساس لسلامة المعاملات الدولية؛ ولذلك فقد كان كينز لا ينظر بعين الرِّضَى لكل اختلال في موازين المدفوعات، يستوي في ذلك الفائض والعجز. وعلى عكس النظام الحالي الذي لا يفرض أية قيود أو جزاءات على دول «الفائض»، فقد رأى كينز أن اختلال التوازن في العلاقات الدولية هو مسئولية مشتركة بين دول العجز ودول الفائض. فالعجز لا يُتصور قيامه إلا إذا وُجد فائض مقابل لدى طرف آخر؛ ولذلك فإن كينز لم يكتفِ بفرض قيود على دول العجز، بل اقترح فرض جزاءات أيضًا على دول الفائض. فإذا تراكمت الفوائض لدولة ما لعدة سنوات؛ فإنها تكون معرضة لإلغاء هذه الفوائض. وبهذا الشكل يضع النظام المقترح ضغطًا على دول الفائض لكي تعمل على تخفيض أو إلغاء هذه الفوائض بتشجيعها على الاستيراد من الدول الأخرى وخاصة من دول العجز؛ مما يؤدي إلى فتح فرص جديدة أمام دول العجز للتصدير لدول الفائض.

ولكن كينز لا يكتفي بذلك، بل هو يريد أن يكون النظام «دوليًّا» بالمعنى الكامل، بحيث لا تكون «النقود الدولية» مجرد «عملة وطنية» تُتداول دوليًّا، بل تقوم مؤسسة دولية بإصدار «عملة دولية» في شكل ائتمان، تقدمه هذه المؤسسة للدول المحتاجة عن طريق عملة جديدة أطلق عليها اسم «البانكور». فالمؤسسة الدولية المقترحة لا تقرض نقودًا وطنية لإحدى الدول، وإنما تصدر «ائتمانًا» عليها، ويُقبَل هذا الائتمان في التعامل من مختلِف الدول. وهكذا تتحول هذه المؤسسة النقدية الدولية إلى نوع من «البنك المركزي العالمي» الذي يصدر نقودًا دولية باعتبارها ائتمانًا على الاقتصاد العالمي، وتُقبَل من جميع الدول. وبطبيعة الأحوال فإن إدارة هذه «المؤسسة» — وخاصة فيما يتعلق بالإصدار النقدي — تكون على مستوًى جماعي ويراعى في إصدارها احتياجات الاقتصاد العالمي. ولا يخفى أن ظهور «حقوق السحب الخاصة» في نهاية الستينيات قد أخذ — بشكل جزئي — بمفهوم كينز عن إصدار نقود دولية في شكل ائتمان يصدر عن صندوق النقد الدولي. ولكن ما زال دور حقوق السحب الخاصة محدودًا جدًّا في المعاملات الدولية. وفي اجتماعهم الأخير قررت مجموعة العشرين زيادة حقوق السحب الخاصة بمبلغ ٢٥٠ مليار دولار، (نصيب الدول الصناعية منها حوالي ٦٠٪). وهي زيادة في موارد صندوق النقد الدولي.

وكان الاقتصادي الأمريكي توبن TOBIN قد اقترح أن تُفرض ضريبة على المضاربات المالية لتوظيف حصيلتها في خدمة المصالح العامة للمجتمع الدولي مثل حماية البيئة. ولا شك أن الأخذ باقتراح مماثل لما قدَّمه كينز وإصدار مثل هذه «العملة الدولية» من مؤسسة دولية يمكن أن يكون مساعدًا لفرض مثل هذه الضريبة. فهنا يمكن أن تقتطع المؤسسة الدولية عمولة أو رسمًا عند منح الائتمان للمقترضين يُخصَّص للإنفاق لأغراض التنمية البشرية في العالم.

العودة إلى كينز مرة أخرى

الحديث عن إصلاح النظام النقدي الدولي قد يتطلب البدء في التفكير في إصدار عملة دولية جديدة، وإعادة موضوع «التوازن» في العلاقات الدولية إلى صلب اهتمامات الاقتصاد العالمي. وهنا فقد لا نكون في حاجة إلى اختراع كينز جديد للمعاونة على إنقاذ العالم من الأزمة المالية الحالية كما سبق أن فعلها في السابق، ويكفي أن نعيد قراءة كينز القديم. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.